بقلم: أ.د/ سعد شعبان
أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم
مخطئٌ مَن يظنُّ أن الجغرافيا مجرد تضاريس، وأن التاريخ محضُ أوراقٍ تكدست في رفوف النسيان؛ فثمة بلادٌ خُطَّت حدودُها بمداد الوحي، وصِيغت أقدارُها على عينِ الله عزو جل على رأس هذه البلاد تقف مصر؛
مصر كنانة الله في أرضه، قلب الأمة النابض، والحصن الذي ما انكسر يوماً إلا وانكسر الشرق، وما انتفض يوماً إلا وعادت للشرق هيبتُه وسؤدده.
في مثل هذه الأيام، تتنفس الأمة عبيراً خاصاً، عبيراً يفوح بمسك الشهادة، وعرق الكفاح، وصيحات “الله أكبر” التي دكّت عروش الأوهام، إنها ذكرى نصر أكتوبر العظيم، تلك الملحمة الخالدة التي لم تكن مجرد معركة عسكرية عابرة، بل كانت تجلياً عبقرياً لناموسٍ كونيٍّ صاغه الله العزيز الجليل في محكم التنزيل فقال تعالى:
﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم وَآخَرينَ مِن دونِهِم لا تَعلَمونَهُمُ اللَّهُ يَعلَمُهُم ﴾ [الأنفال: 60].
أولاً: فلسفةُ الإعداد وناموسُ القوة :
إن الحقّ الأعزل من القوة هو حقٌّ مستباح، والعدل الذي لا تحميه الأسنة هو أمنيةٌ كسيرة في مهب الريح. لقد جاءت الآية المحكمة لتنتشل الأمة من غيابات التواكل والانتظار السلبي، وتدفع بها إلى ميادين العلم، والتخطيط، وامتلاك أدوات العصر. والقوة في المفهوم الإسلامي ليست غطرسةً ولا طغياناً، بل هي “قوةُ ردعٍ” تحقن الدماء وتصون الحرمات؛ ولهذا قال الحبيب المصطفى ﷺ مُفسِّراً كلمةُ «قوَّةٍ» التي جاءت في الآيةِ مُبهَمةً، ففَسَّرها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وبيَّن أنَّ القُوَّةَ المذكورَةَ في كِتابِ اللهِ المُرادُ بها الرَّميُ بالسِّهامِ والرماح فقال: «ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ» كما جاء عن عقبة بن عامر قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على المِنبَرِ يقولُ: ﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ﴾ (ألا إنَّ القوةَ الرَّميُ، ألا إنَّ القوةَ الرَّميُ، ألا إنَّ القوةَ الرَّميُ) صحيح مسلم: (1917).
وفي حرب أكتوبر، لم يكتفِ الجندي المصري بالدعاء والابتهال، بل سبقهما سنوات من الصبر الصامت، والتخطيط العلمي الدقيق، وإعداد العقول والسواعد، وتطويع التكنولوجيا. فكان العبور نتاجاً طبيعياً لربط الأرض بالسماء، والأخذ بالأسباب المادية مع تمام التوكل على مسبّبها.
ثانياً: زلزال العبور وتهاوي الأساطير :
حين كانت الدنيا تظن أن الأمة قد استمرأت الضيم، وأن خط “بارليف” الحصين قد صار قدراً لا يُرد، جاء العاشر من رمضان، ليعلن للكون أن هذه الأمة قد تمرض لكنها لا تموت. في وضح النهار، ومن قلب الصيام الطاهر، انطلقت مئات الآلاف من الحناجر الموحدة تؤمّ الموت لتصنع الحياة.
لقد تهاوت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر تحت أقدام رجالٍ تسلّحوا بالحق، وتجلى فيهم وعيد الله للمعتدين: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 249]. لقد ثبت للعالم أجمع أن روح أكتوبر هي طاقةٌ معنوية هائلة، قادرة على تحطيم القيود وتغيير خرائط السياسة وصياغة التاريخ من جديد.
ثالثاً: مصر.. الكنانة والريادة :
ليست مصر وطناً نعيش فيه فحسب، بل هي وطنٌ يعيش فينا، وهي التي شرفها الله بالذكر والتعظيم والوعد بالأمن في محكم آياته: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99]. ولقد وعى نبي الأمة ﷺ هذه المكانة الاستراتيجية والروحية، فبشّر بفتحها وأوصى بأهلها خيراً، ووصف جيشها بأنه “خير أجناد الأرض”.
إن ريادة مصر ليست ترفاً سياسياً، بل هي قدرٌ تاريخي ومسؤولية قومية. فكلما كانت مصر قوية، مصونة الجانب، مهابة الحمى، كان العروبة والإسلام في أمان وعزة. ولقد أثبتت حوادث الأيام أن مصر هي الصخرة التي تتكسر عليها كل المؤامرات المحاكة ضد هذه المنطقة.
رابعاً: الروح المستمرة وبناء المستقبل:
إن أعظم وفاء لشهداء أكتوبر، وأكبر شكر لنعمة النصر، لا يكون بالبكاء على الأطلال أو الاكتفاء بالهتاف والتغني بالماضي، بل يكون باستلهام تلك الروح وتحويلها إلى منهاج حياة. إن معركة اليوم هي معركة الوعي، والبناء، والنهوض الاقتصادي والعلمي.
تحديات العصر تفرض علينا إعداداً من نوع جديد؛ إعداد العقول بالمعرفة المعاصرة، وتحصين القلوب بالقيم والأخلاق، والعمل الدؤوب في المصنع والمزرعة والمختبر.
إننا مدعوون لأن نكون أقوياء في كل ميدان، مستحضرين
الحديث النبوي الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» رواه مسلم (2664).
ستظل حرب أكتوبر شاهداً حياً على أن إرادة الشعوب المؤمنة بحقها لا يمكن أن تُهزم، وستبقى مصر شامخة رافعة الرأس، منيعة الحمى، وستظل رايتها تخفق بالعزة والكرامة، مستمدةً قوتها من كتاب ربها، وسنة نبيها، وسواعد أبنائها المخلصين، حفظ الله مصر وجميع بلاد المسلمين من كل مكروه وسوء.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف