المذهب الأشعري من خلال نونية القحطاني .. دراسة تحليلية

بقلم د. مصطفى القليوبي

بسم الله .. وبعد :

فإنَّ أكثر من طعن في مذهب الأشاعرة من العلماء الأفاضل – مع علوِّ شأنهم – لم يعرفوا حقيقة هذا المذهب، ولم يحيطوا بأصوله، ولعلَّ إحسان الظن بهم يقتضي أن نقول: إنهم إمَّا مقلِّدون، أو أنهم لم يفهموا حقيقة ما يقول به الأشاعرة. وأرجّح الاحتمال الأول؛ إذ كثيرًا ما نُسبت إلى الأشاعرة فِرًى باطلة، والخصوم متفقون معهم في جوهر الأصل!

وأحسب أنَّ هؤلاء الطاعنين إنما يلتقطون من هنا وهناك، دون انتماءٍ صريح إلى مذهبٍ بعينه .

وإن مما يستدلون به على الطعن في الأشاعرة النونية التي تُنسب إلى القحطاني ..

والمتأمل في كلام نونية القحطاني يشك في نسبتها إليه ..

فمن كلامه الذي يحتاج إلى تأمل هجاؤه للمعرّي !

فمن هو أبو العلاء المعري ـ المردود عليه ـ ومتى توفي؟

هو : أحمد بن عبد الله بن سليمان، التنوخي المعري الشاعر الفيلسوف المولود سنة 363هـ والمتوفى سنة 449 هـ، والآن قارن معي:

القحطاني الأندلسي توفي سنة 373هـ والمعري ـ المردود عليه في النونية ـ ولد سنة 363هـ !! ومعنى هذا الكلام ـ على زعمكم ـ أن القحطاني الأندلسي وهو على فراش موته رد بقصيدتين اثنتين على أبي العلاء المعري يوم كان أبو العلاء طفلا ابن عشر سنين على المشهور في تاريخ وفاته أو ابن خمس عشرة سنة على رواية أو ابن عشرين سنة على ثالثة !

ثم إن كلامه في متقدمي الأشاعرة غريب !

فوقت كتابة القصيدة مثلاً لم يكن تأويل الصفات منتشراً أو معروفاً أصلاً، بل كان التفويض هو المعروف عنهم ..

فالامام أبو الحسن الأشعري رحمه الله ولد في 260 هـ – وتوفي في 324 هـ .

والقحطاني توفي في ابعد ماقيل في 383 هجري، اي بعد وفاة الامام الاشعري ب 59 سنة .

فهل هجى الأشاعرة المفوضة ؟!

كيف هجى الأشاعرة لتفويضهم ولم يهاجم بعض الحنابلة الذين فوضوا المعنى ؟!

لماذا لم يهاجم المفوضة عموماً ؟!

لماذا لم يهاجم الإمام أحمد الذي ثبت عنه تفويض المعنى في رواية ثابتة قال فيها أبو بكر الخلال (ت 311هـ):

“وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم قال: “سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى: أن الله -تبارك وتعالى- ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، وأن الله يُرى، وأن الله يضع قدمه، وما أشبهه.

فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى، ولا نرد منها شيئًا، ونعلم أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حقٌّ إذا كانت بأسانيد صحاح، ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله، ولا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، بلا حد ولا غاية: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت ” .

تأمل قوله ” نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى ..” .

فهذه رواية ثابتة وإنْ حاول البعض التشكيك فيها،. لذلك ثبت عن بعض الحنابلة تفويض المعنى كابن قدامة وغيره ..

فالظاهر أن هذه النونية منسوبة للقحطاني وليست من قوله ..

ولو أعملنا القواعد البحثية لتأكد لنا عدم صحة نسبتها للقحطاني، حيث لم يعثر أحد على مخطوطة هذه النونية تُثبت نسبتها له !

قال علي الحلبي في تحقيقه على ” الكافية الشافية ” تحت قول ابن القيم ( شاعرنا ) :

في هامش ” الأصل ” : ” هو القحطاني ” .

قلت ـ أي الحلبي ـ : يريد صاحب ( النونية ) ـ المشهورة ـ ، وكم بحثت له عن ترجمة ؛ فلم أجد !!.

إذا لا يعرف لها أصل او مخطوط ..

يقول محمد صالح المنجد في موقع الاسلام سؤال وجواب :

وقفنا على طبعات عدة لهذه القصيدة ، منها :

1- طبعة مكتبة السوادي في جدة ، بتحقيق : محمد بن أحمد سيد ، عام 1410هـ.

2- وطبعة دار الحرمين ، القاهرة ، بتحقيق عادل عزت المرسي ، الطبعة الأولى ، لعام 1418هـ.

3- طبعة دار الذكرى.

4- طبعات أخرى بترقيم إلكتروني على شبكة الإنترنت .

ولم نجد في أي من الطبعات السابقة ذكرا لمخطوطات القصيدة ، ولا تعريفا دقيقا بالمؤلف ، ولا توثيقا للقصيدة من كلام أهل العلم ، ونحن نرجو أن نقف على طبعة للقصيدة تشتمل على توثيق علمي لها من خلال المخطوطات الأصلية التي يتبين من خلالها صحة نسبة القصيدة إلى الناظم المسمى

في هذه القصيدة مجهولة النسب .

ثم ها هو القحطاني – الذي يزعمون أنه نال من الأشاعرة وطعن فيهم – يقرِّر مذهبهم في غير مسألةٍ من المسائل، فانظر وتأمل:

نفيه الجسمية والتركيب عن الباري سبحانه:

سبحان ربي عن صفات عباده

أو أن يكون مركبا جسماني

وهنا ينفي الجسمية نفياً صريحاً، وهو قول الأشاعرة.

 نفيه للمكان:

لا تحصر الأوهام مبلغ ذاته

ولا يحويه قطر مكان

وهذا هو مذهب الأشاعرة القائلين: لا يُقال “الله في مكان”، بل يُنزَّه عن ذلك، إذ قال: ولا يحويه قطر مكان.

نفيه الانتقال والحركة:

وهو المحيط بكل شيء علمه

من غير انتقال ولا نسيان

والله يومئذ يجيء لعرضنا

مع أنه في كل وقت دان

والله في القرآن أخبر أنه يأتي

من غير تنقل ولا تدان

وفي هذا يوافق الأشاعرة في قولهم: إن إتيان الله ومجيئه لا على معنى الانتقال والحدوث.

 نفيه حدوث القرآن:

وكلامه صفة له وجلاله منه

بلا أمد ولا حدثان

وهذا هو مذهب الأشاعرة في القول بقدم كلام الله، وأن القرآن كلام نفسي قديم غير محدث.