صناعة العقول وتغيير المناهج ـ الاستشراق والبعثات

المقال السابع والثلاثون من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

الاستشراق: من دراسة الشرق إلى صناعة صورته :

منذ أن بدأ الأوروبيون يمدّون أبصارهم نحو الشرق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لم يكن دافعهم الحقيقي هو الفضول الأكاديمي ولا حب المعرفة المجردة كما حاولوا تصوير الأمر في مقدمات كتبهم ومؤلفاتهم. فالاستشراق، الذي اتخذ هيئة علمية وأكاديمية، كان في الحقيقة جيش ظل معرفي يوازي في خطورته جيوش الاحتلال العسكري، بل ربما يفوقها أثرًا لأنه يضرب في العمق: في الهوية والوعي، في تصوير الذات أمام الذات، وفي صناعة الصورة الذهنية للشرق داخل عقول أبنائه وعقول الغرب معًا.

لقد وُلد الاستشراق من رحم أطماع أوروبا الاستعمارية. فالقارة التي خرجت من عصور الظلام لتدخل عصر النهضة كانت تبحث عن فضاءات جديدة للثروة والنفوذ، ولم يكن الشرق بالنسبة إليها مجرد أراضٍ غنية بالموارد، بل كان أيضًا عالمًا غامضًا لا بد من فهمه كي يسهل إخضاعه. هنا ظهر المستشرقون: باحثون وعلماء ولغويون يدرسون لغات العرب والمسلمين، ينقبون في المخطوطات، يزورون المدن والقرى، لكنهم لم يكونوا يفعلون ذلك بروح الحياد الأكاديمي، بل بروح الجندي الذي يجمع المعلومات استعدادًا للغزو.

وما إن تراكمت هذه الدراسات حتى صارت بنك معلومات استراتيجيًا بين أيدي وزارات الخارجية والجيوش الأوروبية. الخرائط التي رسمها المستشرقون لم تكن مخصصة للمتعلمين وحدهم، بل استُخدمت لتوجيه الحملات العسكرية. والدراسات التي كتبها هؤلاء عن التركيبة الاجتماعية والقبلية لم تكن مجرد تحليلات اجتماعية، بل كانت خططًا لتفتيت المجتمعات عبر اللعب على العصبيات الداخلية. حتى النصوص الدينية التي انشغلوا بترجمتها وشرحها لم تُقرأ بحسن نية، بل قُرئت كأدوات لفهم “نقاط القوة” و”نقاط الضعف” في وعي المسلمين.

غير أن الأخطر من جمع المعلومات كان في إعادة صياغة صورة الشرق. فالمستشرقون لم يكتفوا بوصف ما يرونه، بل صاغوا خطابًا كاملاً يجعل الشرق يبدو جامدًا، متخلفًا، غارقًا في الماضي، مقابل الغرب الذي يمثل العقل والتقدم. هذا الخطاب لم يبقَ في كتبهم فقط، بل تسلل إلى البرلمانات والصحف الأوروبية، حيث صار يُستخدم لتبرير الحملات العسكرية. فإذا كان الشرق “عاجزًا عن النهوض”، فمن الطبيعي – وفق هذا المنطق – أن يتدخل الغرب ليقوده.

ثم تسلل هذا الخطاب ذاته إلى داخل الشرق نفسه، عبر النخب التي قرأت مؤلفات المستشرقين وقدمتها على أنها مرجع علمي. وهكذا وجدنا أنفسنا أمام مأساة مزدوجة: الغرب يرى الشرق من خلال عين المستشرق المشوهة، وأبناء الشرق أنفسهم بدأوا يرون أنفسهم عبر هذه العين. لقد كان هذا استعمارًا مضاعفًا: استعمار الأرض واستعمار الوعي.

ولم يكن صدفة أن يرافق الاستشراقُ الاستعمارَ في كل خطوة. فحين دخل نابليون مصر عام 1798م لم يأتِ بجيش من الجنود فقط، بل بجيش آخر من العلماء والمستشرقين الذين أسسوا “المجمع العلمي المصري”، وصاغوا أول قاعدة بيانات ضخمة عن مصر وشعبها وتاريخه. هذا الجيش المعرفي كان هو الذي مهد للجيش العسكري طريقه، فصار الاستشراق والاحتلال وجهين لعملة واحدة.

لقد تحولت الجامعات الأوروبية إلى مصانع للمعرفة المسيسة، وأُنشئت كراسي متخصصة في الجامعات الكبرى لدراسة الإسلام والعربية واللغات الشرقية، لكن الهدف لم يكن خدمة المعرفة لذاتها، بل إنتاج خبراء يمدّون صناع القرار الغربي بأدوات السيطرة. حتى أن بعض هؤلاء المستشرقين صاروا لاحقًا مستشارين مباشرين للملوك والجنرالات، يحددون لهم كيف يتعاملون مع “الرجل الشرقي”.

إن الاستشراق بهذا المعنى لم يكن بحثًا محايدًا ولا شغفًا بالعلم، بل كان جبهة من جبهات جيوش الظل. لقد أعاد تعريف الشرق ككائن ضعيف، وصاغ صورته أمام العالم، وأعاد زرع هذه الصورة في عقول أبنائه أنفسهم. وما زال أثره ممتدًا حتى اليوم، لأن كثيرًا من المفاهيم التي نستخدمها عن أنفسنا وتاريخنا ولغتنا مصدرها تلك الكتب التي كُتبت لا لتصفنا بصدق، بل لتعيد تشكيلنا وفق ما يخدم مشروعًا استعماريًا أوسع.