هل اختزلنا العقيدة في خلافاتنا ونسينا رسالتها في إصلاح الإنسان؟

بقلم الدكتور: مصطفى طاهر رضوان

يا علماء الأمة ودعاتها … كفى استنزافًا للعقول والأعمار في معارك الخلاف
العقيدة أكبر من أن تُختزل في مسائل الخلاف

ليست العقيدة الإسلامية هي هذه المسائل الخمس أو الست التي يتنازع حولها المسلمون، وتتحول أحيانًا إلى معارك لا تنتهي، وخصومات لا تبقي ولا تذر، وكأن الإسلام كله قد انحصر فيها، وأن مصير الأمة معلق على الانتصار في تلك المعارك الجدلية!

وأخشى أن تمضي أعمار كثير من العلماء والباحثين والدعاة، وتُستنزف طاقات طلاب العلم، وتُهدر الأوقات في تكرار الجدل حول مسائل لم تكن أصلًا من شواغل النبي ﷺ وصحابته، وإنما ظهرت في عصور الفتن والاختلاف، ثم ننسى أن للعقيدة الإسلامية جوهرًا أعظم، ورسالةً أسمى، وأثرًا ينبغي أن يتجاوز حدود الجدل إلى ضمير الإنسان وواقع الحياة!

إن العقيدة ليست معلومات تُحفظ، ولا مصطلحات تُردد، ولا خصومات يُنتصر فيها لرأي على رأي …

إنما هي إيمان يملأ القلب، ويحرر العقل، ويهذب النفس، ويقيم الحياة على أساس من الحق والعدل والرحمة والمسؤولية.

العقيدة التي ينبغي أن نُحيي معانيها في نفوس الناس هي:

الإيمان بالله وتوحيده … إيمان يحرر الإنسان من عبودية الهوى والطغيان والنفس والأنا، ويجعله لا يخضع في الحق إلا لله، ولا يبيع ضميره ابتغاء مرضاة مخلوق، ولا يظلم ضعيفًا، ولا يتكبر على إنسان، ولا ينسى أن له ربًا يراه ويسمعه ويحاسبه.

والإيمان بالملائكة … إيمانٌ يوقظ في النفس معنى الرقابة والمسؤولية، ويُشعر الإنسان أن حياته ليست عبثًا، وأن وراء هذا العالم الغائب حقائقَ أخبرنا بها الوحي، يجب أن نؤمن بها تسليمًا لله وتصديقًا لأنبيائه.

والإيمان بالكتب السماوية … إيمانٌ يجعلنا نعظم وحي الله، ونوقر كتبه، ونعرف للقرآن الكريم منزلته المهيمنة، ونجعله مرجعيتنا في كل شؤون الحياة.

والإيمان بالرسل … إيمانٌ يحملنا على محبتهم وتوقيرهم، والتأسي بهديهم، والاقتداء بخاتمهم محمد ﷺ في رحمته وعدله وتواضعه وصبره، وفي دفاعه عن المظلوم ونصرته للحق.

والإيمان باليوم الآخر … إيمانٌ يزرع في القلب يقظة الضمير، ويجعل الإنسان يستحي أن يأكل حقًا، أو يشهد زورًا، أو يخون أمانة، أو يظلم عاملًا، أو يقهر ضعيفًا؛ لأنه يعلم أن وراء هذه الدنيا حسابًا، وأن المظالم لا تضيع عند الله، وأن الوقوف بين يديه آتٍ لا ريب فيه.

والإيمان بالقدر … إيمانٌ يحرر الإنسان من اليأس والاعتراض على الله، ويمنحه قوة الصبر عند البلاء، والثبات أمام المحن، والرضا بما لا يملك تغييره، من غير أن يتحول إيمانه إلى ذريعة للكسل أو الاستسلام؛ فيأخذ بالأسباب، ويقاوم الظلم، ويسعى في الإصلاح، ويعلم أن مسؤوليته عن اختياره وعمله لا تسقط بحجة القدر.

هذه هي العقيدة التي يجب الدعوة إليها، والعمل على تقريرها، وأن تكون فاعلة في العقول، نافذة إلى القلوب، مثمرة في السلوك، حاضرة في ميادين الحياة!

نريد عقيدة تجعل المؤمن أصدق لسانا، وأنقى قلبا، وأعدل حُكما، وأرحم بالخلق، وأشد مقاومة للظلم والفساد والاستبداد، وأكثر شعورا بمسؤوليته عن دينه وأمته ووطنه.