البوصلة والدرع.. تجليات نصر أكتوبر

 


بقلم أ.د/ مها محمد عبد القادر
أستاذ أصول التربية كلية التربية بالقاهرة – جامعة الأزهر

يظل التاريخ الوطني بوصلة حقيقية توجه الشعوب الصامدة نحو مسارات النجاة الآمنة وسط العواصف العاتية التي تضرب النظام العالمي بين الحين والآخر، ويقدم لنا الانتصار المجيد الذي تحقق في ظروف قاسية غاية في الصعوبة درعًا واقيًا يحمي الإرادة الوطنية من التصدع أمام حملات التشكيك الممنهجة الماكرة، حيث استند المقاتل الشجاع الذي حطم قيود الهزيمة وعبر القناة إلى إيمان قوي راسخ بقدرات أمته العظيمة على النهوض من جديد مهما بلغت قسوة التحديات المتتالية، وهذه الروح المتوقدة الأصيلة هي ذاتها التي نحتاجها اليوم بشدة لمواجهة أعداء متربصين يتخفون خلف أقنعة متعددة ومسميات مختلفة ساعين للنيل من استقرارنا المنشود وتقدمنا المستمر ومستقبلنا المشرق الواعد.

أضحت الحروب الاقتصادية والحصار المالي أسلحة فتاكة تستخدم لاختراق الأنظمة الحرة المستقلة، وتتطلب المواجهة الشاملة درعًا اقتصاديًا قويًا يعتمد على تنويع مصادر الدخل وتعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية المتاحة بأفضل السبل الممكنة، وتعتبر المشروعات الزراعية والصناعية العملاقة خطوط دفاع متقدمة تحمي الأمن الغذائي والصحي والدوائي للمواطنين وتغلق الباب أمام أي محاولات بائسة للابتزاز الخارجي، ويضاعف الاعتماد المطلق على الكفاءات البشرية المخلصة معدلات النمو الشامل، فالعمل الجاد المخلص والإنتاج المستمر هما الرد العملي والأقوى على كل مؤامرات الإخضاع والهيمنة التي تواجه الشعوب الصامدة الطامحة لبناء مستقبل مزدهر يحفظ كرامتها الإنسانية الدائمة.

تتمثل البوصلة الحقيقية لأي أمة ناهضة في تمسكها بقيمها الدينية والأخلاقية السمحة التي تحافظ على تماسك الأسرة والمجتمع بأسره، فالأعداء يستهدفون تدمير هذه القيم عبر ترويج أفكار هدامة وثقافات دخيلة تتنافى مع الفطرة السليمة وتشجع على الانحلال والتفكك؛ لذا يعد التحصين الثقافي ضرورة قصوى لحماية الشباب من الانجراف وراء هذه التيارات الجارفة التي تفصلهم عن جذورهم التاريخية والحضارية، ومن ثم يقع على عاتق المؤسسات الدينية والتعليمية مسؤولية كبرى في تقديم خطاب مستنير يجمع بين الأصالة والمعاصرة بأسلوب مشوق وجذاب، فالوعي الديني الصحيح يبني شخصية متوازنة قادرة على التمييز بين الغث والسمين وترفض الانصياع لدعوات التطرف الفكري والانسلاخ الأخلاقي.

سيظل الدرع العسكري دائمًا الضامن الأهم لحماية مقدرات الأمة والحفاظ على استقلالها في منطقة تموج بالصراعات المسلحة والتوترات المستمرة، والقوات المسلحة المصرية الباسلة تواصل الليل بالنهار لتطوير قدراتها القتالية وتحديث منظوماتها التسليحية لتواكب أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا العالمية، والتدريب المستمر والجاهزية العالية يبعثان برسائل ردع واضحة لكل من تسول له نفسه المساس بأمن واستقرار الوطن الغالي، والعقيدة القتالية التي ترسخت في حرب أكتوبر ما زالت تنبض في قلوب الضباط والجنود الذين يقدمون أرواحهم فداءً لتراب وطنهم، والجيش القوي هو السند الحقيقي للدولة في أوقات السلم والحرب على حد سواء.

تعد الوحدة العربية الشاملة البوصلة الاستراتيجية التي تهدي خطى الأمة نحو استعادة مكانتها اللائقة بين الأمم المتقدمة والقوية، والتضامن الفعال الذي ظهر بوضوح في ملحمة العبور أثبت للجميع أن العرب قادرون على تغيير موازين القوى العالمية عندما تتحد كلمتهم وتتضافر جهودهم، والمخاطر الإقليمية المحدقة تتطلب تفعيل آليات العمل العربي المشترك لتنسيق المواقف السياسية والاقتصادية والأمنية في مواجهة الأطماع التوسعية، والجامعة العربية ومؤسساتها المختلفة مدعوة للقيام بدور أكثر فاعلية في حل النزاعات البينية وتقريب وجهات النظر لتفويت الفرصة على المتربصين، والمصير الواحد يحتم علينا الوقوف صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص لدرء المخاطر التي تهدد وجودنا وهويتنا المشتركة.

