اللقاء السابع: كشف الشبهات وتفنيد الأكاذيب المثارة حول ذي النورين

سلسلة مقالات “الفتنة الكبرى وأثرها في الوعي الجمعي الإسلامي “

 بقلم / د. بدر الفيومي

دكتوراه فى الفلسفة والفكر العربى والاسلامى المعاصر

إن القراءة السطحية لأحداث الفتنة الكبرى لا تقودنا إلا إلى زيغ في الفهم وضلال في استقراء التاريخ، لا سيما إذا ما سقط الباحث في فخ الروايات التي صاغتها أيدي المجتزئين الذين يحاولون عزل النصوص عن سياقاتها، والمجترئين على مقام الصحابة بغير علم ولا هدى.

وإن تتبع الشبهات التي أثيرت ضد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- يكشف عن نسق دعائي منظم، تنكب عن نهج الإنصاف، وحاول عبر نهوج ملتوية اختراق الوعي الجمعي للأمة وتزييف الحقائق التاريخية. فحريٌّ بنا كباحثين ومثاقفين أن نضع هذه الشبهات في غرابيل النقد العلمي، لتنقيتها من زيف المشككين وتخرصات المجدفين.

جمع الناس على مصحف واحد وإحراق ما سواه (مأثرةٌ لا مثلبة):

 يبدو واضحاً لكل ذي عينين أن قضية جمع القرآن وإحراق المصاحف تأتي في طليعة القضايا التي اتخذها المجدفون ذريعة للطعن في عدالة عثمان، الأمر الذي يتطلب منا محاكمة المشهد بوعي فقهي رصين. فالتحليل التاريخي للحادثة يربطها مباشرة باتساع رقعة الدولة ودخول الأغيار من الأعاجم في الدين؛ حيث فزع حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- مما عاينه في الثغور من تشتت المسلمين في قراءات القرآن، حتى كاد هذا الاختلاف أن يعصف ببيضة الدين.

وهنا نجد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- ينهض بمسؤولية الإمامة، جامعاً قادة الرأي وصفوة الصحابة، ليضع نهجاً حاسماً يحفظ على الأمة كتابها. ونقد الشبهة يكمن في فهم طبيعة هاتيك المصاحف التي أُحرقت؛ إذ لم تكن مصاحف رسمية معتمدة، بل نسخاً فردية تشتمل على منسوخ التلاوة وتفسيرات أدرجها بعض الصحابة للاستيضاح، فخشي عثمان أن تختلط بالمتن الأصلي مع تقادم العهد، ناهيك عن اختلاف ترتيب سورها.

وقد كان صنيعه مأثرة عظمى وحفظاً للوحي حظي بإجماع الأمة، وصار كالشمس في رابعة النهار التي لا يملك المشككون حجبها بـ غرابيل الأباطيل.

فرية ضرب ابن مسعود وعمار بن ياسر:

وإذا ما انتقلنا إلى الفرية التي روجتها شبيبة الفتنة والمنحرفون عن جادة الصواب، من أن عثمان أمر بضرب ابن مسعود وعمار بن ياسر -رضي الله عنهما-، فإن التفكيك العقلي والمنطقي يكشف تهافت هذا الادعاء؛ إذ لو فُتقت أمعاء ابن مسعود -كما زعموا- لما عاش بعدها يوماً واحداً، في حين أنه توفي مرسلاً على فراشه.

مما يوضح أن هذه الأكاذيب صُممت خصيصاً لإحداث شرخ نفسي في الأمة وتصوير دولة الخلافة كقوة بطاشة، وهو سلوك لا يستغرب من جماعات الوظيفة السياسية والمتأسلمين في كل عصر.

توسيع الحمى وإتمام الصلاة.. أبعاد السياسة الشرعية:

إذا ما حاولنا فهم مسألة توسيع الحمى -وهي الأرض المخصصة لماشية الدولة- نجد أن المسألة مدارها مصلحة الأمة لا الاستئثار الشخصي. فقد كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- حمى، وتبعه عمر بن الخطاب رعاية لإبل الصدقة وخيل الجهاد، فلما ولِي عثمان وتدفقت الفتوحات، تضاعفت ثروة الدولة العامة، فكان من العبقرية الإدارية توسيع الحمى ليستوعب هذه الأعداد. فلم يحمِ عثمان شبراً لنفسه ولا لخاصته، بل كان ناظراً بمنظار المصلحة المرسلة، لكن المشككين قلبوا هذا النجاح الإداري إلى مثلبة.

