الرفق بذوي الاحتياجات الخاصة
10 أغسطس، 2026
الحقوق فى الإسلام

بقلم / الدكتور : ابوبكر الجندى
امام بوزارة الاوقاف
يجد أسدٌ مفترسٌ في الغابة قردًا أعمى فلا يفترسه ولا يقتله، وإنما يرق له ويرحمه ويوصله إلى أمه، فاللين والرفق والرحمة مع ذوي الإعاقة فطرة حتى في الحيوانات المفترسة، وهي فطرة أيضًا في بني البشر، فترى أكثر الناس يسارعون في خدمتهم وقضاء حوائجهم والتخفيف عنهم، وتكميل عجزهم، ويتقربون إلى الله تعالى بذلك، بلا أجر ولا مقابل، ولا ينتظرون منهم جزاءً ولا شكورًا، ويكفي ما يجدونه في نفوسهم من الراحة وهم يخدمون أعمى أو قعيدًا أو يساعدون أعرجًا أو أصمًا أو أبكمًا.
وقد جاء الشرع الحنيف متفقًا مع هذه الفطرة، وذلك من خلال كثيرٍ من التشريعات، والتي من أهمها:
ـ تعميم التكريم لهم بحكم البشرية التي كرمها الله تعالى جميعًا بلا استثناء، دون تفرقةٍ بين صحيح أو معاق أو بين جنسٍ وجنسٍ أو بين لونٍ ولونٍ.
ـ رفعت الشريعة الإسلامية عن ذوي الاحتياجات الخاصة كثيرًا من التكاليف، كتخفيف الصلاة قاعدًا أو على جنب، ودفع الفدية لمن يعجز عن الصيام, وإسقاط جهاد أعداء الوطن عنهم ، فقال تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ..}[النساء: 95].
ـ النهي عن تهميشهم أو عدم الاهتمام بهم، وقد نزلت سورة عبس تلوم المصطفى صلى الله عليه وسلم على عبوسة طارئه في وجه أعمى، فقال تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى}[عبس: 1 – 2]، يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه شرائع الدين، والنبي صلى الله عليه وسلم مشغولٌ بدعوة أشراف قريش للإسلام، فقطع الأعمى حديثه؛ فعبس النبي صلى الله عليه وسلم بفطرته، فنزلت السورة بهذا العتاب اللطيف؛ لنبتسم ولو في وجه الأعمى.
ـ احترام رغباتهم ما أمكن، فقد جاء عمرو بن الجموح، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه أن يجاهد معه في سبيل الله ـ وهو أعرج ـ فأذن له، وقاتل حتى قُتل يوم أحد، فمر عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة، فحول النبي صلى الله عليه وسلم شغفه وطاقته الزائدة إلى إنجاز وبطولة في سبيل الله.
– الحث على دمجهم مع المجتمع، ومزجهم بالأصحاء، كما قال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ …}[النور: 61]، وكان الصحابة يتخوَّفون من الأكل مع ذوي العاهات؛ حذرًا من الجَور عليهم, كما كان أصحاب العاهات يتخوفون من مؤاكلة الأصحاء أن يتقذروا منهم؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية لرفع الحرج عن الجميع.
– جعل الشرع لهم أهلية الوجوب التي مناطها الحياة، وأهلية الأداء التي مناطها العقل؛ وعليه فهم يستحقون الإرث والعطايا والبيع الشراء لأنفسهم، ومن ضعف عقله منهم ناب عنه وليه في إصلاح ماله وتنميته.
ـ النهي عن السخرية بهم أو نبزهم بالألقاب، فلا يحل مناداة أحدهم بعجزه أو مخاطبته بضعفه كقولهم يا أعمى يا أعرج يا أعور، لا على سبيل التعريف بل على سبيل التهكم والانتقاص من قدرهم، وهذا من الكبر وغمط الناس، وقد قال تعالى في هذه الأخلاق المرفوضة: {بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ}، فَمَن يجرح مشاعر الضعيف والعاجز بذمه والانتقاص من شأنه فهو ضعيف الإيمان بل هو أقرب لاسم الفسوق من اسم الإيمان كما سماه القرآن.
ـ التحذير من همزهم ولمزهم والإساة إليهم، كما قال تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ}[الهمزة: 1 – 9]، والحطمة هي النار التي تَهْشم وتَدُّك العظام، وتكسر القلوب والأفئدة، كما كسروا قلوب الناس واستهزأوا بهم.
وأخيرًا الرفق بذوي الاحتياجات الخاصة هو واجب إنساني واجتماعي وديني، ويشمل حسن التعامل، والحفاظ على كرامتهم، وتوفير الرعاية الكاملة لهم، مع الابتعاد عن الألفاظ الجارحة، وتوفير المجتمع لهم التعليم والتأهيل المناسب لقدراتهم ومهاراتهم، وتقديم الرعاية الصحية والنفسية والعلاج الدائم لهم، ودمجهم في الأنشطة العامة وبث الثقة في نفوسهم، وتجهيز المرافق العامة بالوسائل التي تسهل حركتهم.