الآيات الآمرة بالمحافظة على حدود جماعة المسلمين

المقال الحادى عشر من سلسلة (علم الدس ـ النظرى)

لفضيلة الشيخ أ . د / محمد عبد الله الأسوانى.

3 ـ هدم مفهوم آيات حفظ هذه حدود جماعة المسلمين :

من المعروف عن التكفيريين الوهابيين القدامى والجدد أنهم عمدوا الى الآيات التى نزلت فى الكافرين فجعلوها فى المسلمين ابتغاء تكفيرهم ، ولذلك ترى كلامهم جميعه تقسيمات للمسلمين.

فترى فى كلامهم أنهم يقسمون المسلمين فرق وطوائف ويذكرون فى كل موضع حديث افترقت اليهود :

جاء فى سنن ابن ماجة ما روى عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ‌ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة وهي: الجماعة “.

لذلك تراهم يفرقون بين أمة النبى صلى الله عليه وسلم تفريق تكفير فهم يقولون:

ـ قبورية مشركين.

ـ صوفية بدعية .

ـ أشعرية جهمية.

ـ ماتريدية معطلة.

الى غير ذلك من تسمياتهم للمسلمين وجعلهم طوائف وفرق من وجهة نظرهم ، مع ان القول بالتفرق يستلزم التباين وهو أن ترمى كل فرقة الفرقة الأخرى بالكفر ، وهو ما لم يحدث إلا من:

ـ الخوارج الوهابيين وخَلَفَهم من السلفيين والجماعات الإسلامية الجهادية.

ـ ومن غلاة فرق الشيعة.

أما باقى التصنيفات التى يتشدق بها الوهابيين وتقول بأنها فرق مارقة عن الدين ، فلا تعدوا إلا مدارس شرعية تقيم سنة النبى صلى الله عليه وسلم التى كادت الوهابية أن تطمسها.

حتى تلك التسميات التى تسمت بها هذه المدارس الشرعية قد خلعها الناس على هذه المدارس فهى لم تسمى نفسها بها ، كما يفعل الوهابيون والسلفيون عندما يسمون أنفسهم بتسميات جميلة وبديعة يختارونها من اجل أخراج غيرهم منها ـ كعادة الجماعات الباطنية القديمة :

ـ فهم يسمون أنفسهم (المسلمون) كما أوردها ابن غنام وابن بشر فى تأريخهما للغزوات الوهابية فى جزيرة العرب ، يقولون (اغتنم المسلمون كذا ، وقتل المسلمون كذا) يُعرِّضون بغيرهم من اهالى الجزيرة العربية من أهالى شمر والعارض ونجد والأحساء والحجاز وعسير واليمن والبحرين وعمان وبادية الشام والاردن والعراق والشام بأنهم كفاراً مشركين رجعوا الى عبادة القبور والشجر والأحجار.

ـ ويسمون أنفسهم بـ (السلفية) يُعرِّضون بغيرهم أنهم مبتدعة لا يتبعون السلف من القرون الثلاثة الأُول.

ـ ويسمون أنفسهم بـ (أهل السنة والأثر) يُعرِّضون بغيرهم أنهم لا يتبعون النبى صلى الله عليه وسلم ما أنزل عليه من الوحى الشريف.

ـ ويسمون أنفسهم بـ (بأهل السنة والجماعة) يُعرِّضون بغيرهم أنهم فرق مارقة عن الدين.

ـ ويسمون أنفسهم بـ (جماعة التوحيد والجهاد) يُعرِّضون بغيرهم أنهم مشركون معطلة للجهاد.

ـ ويسمون أنفسهم بـ (بالناجون من النار) يُعرِّضون بغيرهم أنهم كفارٌ من أهل النار.

الى غير ذلك من التسميات.

ونرجع الى مقصودنا من جميع ذلك وهو أن الله سبحانه وتعالى ذكر فى القرآن الكريم آيات بيِّنات افترض علينا وعلى الأمة الإسلامية الإتحاد والاعتصام جميعاً بحبل الله واستوجب علينا عدم التفرق.

ومن هذه الآيات :

ـ قوله تعالى : ” وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا” آل عمران : 103 .

ـ قوله تعالى : ” وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ” آل عمران : 105 .

ـ قوله تعالى : ” وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” الإنعام : 153 .

ليس هذا فقط

فقد حذرنا الله سبحانه وتعالى شر التفرق والإختلاف ، وضرب الله سبحانه وتعالى لنا الأمثال من الأمم المهلكة والمغضوب عليها الذى وقعوا فيما نهوا عنه من أمر التفرق كما فى :

ـ قوله تعالى : ” لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ” الشورى : 13 ـ 14 .

ـ قوله تعالى : ” إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ” الإنعام : 159 .

ـ قوله تعالى : ” مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ” الروم : 32.

ـ قوله تعالى : ” وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ” البينة : 4.

ـ قوله تعالى : ” كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” البقرة : 213 .

ـ قوله تعالى : ” ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ” البقرة : 176 .

ـ قوله تعالى : ” تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ” 253 .

ـ قوله تعالى : ” إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ” آل عمران : 19 .

ـ قوله تعالى : “وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ” يونس : 93 .

ـ قوله تعالى :” وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ” هود : 110 .

ـ قوله تعالى :” إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ” النحل : 124 .

ـ قوله تعالى :” تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” النحل : 63 ـ 64 .

ـ قوله تعالى :” فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ” الأحزاب : 37 .

ـ قوله تعالى :” وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ” فصلت : 45 .

ـ قوله تعالى :” وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ” الزخرف : 62 ـ 65 .

ـ قوله تعالى :” وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ * هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ” الجاثية : 16 ـ 21 .

ومن العجب العجاب أن يمر الوهابيون وفِرَقهم على هذه الآيات فلا تحرك لهم ساكناً وهم المشهورون بكثرة قراءتهم للقرآن الكريم ، فلديهم اصرار عجيب على ان يعمدوا الى الآيات التى نزلت فى الكفار فيجعلونها فى المسلمين.

ومن عجيب هذه الفرقة التى ظهرت فى نجد فى القرن الثانى عشر الهجرى أنها تنتهج نفس نهج الحركات الباطنية الأول فى الدس على أهل السنة وإدخال التحريفات فى كتبهم من أجل نصرة مذهبهم ومن أجل اتساع خرق التكفير أملاً منهم فى امتناعه عن الرتق.