ضعفُ النابتةِ في علمِ أصولِ الفقه
26 سبتمبر، 2026
العلم والعلماء

بقلم الدكتور : «محمد المعصراوي»
(1) مقدمة تبين قدر علم الأصول عند العلماء:
*
اتفق الأصوليون على أن علم أصول الفقه من أجلِّ العلوم، وأنه شرطٌ لصحة الاجتهاد في الدين.
ومن ذلك ما قاله الإمام الشاشي، المتوفى سنة 344هـ: «لا يُعتدُّ بقول العامي، والمتكلم، والمحدِّث الذي لا بصيرة له في أصول الفقه».
وقال أبو شامة المقدسي: «واعلم أن استخراج مسائل الفقه وتحقيقها متوقف على إحكام علم أصول الفقه، وإتقان كل هذه العلوم متوقف على التبحر في معرفة اللسان العربي من وجوهه وطرقه، ومجازاته ومجاري استعماله».
وقال العلامة ابن دقيق العيد: «أصول الفقه هو الذي يقضي ولا يُقضى عليه».
وقال ابن بدران: «واعلم أنه لا يمكن للطالب أن يصير متفقهًا ما لم تكن له دراية بالأصول، ولو قرأ الفقه سنين وأعوامًا، ومن ادعى غير ذلك كان كلامه إما جهلًا وإما مكابرة». ينظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ص 489.
وساق العلامة القرافي كلامًا في غاية الإبداع في بيان أهمية علم أصول الفقه، فقال: «قد أجمع قوم من الفقهاء الجهال على ذمِّه واهتضامه وتحقيره في نفوس الطلبة بسبب جهلهم به، ويقولون: إنما يتعلم للرياء والسمعة والتقالب والجدال، لا لقصد صحيح، بل للمضاربة والمغالبة، وما علموا أنه لولا أصول الفقه لم يثبت من الشريعة قليل ولا كثير». ينظر: نفائس الأصول في شرح المحصول، ج1، ص100.
(2) لمحة يسيرة عن ضعف النابتة في علم أصول الفقه وعدم الاهتمام بشأنه:
وعلى الصعيد الآخر، وبالنسبة إلى الوهابية النابتة، فإن هناك ضعفًا في الاشتغال بعلم أصول الفقه، وتزهيدًا فيه، وهذا أمر شائع فيهم.
فمن المعلوم أنه لم يكن لدى الوهابية الأوائل مؤلَّف في أصول الفقه، حتى ولو كان مختصرًا من المختصرات، وأول ما ذُكر من كتبهم مختصرٌ منسوب إلى أبابطين، والصواب أنه لأحد علماء الزيدية!.
ولم يشتهر تدريس علم الأصول بينهم إلا مؤخرًا، في زمن الشيخ محمد بن إبراهيم، حين قرر تدريس متن «قواعد الأصول ومعاقد الفصول»، فكان ذلك بداية إحياء هذا العلم بينهم.
ثم روَّجه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وقرأ عليه كبارُهم، وممن درس عنده الشيخ ابنُ عثيمين، وقد تحدث في بعض دروسه عن انبهاره بهذا العلم، ومع ذلك استصعبه أكثر الطلاب، فألَّف لهم مذكرته المشهورة بـمذكرة أصول الفقه. وقد نص الشيخ على ذلك في مذكرة الأصول!
وغالب اشتغال السلفية المعاصرة إنما هو بمتن «الورقات» لإمام الحرمين، ومنهم من يقتصر عليه ويذم التوسع في دراسة هذا العلم، مع العلم بأنه المتن المذكور إنما هو بمثابة خطوة صغيرة جداً في طريق علم الأصول عند العلماء، وهذا الكلام لا يروق للنابتة طبعاً لأنه يظهر جهلهم بذلك الفن العجيب!
وهناك مختصر في الأصول للشيخ سعد، وآخر للشيخ ابن عثيمين، لكن لا جديد فيهما، ولا إضافة عن المتون المختصرة، لا من حيث المادة ولا من حيث أسلوب الطرح.
وأما الشيخ الألباني، فلما أراد الاشتغال بهذا العلم، درس كتاب الشيخ عبد الوهاب خلاف!
ولا يخفى قدر الكتاب من هذا العلم!
