تغيير المناهج: من بناء الهوية إلى تفكيكها

المقال التاسع والثلاثون من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

لم يكن أخطر ما أنجزه الاستشراق والبعثات التعليمية هو جمع المعلومات أو إرسال الطلاب، بل كان إعادة صياغة المناهج التعليمية في الداخل. فالمناهج هي المصانع الحقيقية للأمم، بها يُبنى الوعي أو يُهدم، وبها تُصان الهوية أو تُفكك، وبها يُربى جيل قادر على الدفاع عن نفسه أو جيل مستسلم يرفع الرايات البيضاء. لذلك كان التحكم في المناهج أحد أهم مشاريع جيوش الظل الحديثة، لأنها أداة بعيدة المدى تضمن استمرار التبعية جيلاً بعد جيل.

لقد كانت المناهج في عصور ازدهار الأمة وسيلة لبناء الإنسان: يبدأ الطالب بحفظ القرآن واللغة، فيتشرب قيم الإيمان والبلاغة، ثم ينتقل إلى الفقه والتاريخ، فيتشكل وعيه الجمعي بأن له أمة عظيمة وحضارة ممتدة. لكن مع دخول الاستشراق وتوسع البعثات، تغيّر هذا البناء جذريًا. صار المنهج ميدانًا للاختراق، تُحذف منه بعض الصفحات وتُضاف إليه أخرى، ويُعاد ترتيب محتوياته بحيث يخرج الطالب من مدرسته غريبًا عن نفسه، فاقدًا لصلته بتراثه، مشبعًا بإعجاب أعمى بالغرب.

ففي كتب التاريخ مثلاً، تقلصت صفحات الفتوحات الإسلامية إلى إشارات هامشية، بينما مُلئت الفصول بقصص الثورة الفرنسية، والنهضة الأوروبية، وأبطال الغرب. وفي الأدب، طُغيت نصوص فولتير وروسو وشكسبير على نصوص المتنبي وأبي تمام والمعري. وفي الفلسفة، صُورت المادية والعلمانية والداروينية على أنها قمم الفكر البشري، بينما وُصفت الفلسفة الإسلامية بالتقليدية والعجز. لقد كان المنهج وسيلة لتغريب الطالب، لا لتعليمه.

ولم يقف الأمر عند اختيار المحتوى، بل شمل لغة التعليم نفسها. فبدلاً من أن يكون الطالب متمكنًا من لغته الأم، صار يتلقى علومه بالفرنسية أو الإنجليزية. وهكذا وجدنا أجيالاً كاملة تفكر بلغة الغرب قبل أن تفكر بلغتها. ومن هنا انبثق جدار نفسي يفصل النخب عن شعوبها: فالخريج المتخرج من مدارس أجنبية يرى نفسه أرفع شأنًا من أبناء وطنه الذين تعلموا بالعربية، ويحتقر ثقافتهم باعتبارها “متخلفة”.

وكانت النتيجة أن المناهج تحولت إلى أداة لتفكيك الهوية، بدلاً من أن تكون أداة لبنائها. فالطالب الذي يدرس تاريخه المبتور، ولغته المشوهة، وقيمًا ليست من بيئته، يخرج من مدرسته وهو مقتنع أن لا مستقبل له إلا بالانصهار في الغرب. هذه ليست صدفة، بل خطة متعمدة: أن يُربى جيل يشعر بالدونية، فيبحث دائمًا عن منقذ خارجي، ويُسلم قياده بسهولة للنفوذ الأجنبي.

ومن أخطر ما فعلته المناهج أنها زرعت الانقسام داخل الأمة. فبينما ظلت غالبية الشعب مرتبطة بموروثها الديني والثقافي، صارت النخب “المتعلمة” غريبة عن هذا الموروث، ترى نفسها أقرب إلى باريس ولندن من قربها إلى دمشق أو بغداد أو القاهرة. وهكذا لم تعد التبعية مجرد خيار سياسي، بل صارت بنية نفسية راسخة داخل النخب الحاكمة.

إن تغيير المناهج بهذا الشكل كان أذكى ما صنعته جيوش الظل. فالاحتلال العسكري قد يُقاوَم في يوم أو عام أو عقد، لكن الاحتلال الفكري عبر التعليم يعيش قرونًا. والطالب الذي يُغرس في عقله أن أمته متخلفة سيكبر ليصبح وزيرًا أو جنرالاً أو صحفيًا، ويعيد إنتاج هذه الفكرة في قراراته وسياساته ومقالاته. وهكذا تتحول المناهج إلى آلة لإعادة إنتاج الهزيمة جيلًا بعد جيل.

لقد كانت النتيجة أن الأمة صارت تعيش مفارقة مؤلمة: شعوب مؤمنة بهويتها، ونخب متغربة عنها. شعوب تتحدث بالعربية وتفتخر بتاريخها، ونخب تفكر بالإنجليزية أو الفرنسية وتستمد قيمها من الغرب. هذا الانقسام لم يكن طبيعيًا، بل صُنع عمدًا عبر المناهج التي أشرف عليها خريجو البعثات والمتأثرون بالاستشراق.

وبهذا يكتمل المشهد: الاستشراق صنع الصورة المشوهة من الخارج، البعثات صنعت النخب المتغربة في الخارج، والمناهج أعادت إنتاج هذه التبعية في الداخل. إنها حلقة محكمة من حلقات جيوش الظل، لا تحتاج إلى دبابة ولا إلى جندي، بل إلى قلم معلم وكتاب مدرسي ومنهج دراسي. وحين يتشوه المنهج، تتشوه الأمة كلها.