هل العرفان طريق إلى الحقيقة؟

بقلم / كميائى : محمد حمادة الشافعى 

هل العقل هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة؟ أم أن للإنسان وسائل أخرى للمعرفة؟

وهل يمكن أن يصل الإنسان إلى حقيقةٍ ما بطريق البصيرة والعرفان، بينما يصل إليها غيره بطريق العقل والتجربة؟

قرأتُ للدكتور علي جمعة في كتابه «مكوِّنات العقل المسلم ودرجات المعرفة – ص١١٤» أن العقل هو أحد وسائل الوصول إلى الحقيقة، وليس الوسيلة الوحيدة؛ فهي الوسيلة الأشيع التي يستخدمها «العوام»، أما طريقة وصول «الخواص»، وهم طائفة نخبوية من العوام لهم قدرٌ من الخصوصية، فهي (القلب)، ويعلوهم «خواص الخواص» وهم نخبة النخبة بما منحهم الله من مواهب ربانية ومعارف نورانية.

ثم ذكر نموذجين على ذلك في صفحة ١٧٦ فقال:

١- كان هناك من علماء نيسابور رجلٌ من العارفين اسمه «أبو سعيد بن أبي الخير»، وكان صديقًا لابن سينا، وكانت بينهما مراسلاتٌ علمية.

كان يقول: «ما رأيتهُ ببصيرتي رآه ببصره، وما عرفه بعكازته توصلتُ إليه بمعرفتي».

ومعنى هذا: أن الحقائق التي توصّل إليها ابن سينا في العلم التجريبي المحسوس، كان أبو سعيد يتوصّل إليها بالذكر والفكر.

٢-  عندما أعلن الأمريكان أنهم قد وصلوا إلى القمر، قام بعض الناس ممن ينكرون علوم الهيئه والفضاء وأنكروا ذلك، والقول بأنه من المستحيل، فألَّف السيد «عبد العزيز بن الصدّيق الغماري» كتابًا ذكر فيه أن الوصول إلى القمر بهذه الكيفية ذكره سيدي «محيي الدين بن عربي» في «الفتوحات»، وبيَّن أنه لا تناقض بين الهيئة العقلية التي تسير في طريق الله، والهيئة العقلية التي تسير في طريق تعمير الكون؛ لأن كليهما من عند الله.
فهذا كتاب الله المنظور، وهذا كتاب الله المسطور.

♦️ ومن قبل ذلك قرأتُ للدكتور مصطفى محمود في كتابه «القرآن كائن حي – ص٧٥» قوله:

وإنه لأمر عجيب ومدهش أن نعثر في مخطوطة للصوفي جلال الدين الرومي منذ حوالي ألف سنة  عبارة يقول فيها: «لو فلقت الذرّةَ لوجدت في داخلها نظامًا شمسيًّا».

ونجد العبارة نفسها عند فريد الدين العطار منذ تسعمائة سنة: «الذرّة فيها الشمس، وإن شققتَ ذرّةً وجدتَ فيها عالمًا، وكلُّ ذرات العالم في عملٍ لا تعطيل فيه».

وكذلك نجد رهبان البوذية يرددون في تعاليمهم منذ أربعة آلاف سنة أن المادة تنقسم لأصغر جزء فيها.. وذلك الجزء الأصغر هو وحدة قائمة بذاتها، وتحتوي تلك الوحدة على نظام من «الداهرمات» يتراوح عددها من 8 إلى 12 داهرما.. وهذه الداهرمات تولد لتفنى سريعًا، ويبقى تأثير الواحد لفترة قصيرة، ثم يعقبه غيره.

ثم يعلق الدكتور مصطفى محمود فيقول:

وهذه الأقوال العجيبة تطابق أحدث ما كشفه العلماء الآن عن المادة والذرة باستخدام أحدث المختبرات وأدق وسائل البحث والاستقراء.

كيف وصل هؤلاء الناس بإلهامهم إلى قلب الحقيقة هكذا، دفعةً واحدة، ومن دون مقدمات، ولا وسائل، ولا مختبرات؟  انتهى

وبعد هذا العرض أرجع للسؤال الرئيس: هل العرفان طريق إلى الحقيقة؟
في الحقيقة بعد قراءات كثيرة لا يمكنني كمسلم أن أنكر دور القلب في تلقي المعرفة، فالقرآن الكريم كثيرًا ما ربط القلب بالذكر والفكر، بل في آية صريحة ربط القلب بالفقه، فقال: ﴿ لَهُمۡ قُلُوبࣱ لَّا یَفۡقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف ١٧٩]

وجعل القرآن الفؤاد مع السمع والبصر جانب إلى جانب في تلقي العلوم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولࣰا﴾ [الإسراء ٣٦]

وبالرغم من ذلك لا أقول بترك العلم التجريبي والمختبرات العملية والجري وراء العرفان ….

ولكن جعلنا الله أمة وسطا، فلا إيمان أعمى ولا تنكر عنيد، بل الأصل هو المنهج العلمي بمصادره المعقولة أو المنقولة أو التجريبية، فإذا صادف أهل العرفان والبصيرة فتوفيق من الله مبارك بالخير، وإلا فلا نبني عليه مستقبلنا بل يكفي منه الاستئناس العلمي، والله أعلم.