المقال الرابع: حين يحضر النبي ﷺ في الذكر… مواطن الصلاة وثمراتها

بقلم: حسن حفني

باحث وكاتب في علم التصوف الإسلامي وقضايا الإنسان

﷽.

حين تصبح المحبة معنىً حيًّا في القلب فإنها لا تبقى حبيسة لحظةٍ واحدة، ولا تنتظر مجلسًا بعينه حتى تظهر؛ وإنما تبحث عن مواضعها في تفاصيل حياة المحب، فتدخل معه في صلاته ودعائه وسيره وسكونه، وتكون حاضرة كلما حضر ذكر الحبيب المصطفى ﷺ.

ومن هنا يأتي انتقال سيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه في كتاب «الفيض السني» من الحديث عن فضل الصلاة على سيدنا النبي ﷺ إلى الحديث عن مواطن الصلاة عليه؛ وكأن المعنى ينتقل من سؤال: ما فضل هذه العبادة؟ إلى سؤال آخر أكثر اتصالًا بحياة المؤمن: أين ينبغي أن يحضر هذا الذكر؟ 

وينقل الشيخ عن العلماء الخواص أن للصلاة على النبي ﷺ نحو أربعين موطنًا، منها ما يكون على سبيل الوجوب أو الاستحباب المؤكد، ثم يذكر منها على سبيل الاختصار: آخر التشهد في الصلاة، وآخر القنوت، وصلاة الجنازة بعد التكبير، والخطب، وبعد إجابة المؤذن والإقامة، وعند الدعاء، وعند دخول المسجد والخروج منه، وعلى الصفا والمروة، وعند اجتماع القوم قبل تفرقهم، وعند ذكر النبي ﷺ، وعند الخروج إلى السوق، وعند القيام من النوم، وعند المرور إلى المساجد، ويوم الجمعة وليلتها، وعند الهم والشدائد، وأول النهار وآخره، وبعد الوضوء، وعند النسيان، وعند طنين الأذن، وعقب الصلوات، وبدل الصدقة لمن لم يكن له مال. 

وهذه القائمة، إذا قرأناها بعيدًا عن ظاهر التعداد وحده، تكشف معنى دقيقًا في تصور الشيخ؛ فالصلاة على النبي ﷺ ليست عبادة محصورة في وقتٍ منفرد، وإنما ذكر يمكن أن يصاحب الإنسان في اختلاف أحواله ومواطنه.

في الصلاة، وعند الدعاء، وعند الشدة، وعند الاجتماع، وعند الذهاب إلى المسجد، وعند الاستيقاظ، وفي يوم الجمعة؛ كأن حضور النبي ﷺ في وجدان المؤمن لا ينبغي أن يكون طارئًا، وإنما يتجدد كلما تجددت أحوال العبد.

وهنا تظهر قيمة الذكر في التربية؛ فالإنسان يتغير بتكرار ما يحضر في قلبه، وما يلازم لسانه، وما يربط أوقاته بمعنى أعلى من مجرد تفاصيل اليوم.

وحين ينتقل الشيخ بعد ذلك إلى «الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة عليه ﷺ»، لا يعود الحديث عن المواطن وحدها، وإنما يبدأ في الكشف عما يمكن أن تتركه هذه العبادة في صاحبها. 

وأول ما يذكره الشيخ: محبة الله ونبيه ﷺ وملائكته لمن يكثر من الصلاة على خير الورى ﷺ. 

وهنا تتغير زاوية النظر مرة أخرى.

فالمقصود ليس أن يزداد الذكر على اللسان فحسب، وإنما أن تثمر كثرة الصلاة على النبي ﷺ محبةً في القلب؛ والمحبة إذا استقرت في القلب لم تبق مجرد شعور، بل صار لها أثر في السلوك والأدب والنظر إلى الحياة.

ولهذا كان من أعمق ما يمكن أن يُفهم من هذا الموضع أن الذكر ليس بكثرة ما يُقال فقط، وإنما بما يتركه ما نقوله في الإنسان.

وقد بلغ الشيخ في وصفه لأهل المحبة معنى دقيقًا حين تحدث عن الصالحين الذين أكثروا من التعبير عن محبتهم للنبي ﷺ، حتى إن بعضهم ضاقت به العبارة، فلم يسعفه التصريح، فلجأ إلى الرمز والتلويح؛ لأن ما امتلأت به القلوب لا تحيط به دائمًا الكلمات. 