ويقودنا هذا التحليل إلى مسألة إتمام الصلاة في السفر بمنى، وهي القضية التي تباكى عليها المتفقهون الذين يقفون عند ظواهر النصوص دون فقه مآلاتها. فالقصر في السفر عند جماهير العلماء سنة مستحبة لا واجب حتمي، وقد تأول عثمان الإتمام بمنى خشية أن يظن الأعراب وحديثو العهد بالإسلام أن الصلاة الحضرية ركعتان، فكان إتمامه نهجاً تعليمياً لحفظ الصلاة، وهو ذاته ما تأولته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- حين كانت تُتم في السفر.

 الشبهات التاريخية الثلاث (بدر، أُحد، بيعة الرضوان) والرد الفصل:

 أما بقية دعاوى الخصوم حول غياب عثمان عن بدر، وفراره يوم أحد، وغيابه عن بيعة الرضوان، فإن الرد الفصل الذي ألجم المجتزئين قد صاغه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-؛ إذ بين أن تخلفه عن بدر كان بأمر نبوي لتمريض زوجته رقية بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، بل وضرب له النبي بسهمه وأجره.

وأما فراره يوم أحد، فهو ذنب شمل طائفة من الصحابة بسب خدعة عسكرية، لكن الله تعالى صك غفرانهم في القرآن بنص قطعي (وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ)، فمن ذا الذي يملك الطعن فيمن عفا عنه رب السماوات؟! وأما بيعة الرضوان، فلم تقم أصلاً إلا ثأراً لعثمان لما أُشيع مقتله بمكة، وناب النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه بيده الشريفة، فكانت يد رسول الله لعثمان خيراً من أيدي الصحابة لأنفسهم.

قضية عبيد الله بن عمر وميزان القصاص:

وتبرز قضية عدم قتل عبيد الله بن عمر قصاصاً للهرمزان كواحدة من أدق المسائل التي واجهت الخلافة. فالمعطيات التاريخية والقرائن القوية أثبتت تمالؤ الهرمزان مع أبي لؤلؤة المجوسي في اغتيال عمر بن الخطاب، الأمر الذي جعل عبيد الله ينطلق ثائراً لأبيه، ظاناً بوجود مؤامرة تستهدف رأس الدولة، فقتل الهرمزان وجفينة متأولاً.

والنظر الفقهي في موقف عثمان يرتكز على قواعد راسخة:

  • فقه التأويل: حيث كان عبيد الله من المتأولين الذين يدرؤون عن أنفسهم القصاص لوجود الشبهة، والحدود تُدرأ بالشبهات.

  • ولاية الدم: فلم يكن الهرمزان له ولي دم بالمدينة، والسلطان ولي من لا ولي له، فكان لعثمان عفو الحق العام وقبول الدية.

  • السياسة الشرعية: إن إعدام ابن الخليفة الشهيد في ذات الأسبوع الذي قُتل فيه أبوه كان سيفجر فتنة أهلية تعصف بـ الوعي الجمعي للمدينة، فكان دفع أعظم المفسدتين بأخفهما هو النسقية الرشيدة التي سار عليها عثمان؛ حيث حقن الدماء وتكفل بالديات من ماله الخاص إبراءً للذمة وضماناً للاستقرار.

نخلص إذن إلى أن المحاكمة العلمية لكل هاتيك المآخذ تكشف بوضوح عن عوار أطروحات المجدفين والمجترئين على التاريخ الحنيف؛ إذ تبدو اتهاماتهم إما من قبيل الأكاذيب المفضوحة، وإما مناقب عظيمة عُكست آيتها، وإما اجتهادات شرعية سائغة دارت بين الأجر والأجرين.

وإننا إذ نستحضر هذه الحقائق في حاضرنا المعيش والوقت المعيش الذي كثر فيه المرجفون، لندرك عظمة ذي النورين؛ ذلك الإمام الراشد المبشر بالجنة، الذي شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم-، واستحت منه ملائكة الرحمن، وبذل دمه الزكي في النهاية لحفظ وحدة هذه الأمة.

وللحديث بقية…