«علومٌ لا تُعرفها السلفية وتدرّسُ في الأزهر الشريف و المدارس العلمية العتيقة منذ مئات السنين، « منها علم الوضع»


بقلم الدكتور : محمد عبدالحليم المعصراوى


تمهيد:

من العلوم التي عُني بها علماء الأزهر الشريف، وتناقلتها المدارس العلمية العتيقة، علم الوضع، وهو من العلوم الدقيقة التي تتصل بفقه اللغة العربية وأصولها، وتبحث في العلاقة بين الألفاظ والمعاني، وكيفية وضع الألفاظ للدلالة على معانيها، وما يطرأ على ذلك من العموم والخصوص، والحقيقة والمجاز، والوضع الشخصي والنوعي وغير ذلك من المسائل.

وهذا العلم، وإن كانت مباحثه قد تفرقت في جملة من العلوم العربية والأصولية والمنطقية والبيانية، فإنه استقل بالتأليف والتصنيف، وأصبح له مصطلحاته ومسائله وقواعده التي اعتنى بها علماء المدارس العلمية العريقة، وفي مقدمتها الأزهر الشريف.

أولًا: تعريف علم الوضع:
علم الوضع هو:
العلم الذي يبحث في أحوال اللفظ العربي من حيث شخصيّة الواضع، ونوعيّة الوضع، وعمومه وخصوصه، وغير ذلك من الأحوال المتعلقة بوضع الألفاظ للدلالة على المعاني.

وأما موضوع هذا العلم فهو:
الألفاظ العربية من حيث شخصيّة الوضع، ونوعيّته، وخصوصه وعمومه، وسائر الأحوال المتعلقة بالوضع.

وأما فائدة هذا العلم فتتجلى في جملة من الأمور، من أهمها:

1- معرفة شخصيّة الوضع ونوعيّته وخصوصه وعمومه.
2- معرفة الطرق التي كانت تسلكها العرب في تعيين الألفاظ بإزاء معانيها المختلفة.
3- معرفة القواعد التي تعين على إدراك نوعيّة الوضع، كوضع الأعلام الشخصية، ووضع المصادر، وأسماء الأجناس، والحقيقة والمجاز، وغير ذلك.

ثانيًا: «ثمرة علم الوضع»:

من أهم ثمرات هذا العلم إدراك الفرق بين وضع اللفظ واستعماله؛ فقد يوضع اللفظ عامًا، ثم يستعمل استعمالًا خاصًّا، أو يوضع لمعنى ثم يطرأ على استعماله تخصيص أو نقل.

فمن أمثلة ذلك لفظ «السبت»؛ فإنه في أصل اللغة يدل على مطلق الدهر، ثم خصته اللغة بأحد أيام الأسبوع.

ومن ثمراته كذلك معرفة الأوضاع الشخصية والنوعية للألفاظ، ومعرفة الوضع العام للموضوع له الخاص أو العام، والتمييز بين جهات الوضع والاستعمال، وغير ذلك من المسائل التي تكشف دقة النظام الدلالي في اللغة العربية.

ثالثًا: «نشأة علم الوضع»:

كانت مباحث علم الوضع في بداياتها مبثوثة في جملة من العلوم، ولا سيما علم أصول الفقه، وعلم المنطق، وعلم البيان، وغيرها من العلوم التي تناولت العلاقة بين اللفظ والمعنى والدلالة.

إلا أن الذي اشتهر بوضع هذا العلم في الصورة التي استقل بها وصار يُعرف بها عند المتأخرين هو عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، المتوفى سنة 756هـ، حيث صنف رسالته المشهورة في علم الوضع، المعروفة بـ «الرسالة العضدية في علم الوضع»، وضمنها تحقيقات نفيسة في وضع الضمائر، والإشارات، والموصولات، والحروف، وغيرها من أبواب هذا الفن.

ومن هنا أخذ علم الوضع يتبلور علمًا مستقلًا له موضوعه ومسائله ومصطلحاته، وتتابع العلماء بعد ذلك على شرحه والتعليق عليه، ووضع الحواشي والتقريرات والمنظومات فيه.

رابعًا: «الكلام حول واضع اللغة»:

اختلف العلماء في مسألة واضع اللغة: هل وضعها الله تعالى، أم البشر، أم كان أصل الوضع من الله تعالى ثم تولى البشر وضع بعض الألفاظ، أم يتوقف في المسألة؟

ومن أشهر الأقوال في ذلك:

الأول: أن واضع اللغة في الحقيقة هو الله عز وجل، وهو مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري، وقد أيده كثير من العلماء.

