كيف صاغت الأنظمة الوظيفية ذاكرة الأمة

المقال الأربعون من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

المناهج التعليمية ـ إعادة تشكيل الهوية من الداخل:

من بين كل أدوات جيوش الظل الناعمة، يظل التعليم والمناهج الدراسية أخطرها وأكثرها فتكًا. فالفيلم يُشاهد مرة أو مرتين، والمسرحية تُنسى بعد حين، لكن الكتاب المدرسي يتكرر على مدار سنوات الطفولة والمراهقة، يُعاد يوميًا في الصفوف، يُختبر فيه التلميذ، وتُبنى على أساسه ذاكرته الأولى. ومن يسيطر على المناهج لا يسيطر على المعرفة فقط، بل يسيطر على الذاكرة الجمعية، ويعيد تشكيل الهوية من الداخل.

لقد فهمت الأنظمة الوظيفية – التي نشأت بعد سقوط الخلافة العثمانية – أن أخطر ما يواجهها هو الحقيقة التاريخية. فالحقيقة تكشف تبعيتها، وتفضح ارتباطها بالمستعمر، وتُظهر أن قادتها لم يكونوا سوى وكلاء في مشروع أكبر لتفكيك الأمة. لذلك جعلت من المناهج التعليمية ساحة مركزية للتزييف، وأخضعتها لرقابة صارمة، فصارت كتب التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية بمثابة نصوص عقائدية جديدة، لا تهدف إلى بناء وعي حر، بل إلى غرس سردية مزيفة تخدم بقاء النظام.

في سوريا مثلًا، جسّد النظام البعثي هذه السياسة إلى أبعد حدود. فقد قدّم نفسه على أنه “وريث الثورات”، فصنع من اللصوص والمجرمين رموزًا وطنية. فجعل من صالح العلي – الذي لم يكن إلا زعيم عصابة محلية – قائدًا لثورة، ونصّب سلطان باشا الأطرش – الذي سعى لانفصال طائفته عن الجسد الإسلامي – “بطلًا قوميًا”. وفي المقابل، شوّه صورة الخلافة العثمانية، فصوّرها في كتب التاريخ على أنها استعمار غريب، لا على أنها دولة إسلامية جامعة كانت تحكم بالأمة قرونًا. وهكذا قُدم للأجيال مشهد مقلوب: الأبطال الحقيقيون خونة، والخونة عملاء صاروا أبطالًا.

بل إن النظام لم يتوقف عند هذا، بل تلاعب حتى في تعريف الشهادة والبطولة. فحوّل الذين أعدمهم جمال باشا – قائد الجيش الرابع في الشام – إلى “شهداء قوميين”، مع أن كثيرًا منهم لم يكونوا سوى عملاء للمشروع الغربي الذي عمل على إسقاط الخلافة. بينما تم طمس ذكر المقاومين الحقيقيين الذين رفضوا الانصياع للاستعمار الفرنسي أو البريطاني. وهكذا نشأت أجيال كاملة وهي تؤمن أن من خان دينه وأمته شهيد، وأن من دافع عن الخلافة والاستقلال مستعمر أو مجرم.

إن هذا التزييف لم يكن مجرد أخطاء تاريخية، بل سياسة ممنهجة. فالنظام السوري البعثي – كغيره من الأنظمة العلمانية – أدرك أن السيطرة على الماضي هي شرط للسيطرة على الحاضر. ومن هنا أعاد صياغة السردية التاريخية كلها: جعل من جمال عبد الناصر “المخلص”، ومن الانقلابات العسكرية “ثورات”، ومن حزب البعث “طليعة الأمة”، بينما غاب عن الكتب أي ذكر للعلماء والفقهاء والمصلحين الذين قادوا حركات حقيقية للتحرر. لقد حُذفت أسماء وبُثت أسماء أخرى، حتى صارت الأجيال لا تعرف إلا ما أراد النظام أن تعرفه.

وما فعله النظام السوري لم يكن استثناءً، بل قاعدة عامة في معظم الدول العربية بعد الاستقلال الشكلي. ففي كل مكان، حُذفت سيرة الخلافة العثمانية أو شوهت، وعُظمت حركات القومية والانفصال، ورُسم الاستعمار على أنه “منحة” أخرجت الشعوب من “الظلام العثماني” إلى “النور الحديث”. وفي التربية الوطنية، غُرست صورة الحاكم المستبد على أنه “رمز الوطن”، وصار الولاء له معيار الوطنية. أما الدين، فقد حُشر في زاوية ضيقة، ليُصور على أنه مجرد تراث روحي لا علاقة له بالسياسة أو بناء الدولة.

إن أخطر ما فعله هذا التزييف أنه غرس الأكاذيب في الطفولة. فالطفل الذي يدرس هذه المناهج لا يشكك فيها، لأنه يعتبرها حقيقة مطلقة. يرددها في الامتحانات، يحفظها عن ظهر قلب، ويُعاقب إن شكك بها. ومع مرور السنوات، تتحول الأكاذيب إلى ذاكرة جمعية، يصعب اقتلاعها حتى بعد سقوط النظام الذي فرضها. فالأجيال التي كبرت على هذه المناهج ستظل أسيرة صور مزيفة: ترى الخونة أبطالًا، والاحتلال نعمة، والخلافة استعمارًا، والدين عائقًا.

التعليم كآلة للتزييف:

إن المناهج التعليمية كانت وما زالت أداة رئيسة لجيوش الظل الثقافية. فهي لا تصوغ العقول فحسب، بل تُحدد مَن هم الأعداء ومَن هم الأصدقاء، وماذا يُعد بطولة وماذا يُعد خيانة. وكلما تكررت هذه الدروس عبر السنين، تحولت إلى قناعات راسخة. ولهذا فإن أخطر جبهة في معركة الأمة اليوم ليست فقط في الإعلام والاقتصاد، بل في المدرسة والكتاب المدرسي، حيث تُبنى الهويات أو تُهدم.

وهكذا نرى أن التعليم لم يكن يومًا محايدًا في بلادنا، بل كان ساحة حرب باردة، يُخاض فيها الصراع على الماضي والحاضر والمستقبل. ومن يكسب هذه المعركة يملك الأمة كلها. ولذلك لم يكن غريبًا أن تضع الأنظمة الوظيفية يدها على المناهج، لتُخرج أجيالًا مشوهة الهوية، سهلة الانقياد، مستعدة لتكرار دورة التبعية بلا مقاومة.