المرافق العامة بين تعظيم النفع ومخاطر التعدي
19 أكتوبر، 2026
بناء الأسرة والمجتمع

بقلم أ.د/ طلعت عبد الله أبو حلوة/ أستاذ البلاغة والنقد ووكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بدسوق/ جامعة الأزهر .
إن المرافق العامة هي المرافق التي تمتلكها الدولة، ويساهم في تنميتها وتطويرها عموم أفراد الشعب، وهي نتيجة جهود متضافرة ومتآزرة، وتشمل كل المرافق التي يستفيد منها الناس كالماء، والهواء، والكهرباء، والطرق، والمستشفيات، ودور العبادة، والمؤسسات التعليمية، والإعلامية، والدعوية، والإدارية، والعسكرية، وغيرها من مؤسسات الدولة وممتلكات الشعب ومقدراته ومكتسباته، وهي نعمة كبرى يستظل أبناء الوطن بظلالها الوارفة، وينعمون بفوائدها المتعددة، وينتفعون بثمارها اليانعة.
وقد خلق الله -عز وجل- الأرض صالحة، وبسطها ودحاها، وبارك فيها، وقَدَّرَ فيها أقواتها، واستعمرنا فيها، ونهانا عن الإفساد فيها، فقال -سبحانه وتعالى-: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، وقال -عز وجل-: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾، وقال -جل جلاله-: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، وحَثَّنا النبي -ﷺ- على عمارتها إلى آخر أنفاس حياتنا، وحتى قيام الساعة، فقال: «إنْ قامَتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكُم فَسيلةٌ، فإنِ استَطاعَ أن لا تَقومَ حتَّى يغرِسَها فلْيغرِسْها»، لكن بعض الناس ممن سقمت نفوسهم، وعميت أبصارهم وبصائرهم، وضلت عقولهم، تأبى إلا أن تفسد في الأرض، وتُخَرِّب المرافق العامة، أو تُشَوِّه صورتها، فتمتد أيديهم الآثمة بسرقة مقتنياتها، أو قطع أشجارها، أو إتلاف مصابيحها، أو تلويث هوائها ومياهها، أو التعدي على طرقها، أو الكتابة المسيئة والرسوم المشينة على جدرانها، كل ذلك وغيره كثير مما نراه ونلاحظه من سلوكيات سلبية في حياتنا اليومية.
ولو عَقَلَ هؤلاء المفسدون وأبصروا، لعلموا أن المحافظة على هذه المرافق، وإصلاح ما فسد منها، وإماطة الأذى عنها، أمر شأنه عظيم، وخَطَره جليل، وثوابه جزيل، ونفعه عميم، يقول النبي -ﷺ-: «لقد رأيتُ رجلًا يتقلَّبُ في الجنَّةِ، في شجرةٍ قطعَها من ظهرِ الطريقِ، كانت تُؤذي النَّاسَ». وفي رواية: «مَرَّ رجلٌ بغُصْنِ شجرةٍ على ظَهْرِ طريقٍ، فقال: والله لَأُنَحِّيَنَّ هذا عن المسلمينَ، لا يُؤْذِيهِم، فأُدْخِلَ الجنةَ»، وفي رواية: «بينَما رَجُلٌ يَمشي بطَريقٍ وجَدَ غُصْنَ شَوكٍ على الطَّريقِ فأخَّرَه، فشَكَرَ اللهُ له، فغَفَرَ له»، فقد نال هذا الرجل على هذا العمل اليسير ذلك الجزاء العظيم من الله -جل جلاله- بأن تَقَبَّلَ منه عمله، وغفر له ذنبه، وجعله يتقلب في جنته، فما بالنا بمن يقوم ببناء المساجد والمدارس والمستشفيات وغيرها تَبَرُّعًا خالصًا، ويقوم على إصلاح ما فسد منها !!
ونلحظ هنا أن ما ذكره النبي -ﷺ- من تأخير «غصنِ الشجرةٍ» وإبعاده عن الطريق، ليس قاصرًا على دلالته الحرفية، وإنما هو رمز لإزالة كل ما يؤذي الناس عامة والمسلمين خاصة في مرافق حياتهم، ويعكر عليهم صفو معاشهم، ويعوق دون تقدمهم وازدهارهم، ويؤخر بناء حضارتهم، فيدخل في ذلك، ويحمل عليه إزاحة كل ما يؤذي المسلمين، ويقف في طريقهم من عوائق، كإماطة الأذى، وكشف وتفنيد الشبهات، والتصدي للشائعات، وتصحيح المفاهيم، ومواجهة الفكر المتطرف ومحاربته .
ومما تجدر الإشارة إليه هو أن إثم التعدي على المرافق العامة وممتلكات الدولة ومؤسساتها أكبر وأعظم من إثم التعدي على الأموال والممتلكات الخاصة؛ وذلك لكثرة أصحاب الذمم المتعلقة بها، والتي يجب عليه إبراؤها؛ ولذلك فالإسلام لا يعفي أحدًا من عقاب التعدي عليها، ولو كان المتعدي شهيدًا، يقول أبو هريرة -رضي الله عنه-: خَرَجنا مع النَّبيِّ -ﷺ- إلى خَيبَرَ، ففَتَحَ اللهُ علينا، فلَم نَغنَمْ ذَهَبًا ولا وَرِقًا، غَنِمنا المَتاعَ والطَّعامَ والثِّيابَ، ثُمَّ انطَلَقنا إلى الوادي، ومع رَسولِ اللهِ -ﷺ- عَبدٌ له، فلَمَّا نَزَلنا الواديَ قامَ عبدُ رَسولِ اللهِ -ﷺ- يَحُلُّ رَحلَه، فرُميَ بسَهمٍ، فكانَ فيه حَتفُه، فقُلنا: هَنيئًا له الشَّهادةُ يا رَسولَ اللهِ! قال رَسولُ اللهِ -ﷺ-: «كَلَّا، والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيَدِه، إنَّ الشَّملةَ لَتَلتَهِبُ عليه نارًا، أخَذَها مِنَ الغَنائِمِ يَومَ خَيبَرَ لَم تُصِبْها المَقاسِمُ»، قال: ففَزِعَ النَّاسُ، فجاءَ رَجُلٌ بشِراكٍ أو شِراكَينِ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أصَبتُ يَومَ خَيبَرَ، فقال رَسولُ اللهِ -ﷺ-: «شِراكٌ مِن نارٍ، أو شِراكانِ مِن نارٍ».
ولذا فليعلم كل واحد من أبناء الوطن، -كلٌّ في موقعه- أن المحافظة على المرافق العامة مطلب ديني، ومقصد شرعي، وواجب وطني، وعمل إنساني، ومسئولية مجتمعية، وأن التعدي عليها أمر مُحَرَّم شرعًا، ومُجَرَّم قانونًا، وأن استباحتها نذير شؤم وهلاك، ومصدر شر، وداء خطير، وأن الحفاظ على المال العام من الضرورات الخمس التي يقوم الإسلام على المحافظة عليها، وأن التعدي عليه لا يقف عند السرقة، بل يمتد؛ ليشمل أيضًا الاستخدام الشخصي، والتربح، والإهمال، والتخريب، وعدم الإتقان، وغير ذلك من المفاسد.
ويجب على الأسرة ومؤسسات الدولة -كلُّ واحدة بحسب موقعها ومسئوليتها- أن تقوم بدورها للمحافظة على المرافق العامة، والحيلولة دون التعدي عليها، والأخذ على يد من تُسّوّل له نفسه ذلك.