تمثل الدبلوماسية المصرية الرشيدة الهادئة والمدروسة درعًا إضافيًا لحماية المصالح الوطنية، ووسيلة فاعلة لفتح قنوات اتصال دائمة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية المؤثرة، حيث أن اتباع سياسة خارجية متوازنة يسهم في بناء شراكات استراتيجية تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيدًا عن الاستقطاب الحاد وسياسة المحاور ، كما أن نجاح مصر في بناء شبكة قوية من العلاقات الدولية يعزز موقفها، ويدعم قدرتها على حماية مصالحها ومواجهة التحديات الإقليمية والدولية، ويستلهم الدبلوماسي المصري من تاريخ بلاده في التفاوض حكمةً وثباتًا، فقد خاضت مصر معارك سياسية ودبلوماسية حاسمة لاستعادة حقوقها وأرضها كاملة، دون التفريط في أي شبر من تراب الوطن، ومن ثم يظل العمل الدبلوماسي امتدادًا طبيعيًا لقوة الدولة، حيث تترجم الإنجازات السياسية والعسكرية إلى مكاسب استراتيجية واقتصادية، وتعزز مكانة مصر إقليميًا ودوليًا، بما يخدم مصالح الوطن والمواطن، ويحفظ للأجيال القادمة حقها في الأمن والاستقرار والتنمية.

يعد الأمن الداخلي الدعامة الأساسية التي تبنى عليها خطط التنمية الشاملة ورجال الشرطة البواسل يخوضون معارك يومية ضد قوى الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة ليحفظوا للمواطنين أمنهم واستقرارهم وطمأنينتهم، والتعاون الوثيق بين المواطن والأجهزة الأمنية يخلق سياجًا منيعًا يحبط العمليات التخريبية قبل وقوعها ويوقع بالمجرمين في قبضة العدالة، والوعي الأمني يجب أن يغرس في نفوس النشء منذ الصغر ليكونوا عيونًا ساهرة تراقب كل تحرك مريب وتبلغ عنه الجهات المختصة فورًا، والدولة المستقرة داخليًا تستطيع التفرغ لبناء نهضتها ومواجهة التحديات الخارجية بقوة وثبات.

إن الروح الوثابة التي حطمت خطوط العدو، وعبرت المانع المائي الصعب، ستظل إرثاً وطنياً راسخاً ينبغي أن نورثه للأجيال القادمة، بما تحمله من معاني الشجاعة والعزيمة والإصرار، فالمستقبل المشرق يبنى بالعمل الجاد، والإرادة الصادقة، والإيمان بقدرتنا على تجاوز التحديات وصناعة الإنجازات، وتظل بوصلتنا الوطنية موجهة نحو تحقيق التنمية الشاملة، وترسيخ العدالة الاجتماعية، والارتقاء بمستوى معيشة المواطنين في مختلف ربوع الوطن، وسيبقى وعي الإنسان وعزيمته وإيمانه بوطنه درعاً يحمي مسيرة البناء والتقدم، ويعزز قدرتنا على مواجهة التحديات، والمضي بثبات نحو مستقبل أكثر قوة وازدهاراً واستقراراً، تصنعه إرادة أبنائه وتضحياتهم.

تتطلب معارك الأمة المستمرة إدراكًا ووعيًا مسرولًا لحجم التحديات التي تحيط بوطننا من كل حدب وصوب، والروح العظيمة التي قادت الأبطال لتحقيق النصر المبين تمهد لنا طريقًا واضحًا لاستكمال مسيرة البناء والتنمية الشاملة، والدرع الوطني الذي صهرته دماء الشهداء وتضحياتهم الغالية سيبقى حاميًا لمقدراتنا ومدافعًا عن استقلال قرارنا في وجه الطامعين والمتربصين، والبوصلة التي وجهت بنادق الأمس نحو تحرير الأرض توجه اليوم سواعد أبنائنا المخلصين نحو صناعة مستقبل مشرق يضمن حياة كريمة للأجيال القادمة، والتكاتف الصادق خلف مؤسساتنا الوطنية يمنع اختراق صفوفنا ويحبط مكايد الأعداء.

 ستبقي مصر العظيمة بقيادتها وجيشها ومؤسساتها وشعبها دائمًا مقبرة للغزاة ومنارة تشع نورًا وسلامًا وأملًا للعالم أجمع بفضل تضحيات أبنائها الأبرار؛ وإذا كانت الأجيال السابقة قد كتبت بدمائها وعرقها صفحات مضيئة في سجل الوطن، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نحفظ هذا الإرث بالعمل والبناء، وأن نحول التضحيات إلى إنجازات، والطموحات إلى واقع، والأحلام إلى مشروعات تصنع المستقبل. فالوطن أمانة، ومستقبله عهد، ونهضته مسؤولية مشتركة. وحين تتوحد الإرادة مع العلم، وتلتقي العزيمة بالعمل، يصبح الغد أكثر وضوحًا، وتتحول أحلام الوطن إلى خطوات واثقة نحو مستقبل يليق بتاريخه العظيم وأبنائه الأوفياء.