وأما محمد بن عبد الوهاب، مؤسس هذه الدعوة، فلم يُعرف له في هذا العلم مشاركة ولا اشتغال، بل من كلامه ما أسَّس لجرأة أتباعه على تصور رتبة الاجتهاد دون أهلية، ومن ذلك قوله في «الأصل السادس»:
«رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة، وهي أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق، والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا أوصافًا لعلها لا توجد تامة في «أبي بكر وعمر» (هكذا قال!!)، فإن لم يكن الإنسان كذلك فليعرض عنهما فرضًا حتمًا، لا شك ولا إشكال فيه، ومن طلب الهدى منهما فهو إما زنديق وإما مجنون؛ لأجل صعوبة فهمهما. فسبحان الله وبحمده! كم بيَّن الله سبحانه شرعًا وقدرًا، خلقًا وأمرًا، في رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى إلى حد الضروريات العامة».
وهذا الكلام فيه ــ من وجهة النظر النقدية ــ إشكال بيِّن، لما يتضمنه من اتهام العلماء بأنهم من الشياطين، وهذه طريقة تتكرر في بعض كلام الشيخ ابن عبد الوهاب في الحكم على مخالفيه.
كما أن في كلامه إشكالًا خطيرًا يتعلق بأفضل هذه الأمة بعد نبيها، أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، من جهة الحديث عن رتبة الاجتهاد وشروطها؛ إذ بلغ به الأمر إلى الاعتراض على اشتراط الأوصاف التي ذكرها علماء الأصول للاجتهاد، فإذا قيل له إن الاجتهاد الذي تدعيه له شروط لا توجد فيك، وأنها مذكورة في كتب الأصول منذ القديم، ومعظمها متفق عليه بين العلماء، أجاب بجواب يرفع به هذا الإشكال عن نفسه، فقال: إن هذه الشروط لم تتحقق في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
ولقد حاول بعض النابتة التقليل من شأن علم أصول الفقه، فذهبوا إلى أنه علم بدعي، مختلط ببدع المتكلمين، وذموا التوسع فيه، بل أعرض بعضهم عنه رأسًا.
ثم رأينا بعض المؤلفات التي تتحدث عن «أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة»، ويُقصد بأهل السنة والجماعة في بعض هذه المؤلفات أصحاب هذا الاتجاه، وكأن أصول الفقه عند المذاهب الأربعة هي أصول فقه المبتدعة! ومن هذه العناوين التي ظهرت عند النابتة: «معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة»،
«وتوضيح أصول الفقه على منهج أهل الحديث»،
«والمسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين»،
«ومسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه»، ونحو ذلك.
وكل ذلك ــ في نظر أصحاب هذا الاتجاه ــ محاولة للابتعاد عن أصول المتكلمين وقواعدهم التي دوَّنوها في هذا العلم.
والعجيب أن الشيخ ابن تيمية ــ رحمه الله تعالى ــ لم يقع في هذا الأمر، فلم يسلك هذا المسلك؛ لأنه كان أجلَّ وأعلم من ذلك. فعندما كتب المسودة، المشتركة بينه وبين أبيه وجده، نقل فيها عن المتكلمين، واستفاد من كتب الأصول الموجودة في زمانه، ولم يخرج عن هذا النمط.
وحين نقرأ في ترجمة ابن القيم نجد أنه قرأ كتب الأصول للإمام الرازي والآمدي، وقرأ على الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى.
فهذا الإمام صلاح الدين الصفدي، المتوفى سنة 764هـ، يقول في ترجمة ابن القيم: «وأما الأصول فأخذها عن جماعة، منهم الشيخ صفي الدين الهندي، وإسماعيل بن محمد، قرأ عليه أكثر الروضة لابن قدامة، ومنهم الشيخ تقي الدين ابن تيمية، قرأ عليه قطعة من المحصول، ومن كتاب الأحكام لسيف الدين الآمدي». ينظر: الوافي بالوفيات، ج2، ص196.
ولذلك فإن الضعف الفقهي واضح وظاهر في كلامهم وفتاواهم، بناءً على الضعف الأصولي؛ وهو ما حملهم ــ في بعض اجتهاداتهم ــ على التشدد في غير موضعه، كما دفعهم إلى الجمود على ظواهر النصوص دون الوقوف عند مقاصدها، مع رمي الأمة المحمدية بسيلٍ جرَّار من التبديع والتفسيق.
والأصل في هذه البلوى ــ في نظرنا ــ هو ضعفهم، أو إن شئت فقل: جهلهم بعلم أصول الفقه.