تحريف الآيات الدالة على حدود جماعة المسلمين

المقال التاسع من سلسلة (علم الدس ـ النظرى)

لفضيلة الشيخ أ . د / محمد عبد الله الأسوانى.

2 ـ هدم المفهوم المقصود من آيات حدود جماعة المسلمين ـ التى بيَّنت تلك الحدود التى أخرجت المسلمين عما عداهم ممن ليسوا مسلمين ـ

ان حدود الإيمان والإسلام امور بسيطة مبسطة خالية من التعقيد ويحيط بها كل شخص مسلم أياً كانت ثقافته او فهمه .

ونذكر على سبيل المثال ثلاث من هذه الآيات الكريمة:

والعمدة فى بيان المؤمنين هى آية فى خواتيم سورة البقرة :

ـ قوله تعالى : “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ” البقرة : 285 .

فالرسول صلى الله عليه وسلم هو رجل من رجال هذه الأمة وهو سيدها وقدوة لها ومعلمها لذلك ابتدأت الآية به صلى الله عليه وسلم.

وليس من العجيب ان تذكر الآية الكريمة نفى التفرق والتفرقة فى الإيمان برسل الله تعالى ، إذ هو أصل فى الإيمان ، وخص بالذكر فى هذه الآية بقوله (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) رغم أنه سبق الإيمان بعموم رسل الله سبحانه وتعالى فى قوله (كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) فانها تخصها بالذكر تأكيداً على عدم تفرقة المؤمنين بين رسل الله صلوات الله عليهم لأن تلك التفرقة كانت السبب الرئيسى فى تفرق بنى اسرائيل فرقاً متناحرة يكفر بعضها بعضاً ويستحل بعضها دماء بعض.

يقول القرطبى فى تفسيره (“لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ” يعني يقولون آمنا بجميع الرسل ولا نكفر بأحد منهم ولا نفرق بينهم كما فرقت اليهود والنصارى).

وفى تفسير الطبرى (قال ابن زيد:”لا نفرق بين أحد من رسله”، كما صنع القوم – يعني بني إسرائيل – قالوا: فلان نبي، وفلان ليس نبياً، وفلان نؤمن به، وفلان لا نؤمن به).

وتضمنت الآية فضائل أخرى هى للمسلم الحق ومنها :

ـ السمع والطاعة لله ولرسوله ولجماعة المسلمين، فالمؤمن هيِّن ليِّن إن قيد ينقاد.

ـ طلب المغفرة من الله والتى هى فرع من الإحساس بالذنب والتقصير وهضم النفس ومعرفتها.

ـ اليقين بأن المرد والمنقلب الى الله سبحانه وتعالى.

الآية الثانية :

قوله تعالى : “وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ” الحج : 78 .

فقد بيَّن الله سبحانه وتعالى اجمالاَ حال المسلم الحق وهو أن يكون دائماً فى حال جهاد سواء أكان جهاد العدو فى ميادين الحروب أم جهاد النفس فى الخلوات أو فى المعاملات أو فى العبادات أو فى الكف عن محارم الله أو فى سياستها فى الاقبال على الله أو ما كان فى أعلاها وهو تزكيتها كما فى قوله تعالى (قد افلح من زكاها) وطريق تزكية النفس هو معالجة امراضها الباطنية بأنواع المجاهدة.

ثم ذكر الله سبحانه الاجتباء وهو الاختيار لدينه عز وجل ومعناه يتسع الى ما شاء الله من فضل الله وله متطلبات.

يقول البغوى فى تفسيره (“وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ” ضيق، معناه: أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله له منه مخرجا، بعضها بالتوبة، وبعضها برد المظالم والقصاص، وبعضها بأنواع الكفارات، فليس في دين الإسلام ذنب لا يجد العبد سبيلا إلى الخلاص من العقاب فيه).

وفى تفسير الجلالين (“وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج” أَيْ ضِيق بِأَنْ سَهَّلَهُ عِنْد الضَّرُورَات كَالْقَصْرِ وَالتَّيَمُّم وَأَكْل الْمَيْتَة وَالْفِطْر لِلْمَرَضِ وَالسَّفَر).

وفى تفسير الطبرى رواية عن الضحاك (” وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ” يقول: من ضيق، يقول: جعل الدين واسعاً ولم يجعله ضيقاً).

ففى الآية الكريمة الكفاية الكافية فى الرد على التكفيريين.

الآية الثالثة :

قوله تعالى ـ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ” النور : 12 .

وهذه الآية هى صمام الأمان للمجتمع المسلم بعدم تسلط فئة على بقية المجتمع المسلم بالتفريق والتكفير.

نعلم ان هذه الآية نزلت فى براءة عرض أمنا السيدة عائشة زوج رسولنا صلى الله عليه وسلم.

ولكن هذه الآية صارت مثلاً ـ ولله المثل الأعلى ـ لبراءة أعراض المؤمنات المسلمات ما لم تقم عليهن البينة .

ويقول الله تعالى ” وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ” النور : 16.

هذا عن الإتهام بارتكاب الفاحشة فما بالنا بمن يتهم مسلماً بريئاً بالكفر !!