الثاني: أن واضع اللغة هم البشر، أي بنو آدم، وهو منسوب إلى جماعة من المعتزلة، ومنهم الجبائي.

الثالث: أن القدر الذي وقع به التنبيه إلى الاصطلاح من وضع الله تعالى، وأما باقي اللغة فمحتمل أن يكون من وضع الله تعالى أو من وضع البشر، وهو قول منسوب إلى الإمام الإسفراييني.

الرابع: التوقف في المسألة، وهو مذهب الإمام أبي بكر الباقلاني.

خامسًا: «أشهر المصنفات في علم الوضع»:

لقد ترك علماء الأزهر الشريف تراثًا واسعًا في هذا الفن، بين رسائل مختصرة، وشروح مطولة، وحواشٍ وتقريرات ومنظومات، ومن أبرز ما ذُكر في هذا الباب:

1. الرسالة العضدية في علم الوضع، للإمام عضد الدين الإيجي، المتوفى سنة 756هـ، وعليها شروح وحواشٍ عديدة.

2. شرح الرسالة الوضعية العضدية في علم الوضع، لأبي القاسم بن أبي بكر الليثي السمرقندي، المتوفى سنة 907هـ، وقد دارت عليها شروح وحواشٍ وتقريرات كثيرة.

3. زهرة الأفهام في تحقيق الوضع وما له من الأقسام، لأبي الهادي محمد بن أحمد بن حسن بن عبد الكريم الخالدي، المشهور بـ ابن الجوهري، المتوفى سنة 1215هـ، وعليه حاشية للشيخ زين بن أحمد بن زين الصياد المرصفي الأزهري الشافعي، المتوفى سنة 1300هـ.

4. خلاصة علم الوضع، للعلامة يوسف الدجوي، عضو جماعة كبار العلماء بالأزهر الشريف، المتوفى سنة 1365هـ.

5. عقد اللآلئ وشرحه، للشيخ عبد الملك الفتني.

6. أرجوزة لذَّة السمع في علم الوضع، تأليف محمد بن أحمد بن علي البهوتي، المتوفى سنة 1088هـ، وقد شرحها ناظمها.

7. رسالة الصفوي في أقسام الوضع، للشيخ مصطفى بن محمد بن يوسف القلعاوي المصري الصفوي الشافعي، وله شرح على منظومة له في علم الوضع.

8. علم الوضع، للشيخ الأزهري عبد الهادي نجا الأبياري، المتوفى سنة 1305هـ، ضمن كتابه «سعود المطالب في الأدب».

9. خلاصة علم الوضع، للأستاذ عبد الرحمن خلف، المدرس بالقسم الثانوي النظامي بالأزهر الشريف، وقد طُبعت بمطبعة الثعالبي بمصر، ويليها تعليقات له على الرسالة العضدية.

10. المنح الإلهية في القواعد الوضعية، للشيخ عبد الخالق بن حجاج بدر الشبراوي، وقد طُبع بمطبعة السعادة بمصر سنة 1925م.

11. رسالة في علم الوضع، للشيخ علي بن محمد النجار الشافعي، من علماء الأزهر الشريف وأستاذ كلية الشريعة، وقد طُبعت بمطبعة السعادة بمصر.

12. علم الوضع، للأستاذ عبد الحميد عنتر، أستاذ النحو والصرف بكلية اللغة العربية.

13. ملخص علم الوضع، للشيخ محمد الحسيني الظواهري، المتوفى سنة 1946م، من علماء الأزهر الشريف.

14. رسالة في علم الوضع، للأستاذ محمد بن داود البيهي.

خاتمة

يتضح من هذا العرض أن علم الوضع يمثل جانبًا مهمًّا من جوانب التراث العلمي العربي والإسلامي والأزهري.

كما تكشف كثرة المصنفات والشروح والحواشي والتقريرات التي أُلِّفت في هذا الفن عن عناية العلماء به، ولا سيما علماء الأزهر الشريف والمدارس العلمية العتيقة، الذين حافظوا على هذه العلوم الدقيقة ودرّسوها وتوارثوا مباحثها جيلاً بعد جيل.

ومن هنا فإن معرفة هذه العلوم تكشف جانبًا من عمق المنهج العلمي الأزهري واتساع دوائره، وتبرز الفرق بين الدراسة العلمية التراثية التي تقوم على التدرج والتأصيل واستيعاب علوم الآلة، وبين الاقتصار على بعض العلوم أو المتون .

والله الموفق للصواب