لماذا صنفنا فى علم الدس ؟

المقال السادس من سلسلة (علم الدس ـ النظرى)

لفضيلة الشيخ أ . د / محمد عبد الله الأسوانى.

اننا اليوم فى أمس الحاجة على كشف ما وضعه الدساسون المغرضون فى:

1 ـ أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم.

2 ـ وفى كتب التراث لا سيما كتب العقيدة.

3 ـ وكذا التأويلات الباطلة لآيات القرآن الكريم.

دس التأويلات المنحرفة فى الآيات القرآنية:

من المعلوم خطورة التأويلات المنحرفة للآيات القرآن الكريم، وهذا ليس بجديد فى التاريخ الاسلامى ، بل ان التحريف تأويل القرآن الكريم بدأ منذ فجر التاريخ الإسلامى ، عندما تأولت الخوارج الآيات التى نزلت فى المشركين فجعلوها فى المؤمنين ، ورفعوها شعاراً للخروج على الخلفاء الراشدين والخلفاء الأمويين والعباسيين.

ولكن ولخطورة هذه التأويلات ، إلا أن أغلب الظن أنها كانت نتيجة الفهم الخاطئ لآيات القرآن الكريم نتيجة تحكم أهواء الخوارج وشذوذاتهم الفكرية والنفسية ، ولم تكن نتيجة دس هذه التأويلات ، ولهذا فانهم عند المراجعات الفكرية التى راجعهم فيها الصحابى الجليل عبد الله بن عباس قد رجع كثير منهم الى جادة الصواب وترك حمى التكفير.

ولكن الحال يختلف كثيراً فى هذه الآونة ، من الإصرار العجيب من الخوارج الجدد على التكفير وعدم التراجع عنه ، بل والخوض فى نسبة التشبيه والتجسيم لله عز وجل ، بل وممالئة الغرب الصليبى والصهاينة على المسلمين.

وبكل صراحة ان الذى قادنا إلى هذا العلم والتنقيب فى تصانيفه وترتيبها واعادة صياغتها هو ما لمسناه من احوال المسلمين فى هذه الآونة:

1 ـ فلقد كثر فيهم التفرق والإختلاف الذى يصل الى حد المباينة.

2 ـ ظهور التشدد المنهى عنه بين المسلمين.

3 ـ كثرة الإقتتال بين المسلمين.

4 ـ تشرزم المسلمين فرقاً متناحرة.

5 ـ الضعف العام الذى أصاب العالم الإسلامى.

6 ـ تراجع التدين بين المسلمين ، لاسيما الشباب منهم.

7 ـ ظهور تيارات إلحادية بين الشباب المسلم.

وبدراسة هذه الأشياء تبين أن خلفها سبباً رئيسياً فى ظهورها ، آلا وهو انتشار الجماعات التى تعتنق الفكر التكفيرى بين المسلمين ، ذلك الفكر الذى زرع الفتنة والفرقة والإختلاف بين المسلمين.

ولمعرفة كيف آلت الأحوال الى ما هى عليه اليوم ، بحثنا فى كتاب الله عز وجل ، لعلنا نجد فيه ضالتنا ، فوجدنا فيه مجموعة من الآيات قد تم العبث بتأويلاتها حد الدس ، فلقد تمكنت إحدى الفرق على دس تأويلات منحرفة لهذه الآيات القرآنية أدت الى فهم مناقض لمفهومها الصحيح.

ويمكن أن نقسم هذه الآيات الى عدة أقسام:

القسم الأول : آيات الجماعة ـ جماعة المسلمين ـ التى بيّنت المقصود بالأمة الإسلامية ـ

القسم الثانى : وآيات حدود جماعة المسلمين ـ التى بيَّنت تلك الحدود التى أخرجت المسلمين عما عداهم ممن ليسوا مسلمين ـ

القسم الثالث : آيات المحافظة على حدود جماعة المسلمين.

القسم الرابع : والآيات المتشابهات فى صفات الله.

القسم الخامس : والآيات المحكمات فى صفات الله.

فلقد حرف الباطنيون القدامى والجدد تلك الآيات حتى خلطوا بينها عن عمد ، وهم لم يقصدوا بذلك اهل التخصص من أهل العلم حتى يكونوا على كلمة سواء ، تأسياً بالآية الكريمة ” قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ” آل عمران : 64 .

فلقد عرض القرآن الكريم على أهل الكتاب المحاجة العلمية حتى يتوصلوا الى الحق بالأسلوب العلمى السهل الواضح الراقى ، فما بالنا بنا نحن المسلمين نختلف هذا الإختلاف الكبير حتى تكِّفر فيه فرقة ضئيلة السواد الأعظم من المسلمين تتعرض الى الآيات القرآنية التى نزلت الكافرين وتضعها فى المسلمين جاعلين منهم كفاراَ ومشركين ومبتدعين مستوجبين للقتال والقتل كما رأينا من الفرقة الوهابية وتفرعاتها فى الآونة الأخيرة.

ومن العجب أن هذه الفرق لا تخاطب أهل التخصص فهم ليسوا أصحاب حجة وأدلة وسياق علمى بل يقوم أمرهم كله على البروباجندا والدعاية المغرضة فى تكفير خصومهم ـ

ومن العجب أن خصومهم هم السواد الاعظم من المسلمين ـ شأنهم فى ذلك شأن الفرق الباطنية القديمة التى ابتعدت مكانياً عن الحاضرات الاسلامية التى يقطنها العلماء العاملين العارفين بالله تعالى سواء فى الحجاز واليمن او بغداد أو عموم مصر أو دمشق قديماً او تونس او المغرب العربى أو حاضرات الشرق الاسلامى من بلاد فارس أو بلاد ما وراء النهر كبخارى وسمرقند ونيسابور ومرو وغيرها من حاضرات بلاد الاسلام التى سكنها العلماء الأجلاء الذين ذَّبوا ودافعوا عن الشريعة والعقيدة الإسلامية ضد أهل الزيغ من الفرق الباطنية أصحاب الأجندات ممن لهم الباع الاسبق فى تحريف الشرائع السماوية السابقة.

بل سكنت هذه الفرق الباطنية كل ما ابتعد وشذَّ من الآفاق لاسيما ما كان منها وعر الطريق واقعاً على سفوح الجبال او فى وعر الأودية أو ما تباعد به المكان عن الحواضر الاسلامية ، فادعوا العلم وتكلموا بالبدعة وتكفير المذاهب الإسلامية الأخرى ، وعدوا أنفسهم أنهم هم أهل الحق وغيرهم من عموم المسلمين قد كفروا وبدلوا .