البعثات التعليمية قنوات لتغيير المناهج والولاءات
29 أكتوبر، 2026
الماسونية والجمعيات الصهيونية

المقال الثامن والثلاثون من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )
للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
حين يُكتب تاريخ القرنين التاسع عشر والعشرين في بلادنا، تُذكر البعثات التعليمية عادة باعتبارها رمزًا للتحديث والانفتاح على العالم، وصورةً لنهضةٍ علمية طموحة، كما حدث في مصر في عهد محمد علي باشا، أو في بلاد الشام والعراق لاحقًا. لكن النظرة المتأنية تكشف أن هذه البعثات لم تكن مجرد جسر معرفي بين الشرق والغرب، بل كانت في حقيقتها قنوات منظمة لإعادة تشكيل العقول والولاءات، بحيث تتحول النخب العائدة منها إلى أدوات داخلية تخدم مشروع السيطرة الخارجية. لقد كانت هذه البعثات أخطر أشكال جيوش الظل، لأنها لم تفرض نفسها بالقوة، بل زرعت نفسها في قلوب أبناء الأمة، ثم أعادت تصديرهم كقادة ومفكرين وسياسيين، يحملون في داخلهم بذور التبعية وهم يظنون أنهم يقودون النهضة.
كانت البداية مع تجربة محمد علي في مصر، حين أرسل بعثات من الطلاب إلى فرنسا، ليعودوا حاملين العلوم الحديثة. وبين هؤلاء كان رفاعة الطهطاوي، الذي درس في باريس وعاد بكتاباته التي نقلت صورة الغرب باعتباره “مدينة الأنوار”. لقد مثّل الطهطاوي نموذجًا أوليًا لما ستصنعه البعثات لاحقًا: مثقف مؤمن بالوطن، لكنه مشبع برؤية غربية للعالم، يرى في أوروبا النموذج الأعلى، ويعتبر أن النهضة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر تقليدها. ومن هنا بدأت بذور التحول: الإعجاب بالغرب لم يعد خيارًا شخصيًا، بل صار سياسة دولة تُزرع في نفوس النخب الجديدة.
ومع توسع هذه البعثات في مصر وسائر البلاد العربية، صار واضحًا أن الأمر ليس تبادلًا معرفيًا بريئًا. فقد كان الطلاب الذين يُرسلون يُختارون بعناية، ثم يُخضعون في أوروبا لبرامج دراسية وحياتية تعيد صياغة شخصياتهم كاملة. لم يكن الهدف تعليمهم الهندسة أو الطب فقط، بل جعلهم يرون العالم بعين الغرب، ويحكمون على مجتمعاتهم بميزان غربي. وهكذا عاد هؤلاء الخريجون ليحتلوا مواقع حساسة: أساتذة جامعات، وزراء، رؤساء تحرير، ضباطًا كبارًا… وبذلك صاروا الطابور الخامس المعرفي الذي يمسك بمفاصل الدولة.
لقد لعبت البعثات التعليمية دورًا مزدوجًا: فهي من جهة أنتجت طبقة من المتعلمين الذين ساهموا فعلًا في تحديث بعض الجوانب التقنية، لكنها من جهة أخرى صنعت طبقة أشد خطورة، لأنها أعادت تعريف معنى النهضة. النهضة لم تعد تُفهم بأنها عودة إلى الذات واستنهاض الهوية، بل صارت تعني الاندماج في الغرب والتبعية له. وبذلك تحولت البعثات إلى قنوات لنقل نموذج واحد، هو النموذج الغربي، وإقصاء كل البدائل الأخرى.
ولم يكن أثرها مقصورًا على السياسة أو التعليم، بل امتد إلى الثقافة العامة. فقد عاد خريجو البعثات يحملون معهم ذائقة فنية وأدبية جديدة: في الأدب، مجّدوا الرواية الغربية على حساب التراث العربي؛ في الفن، رفعوا قيمة النماذج الأوروبية؛ في الفكر، روجوا للفلسفات المادية والعلمانية. ومع الوقت، صار المجتمع يعيش انقسامًا داخليًا: عامة الناس متمسكون بدينهم وتراثهم، بينما النخب “المتعلمة” ترى في ذلك تخلفًا، وتقدم الغرب كمرجعية مطلقة. هذا الانقسام لم يكن عارضًا، بل كان مقصودًا، لأنه جعل النخب في مواجهة شعوبها، وفتح الباب أمام المستعمر ليقدّم نفسه كحَكم أو مخلّص.
ومن أخطر ما أنتجته البعثات هو إعادة صياغة المناهج التعليمية في الداخل. فالعائدون منها تسلموا وزارة المعارف (التعليم) في أكثر من بلد، فأدخلوا إلى المناهج مقررات غربية بالكامل، وحذفوا ما يعزز الهوية الإسلامية أو الوطنية. وهكذا بدأ الطالب العربي يتعلم عن الثورة الفرنسية أكثر مما يتعلم عن الفتوحات الإسلامية، ويقرأ عن شكسبير أكثر مما يقرأ عن المتنبي، ويعرف تاريخ أوروبا أكثر مما يعرف تاريخ بلده. هذا لم يكن صدفة، بل كان امتدادًا مباشرًا لرؤية الغرب التي حُقنت في عقول النخب العائدة.
والأدهى أن كثيرًا من هؤلاء العائدين لم يكونوا يرون أنفسهم عملاء، بل كانوا مقتنعين تمامًا أنهم يخدمون أمتهم. وهذا ما يجعل البعثات أخطر من أي جيش احتلال: لأنها تصنع عملاء بالفكر لا بالسلاح، عملاء يؤمنون بصدق أن خلاص أمتهم في تقليد الغرب. وهكذا لا يحتاج المستعمر إلى إكراههم، بل يكفي أن يتركهم يعملون بما ظنوه وطنيًا، بينما هم في الحقيقة ينفذون خطته.
إن البعثات التعليمية كانت إذن خط إنتاج لجيوش ظل بشرية: تُختار من أبناء الأمة، وتُصنع في الغرب، وتعود لتتولى الحكم والتعليم والإعلام، فتضمن استمرار التبعية جيلاً بعد جيل. ومن يراجع تاريخ الاستقلالات العربية في منتصف القرن العشرين، يجد أن كثيرًا من القادة الذين تسلموا الحكم كانوا أبناء هذه البعثات أو مدارسها، وأنهم أعادوا إنتاج التبعية حتى بعد خروج الاحتلال العسكري.
وهكذا نرى أن الاستعمار لم يحتج إلى البقاء طويلًا بجنوده في الأرض، لأنه ترك وراءه جيشًا صامتًا من النخب المتغربة التي نشأت في جامعاته ومدارسه، وظلت بعد رحيله تنفذ أجندته. وهذه هي أعظم خطورة البعثات التعليمية: أنها لا تنتهي بانتهاء سنوات الدراسة، بل تظل آثارها حية في كل قرار سياسي، وكل منهج مدرسي، وكل خطاب ثقافي. إنها جيوش ظل زرعت في عقول أبنائنا، لتبقى معنا حتى بعد رحيل المحتل.