بين الاستشراق والاستغراب… قراءة في المفهوم والغاية

بقلم: د. طلعت عبد الله أبو حلوة وكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية  جامعة الأزهر

بين الاستشراق والاستغراب

إن من ينظر إلى هذين المصطلحين يجدهما يدلان على الطلب، لكن الطلب في كل واحد منهما يختلف عن الطلب في الآخر، فيقصد بالاستشراق طلب الغربيين لحضارة وعلوم الشرق كالعرب والمسلمين، وكثيرًا ما يُوَجَّه لخدمة وتوجيه القرار السياسي الغربي، والخطاب الإعلامي، والغزو الفكري، ويرتبط بالهيمنة والاستعمار، ويقصد بالاستغراب طلب الشرقيين لحضارة وعلوم الغرب، ومعرفة الاستشراق وتحليله ونقده؛ للاستفادة من خير الحضارة الغربية والاستشراق، والوقوف على شرهما وتبيينه، والتنبيه على خطر الضارّ والفاسد منهما لرفضهما واجتنابهما. وكلٌّ من الاستغراب والتصدي للاستشراق مضمار وَعْر؛ ولذا ينبغي ألا يلجه، ويخوض غماره إلا الراسخون في العلم الذين اكتملت لهم الأدوات، واستوفت فيهم الشروط، وتسلحوا بالكثير من العلوم والمعارف.

والاستشراق ليس شرًّا كله، ولا خيرًا كله، وكل من الثناء المطلق عليه والثقة المطلقة فيه مذموم كذم التحامل المفرط عليه والتعصب ضده، وإنما يكون شرًّا حينما يبنى على الأكاذيب والخداع والتضليل، ويكون الغرض منه خدمة أيديولوجيات معادية، وأهواء فاسدة، وذلك شأن من جحدت نفوسهم، ومرضت عقولهم، وعميت بصائرهم، فوجدنا منهم التصريحات الكاذبة والمضللة، والكتابات الفاسدة والمسمومة، والرسومات المسيئة، ويكون خيرًا حينما يقوم على التجرد، ويتسم بالموضوعية، ويبنى على الإنصاف، ويكون الغرض منه إثبات الحقيقة وتجليتها بدون تحيز؛ ولذلك فقد وجدنا بعض المستشرقين قد أنصفوا الإسلام وحضارته، والرسول ورسالته، وقدموا للتراث العربي والإسلامي خدمات عظيمة وجليلة، ومن هؤلاء المنصفين المستشرق الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه “حضارة العرب”، والمستشرق الفرنسي إميل درمنغم في كتابه “حياة محمد في عيون مستشرق”، والمستشرق الفرنسي هنري دي كاستري في كتابه “الإسلام خواطر وسوانح”، والمستشرق الإنجليزي توماس كارليل في كتابه “الأبطال”، والمستشرق الأمريكي مايكل هارت في كتابه “الخالدون مائة أعظمهم محمد صلى الله عليه وسلم”، والمستشرقة الألمانية آنا ماري شيمل في كتابيها “وأن محمدًا رسول الله”، و”الإسلام دين الإنسانية”، والمستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها “شمس العرب تسطع على الغرب”، والمستشرقة الإيطالية لورا فيشيا في كتابها “دفاع عن الإسلام”.

فقد اشتملت هذه الكتب النفيسة لأولئك المنصفين على شهادات وإشادات كثيرة ومنصفة للإسلام وحضارته، والرسول ورسالته، ولا غرو ولا عجب في أن يجيء ذلك على لسان بعض الأعداء أو المخالفين، فالخلاف لا يمنع الإنصاف، والفضل ما شهدت به الأعداء، وأعظم تفسير وتعليل لذلك هو أن يكون للإسلام وحضارته والرسول ورسالته صِدْقٌ بالغٌ في النفوس يكون فوق طاقة القلوب والعقول إنكاره، وكأن لسان الحال والمقال يقول: إن قَدْرَ الإسلام وحضارته والرسول ورسالته مما لا يخفى على أحد، ومما يتعدى نطاقُه إلى غير الأتباع المؤمنين؛ ليشمل العاشقين للحقيقة والإنصاف، والمتطلعين إلى صفات الخير والبِرِّ والحب والجمال، والذين رأوا في عظمة الإسلام وروعة حضارته وعظمة شخص الرسول وكمال رسالته تجسيدًا حيًّا دائمَ الإشعاعِ لعظيم الصفات وحميد الأخلاق، ومستمرَّ الإفاضةِ والإمداد بأجمل الفضائل والعطاءات، وأحسن الفيوضات والخيرات، وكفى بذلك فضلًا ونُبْلًا.

ولم يقف الأمر ببعض المستشرقين عند حد إنصافهم للإسلام مع بقائهم على معتقدهم، بل قد وجدنا بعضًا من المنصفين قد قاده إنصافه، وأَثَرُ عظمة الإسلام-دين العقل الذكيّ المستنير، والتفكير الحر الرشيد- في نفسه وعقله، وإعجابُه بحقائق الإسلام المُشِعّة الساطعة، وانبهارُه بتعاليمه السَّمْحة، إلى اعتناقه والانضواء تحت لوائه، ومن هؤلاء الذين شرح الله -عز وجل- صدورهم للإسلام، وأشرق نوره في قلوبهم: المستشرق الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي، والمستشرق الدبلوماسي الألماني مراد هوفمان، والمستشرق البَحّاثة المجري عبد الكريم جرمانوس، والمستشرق الرَّحّالة النمساوي محمد أسد.

وأما الاستغراب – وهو طلب الشرقيين لحضارة وعلوم الغرب- فالحاجة إليه ماسّة، والضرورة ملحة، وذلك بقصد معرفة تفكير الغرب وتحليله، وفهم منطلقاته، وذلك بقصد الانتفاع بالمفيد من حضارة الغرب، واجتناب غير المفيد، وكشف قناع المستشرقين، وبيان زيفهم، وكشف أباطيلهم، وتفنيد أكاذيبهم، وتفكيك خطابهم، والرد على شبهاتهم.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام كشفًا وتوضيحًا لإشكالية المصطلح هو التفرقة بين الاستغراب والتغريب؛ حيث إن الاستغراب هو دراسة علوم وفكر وثقافة الغرب، أما التغريب فهو تَقَمُّص الفكر الغربي وثقافته وتبنيهما على حساب الفكر الإسلامي والعربي وثقافتهما، ولا يخفى من خلال هذه التفرقة أن روح التغريب غربية أكثر منها شرقية، ولا يخفى كذلك على ذي عقل ولُبّ أن التغريب قد يكون أكثر خطرًا وأشد ضررًا من الاستشراق؛ لأن المتغرب هو شخص مسلم أو عربي، والأصل فيه أنه مُحِبٌّ لإسلامه وعروبته، وغيور عليهما، وذائد عن حياضهما، أما أن تأتي الخيانة والعداوة والكُرْه والتحامل على الإسلام والعرب من أبنائهما وبني جِلْدتهما، فذلك هو العجب العُجاب، والداء العُضال، والسم الزُّعاف، والموت الزُّؤام، وتلك هي الحماقة التي أعيت من يداويها !!!.