وهذه العبارة تكشف جانبًا مهمًا من طبيعة المادة التي يجمعها الشيخ في كتابه؛ فهو لا يتعامل مع الصيغ التي سيوردها لاحقًا باعتبارها مجرد تراكيب لفظية، وإنما يضعها في سياق تجارب المحبين وما عبّروا به عن وجدانهم تجاه سيدنا رسول الله ﷺ.

ومع ذلك يظل الأدب العلمي حاضرًا؛ فكل صيغة لها قائلها وسياقها، وكل عبارة ينبغي أن تبقى في مقامها، ولا يصح أن تختلط عبارات المحبين بالنصوص النبوية، ولا أن تُنسب التجربة الوجدانية إلى مقام التشريع.

وهنا تلتقي أمانة النقل بحرارة المحبة.

فالذي يقرأ هذه الصفحات بعين واحدة قد يرى قائمة من المواطن ومجموعة من الفوائد وصيغًا للصلاة على النبي ﷺ، أما الذي يتأمل البناء كله فسيرى شيئًا آخر: محاولة لنقل الصلاة على النبي ﷺ من كونها ذكرًا يُقال إلى كونها معنى يصاحب الإنسان.

فالعبد يصلي عليه ﷺ في صلاته، وفي دعائه، وفي شدته، وفي اجتماعه، وفي يومه، ثم يحمل أثر هذا الذكر معه إلى قلبه وسلوكه.

وهكذا تصبح المواطن أبوابًا، والثمرات آثارًا، والغاية في النهاية ليست كثرة الحركة على اللسان وحدها، وإنما أن يجد الذكر طريقه إلى موضع أعمق من الإنسان.

إن المحبة الصادقة لا تكتفي بأن تعرف محبوبها؛ بل تجعل ذكره حاضرًا في حياة المحب.

ولهذا كان انتقال الشيخ فراج رضي الله عنه من «مواطن الصلاة» إلى «فوائدها وثمراتها» انتقالًا بالغ الدلالة؛ فالموطن هو المكان الذي يظهر فيه الذكر، أما الثمرة فهي ما يبقى بعد الذكر.

وهنا يبرز معنى بالغ الأهمية في تربية الإنسان: ليس كل ما يمر على اللسان يبقى في القلب، لكن الذكر إذا صدقت فيه المحبة يمكن أن يتحول من لفظٍ عابر إلى أثرٍ مقيم.

ومن هنا نفهم لماذا كانت الصلاة على سيدنا رسول الله ﷺ عند أهل المحبة أكثر من ترديد صيغة؛ إنها باب للأدب، ومجال لاستحضار مقام النبوة، وتجديد للعهد بالمحبة، وتربية للقلب على أن يكون له محبوب أعلى من أهوائه العابرة.

ثم يفتح الشيخ في نهاية هذا الموضع بابًا جديدًا، فيذكر أن ما ورد عن الصالحين في هذا المجال لا يمكن حصره، وأن بعضهم عبّر عما في باطنه من أنوار وأسرار بالرمز والتلويح حين ضاقت العبارة عن حمل ما يريد التعبير عنه، ثم يمهّد لإيراد بعض هذه الصيغ تبركًا، قبل أن ينتقل إلى «الصلاة الكمالية». 

وهنا تقف بنا صفحات «الفيض السني» عند عتبة جديدة؛ فقد انتقلنا من معنى الصلاة على النبي ﷺ، إلى فضلها، ثم إلى المواطن التي تحضر فيها، ثم إلى بعض ثمراتها، حتى أصبحنا أمام سؤال آخر: كيف عبّر أهل المحبة عن هذا المعنى حين حاولوا أن يجعلوا محبتهم صلاةً على سيدنا رسول الله ﷺ؟

ومن هنا يبدأ الباب التالي من الكتاب، حيث تدخل الصيغ الخاصة للصلاة على النبي ﷺ، ونبدأ مع الصلاة الكمالية وما حملته من معانٍ وعبارات وشرح.

 أنوارُ العلمِ وأسرارُ المحبة

سلسلة قراءة وتحقيق في كتاب «إِنَّ الفَيْضَ السَّنِيَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى سَيِّدِنَا النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ» لسيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه