التدين طريق إلى السكينة والطمأنينة في الحياة
21 سبتمبر، 2026
منبر الدعاة

بقلم الشيخ : يوسف عزت الشافعى
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف
في زمن تزاحمت فيه الهموم، وتسارعت فيه وتيرة الحياة، وأصبح الإنسان محاصرًا بين مسؤوليات لا تنتهي، ومخاوف من المستقبل، وضغوط الحاضر، وتطلعات لا تتوقف، صار البحث عن السكينة واحدًا من أعظم احتياجات النفس الإنسانية. وقد يظن الإنسان في بداية حياته أن الطمأنينة ستأتيه حين يملك المال، أو حين يحصل على الوظيفة التي يريدها، أو حين يحقق النجاح الذي يسعى إليه، أو حين يجد الشخص الذي يحبه، ثم يكتشف بعد ذلك أن امتلاك الأشياء لا يعني بالضرورة امتلاك راحة القلب. فقد يمتلئ البيت بما يحتاجه الإنسان، بينما يبقى داخله شيء من الفراغ، وقد يحيط به الناس من كل جانب، ومع ذلك يشعر بوحدة لا يعرف كيف يفسرها. ومن هنا تظهر عظمة التدين الصحيح؛ لأنه لا يمنح الإنسان مجرد طقوس يؤديها، وإنما يمنحه علاقة بالله، وإذا استقرت هذه العلاقة في القلب تغيرت نظرة الإنسان إلى الحياة كلها.
فالسكينة ليست أن تختفي المشكلات من حياة الإنسان، لأن الدنيا بطبيعتها دار ابتلاء وتقلب، وإنما السكينة أن يبقى القلب ثابتًا حين تضطرب الأشياء من حوله، وأن يستطيع الإنسان أن يحزن دون أن ييأس، وأن يخاف دون أن يفقد ثقته بالله، وأن يمر بالشدائد دون أن يظن أن الله قد تخلى عنه. ولذلك يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. إنها آية تختصر طريقًا طويلًا من البحث؛ فالقلب الذي يبحث عن الطمأنينة في كل شيء حوله قد يتعب، لأن الأشياء تتغير، والأشخاص يتغيرون، والظروف تتبدل، أما الله سبحانه فلا يتغير ولا يزول. ولذلك كانت صلة القلب بالله مصدرًا ثابتًا للسكينة.
والقرآن لا يتحدث عن السكينة باعتبارها مجرد حالة نفسية عابرة، وإنما يجعلها نعمة من الله ينزلها على قلوب المؤمنين، فيقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4]. فالسكينة ثمرة من ثمار الإيمان، وكلما ازداد الإنسان معرفة بربه وثقة به، أصبح أقدر على مواجهة تقلبات الحياة. وليس معنى ذلك أن المؤمن لا يحزن، أو أنه لا يبكي، أو أنه لا يشعر بالخوف، وإنما معناه أن مشاعره لا تقوده إلى اليأس، لأن وراءها يقينًا يردها إلى الله.
ومن أعظم ما يبعث الطمأنينة في القلب أن يعرف الإنسان سعة رحمة الله، وأن يدرك أن الخطأ ليس نهاية الطريق، وأن الذنب مهما عظم لا ينبغي أن يدفع صاحبه إلى اليأس من رحمة ربه. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. وهذه الآية ليست دعوة إلى الاستهانة بالذنوب، وإنما هي فتح لباب الرجاء أمام الإنسان حتى لا يتحول خطؤه إلى يأس، ولا يتحول ماضيه إلى قيد يمنعه من العودة إلى الله.
ويؤكد النبي ﷺ هذا المعنى فيما يرويه عن ربه سبحانه: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم» رواه مسلم. فمهما أخطأ الإنسان فإن باب التوبة مفتوح، ومهما ابتعد فإن طريق العودة لا يزال قائمًا. ومن هنا يجد المتدين الحقيقي راحته في أنه لا يعيش أسيرًا لماضيه، بل يستطيع في كل لحظة أن يبدأ من جديد.
وحين يقترب العبد من ربه يشعر أن علاقته بالله ليست علاقة خوف فقط، وإنما هي علاقة قرب ورحمة ورجاء. يقول الله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه البخاري ومسلم: «ومن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة». وما أعمق هذا المعنى في نفس الإنسان؛ فأنت لا تحتاج إلى أن تكون كاملًا حتى تقترب من الله، وإنما تحتاج إلى أن تبدأ، فإذا بدأت وجدّت من رحمة الله ما يعينك على الاستمرار.
ومن أعظم أبواب السكينة في حياة الإنسان التوكل على الله. فالإنسان كثيرًا ما يتعب لأنه يريد أن يعرف المستقبل كله، ويريد أن يضمن النتائج كلها، ويريد أن يسيطر على كل تفاصيل حياته، وهذا فوق طاقته. أما التوكل فيعلمه أن يأخذ بالأسباب، وأن يعمل ويجتهد، ثم يترك ما لا يملكه لله. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]. وهذه الكلمة وحدها تحمل في داخلها قدرًا عظيمًا من الطمأنينة: «فهو حسبه»، أي أن الله كافيه.
ولذلك فإن الإنسان الذي يتوكل على الله لا يعيش بالضرورة بلا خوف، ولكنه لا يسمح للخوف بأن يسيطر على قلبه. فهو يفعل ما يستطيع، ويستشير، ويخطط، ويعمل، ثم يقول: يا رب، بذلت ما أستطيع، وأفوّض إليك ما لا أستطيع. وهذا هو التوازن الحقيقي بين الأخذ بالأسباب والتوكل على مسبب الأسباب.
وقد جمع النبي ﷺ هذا المعنى في وصيته العظيمة لابن عباس رضي الله عنهما، فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». رواه الترمذي.
إن هذا الحديث يبني في القلب نوعًا من الأمان لا تمنحه الأشياء المادية؛ لأنه يحرر الإنسان من الخوف المبالغ فيه من الناس، ويعلمه أن النفع والضر بيد الله، وأن ما قدره الله للإنسان لا يستطيع أحد أن يمنعه عنه، وأن ما لم يقدره له لن يستطيع أحد أن يمنحه إياه. وليس المقصود بذلك أن يترك الإنسان الأسباب أو يتوقف عن العمل، وإنما المقصود ألا يجعل الأسباب آلهةً في قلبه، وألا ينسى أن فوق كل سبب مسببًا.
ومن هنا يأتي الإيمان بالقدر ليمنح النفس مساحة واسعة من الراحة. فالإنسان يتعب حين يظل يعيد في ذهنه الأسئلة: ماذا لو حدث كذا؟ ماذا لو لم أفعل كذا؟ ماذا لو اخترت طريقًا آخر؟ أما الإيمان بالقدر فيعلم الإنسان أن يأخذ من الماضي درسه، لكنه لا يعيش أسيرًا له، وأن يعمل في الحاضر، لكنه لا يدعي امتلاك المستقبل. قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 22-23].
وهنا يتعلم الإنسان أن الرضا لا يعني أن يحب الألم، ولا أن يطلب المصيبة، وإنما يعني أن يثق بالله حين تقع، وأن يعلم أن وراء أقدار الله حكمة قد لا تظهر له في اللحظة نفسها. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. كم من أمر أراده الإنسان بشدة ثم اكتشف بعد سنوات أن عدم حصوله كان رحمة، وكم من باب أغلق في وجهه ثم اكتشف أن وراءه طريقًا لم يكن يراه.
وقد جاء في صحيح مسلم حديث عظيم يجمع فلسفة المؤمن في التعامل مع الحياة كلها، يقول النبي ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له».
فالمؤمن لا يجعل سعادته مرتبطة بكون الحياة دائمًا على الصورة التي يريدها؛ فإذا جاءت النعمة شكر، وإذا جاء البلاء صبر، وفي الحالتين يجد طريقًا إلى الخير. وهنا يصبح الإنسان أكثر قدرة على الاستمرار، لأن حياته لا تتوقف عند لحظة واحدة، ولا تنهار بمجرد أن يحدث شيء لم يكن يتوقعه.
والصلاة واحدة من أعظم الأبواب التي يدخل منها الإنسان إلى عالم السكينة. فحين يقف بين يدي الله، ويترك للحظات ضجيج الحياة، ويكبر، ويقرأ القرآن، ويركع ويسجد، فإنه يستعيد شيئًا من توازنه الداخلي. وقد قال النبي ﷺ لبلال رضي الله عنه: «يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها».
ولاحظ التعبير النبوي: «أرحنا بها»، ولم يقل: أرحنا منها. فالفرق عظيم؛ الصلاة لم تكن عبئًا يريد النبي ﷺ التخلص منه، وإنما كانت راحة يريد الوصول إليها. وهذه هي الصورة التي ينبغي أن تكون عليها العبادة في حياة المؤمن؛ أن يشعر أنها ليست حملًا يثقله، وإنما باب يعود من خلاله إلى ربه، ويستعيد فيه قلبه قوته وهدوءه.
والقرآن نفسه يربط بين الصلاة والاستعانة بالله، فيقول سبحانه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]. فالإنسان حين تضعف طاقته لا يحتاج فقط إلى حلول خارجية، وإنما يحتاج كذلك إلى قوة داخلية يستمدها من علاقته بالله.
ومن هنا كان الذكر من أعظم أبواب الطمأنينة. فالإنسان قد يحمل همًا صغيرًا في بداية يومه، ثم يظل يفكر فيه حتى يكبر في داخله، وربما يصبح عاجزًا عن رؤية أي شيء إيجابي حوله. لكن حين يذكر الله ويقرأ القرآن ويدعو ويستغفر، فإنه يعيد قلبه إلى مركزه الحقيقي. قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]. فالإيمان لا يغير الأحداث كلها، لكنه يغير القلب الذي يستقبل الأحداث.
وقد وصف الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]. فالطمأنينة لا تعني غياب خشية الله، وإنما المؤمن يجمع بين الخشية والرجاء، وبين العمل والتوكل، وبين الخوف من التقصير وحسن الظن برحمة الله.
وفي واقعنا المعاصر، أصبح الإنسان محاصرًا بمقارنات لا تنتهي. يفتح هاتفه فيرى حياة الآخرين، ونجاحاتهم، وأسفارهم، وبيوتهم، وأموالهم، فيبدأ في مقارنة حياته بحياتهم، وينسى أن ما يراه ليس الحياة كلها، وإنما جزء منها. وقد يعيش الإنسان في نعم كثيرة لكنه لا يشعر بها لأنه مشغول بما عند غيره. ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131].
والتدين الصحيح لا يعني أن يرفض الإنسان الدنيا أو يتوقف عن الطموح، وإنما يعلمه أن يجعل الدنيا في يده لا في قلبه. يسعى إلى الرزق، ويطلب النجاح، ويبني مستقبله، ويتزوج، ويعمل، ويحقق أهدافه، لكنه لا يجعل كل ذلك إلهًا داخليًا يحدد قيمته وسعادته. فإذا حصل على شيء شكر، وإذا فاته شيء لم ينهدم، لأنه يعلم أن ما عند الله أبقى.
ومن أعظم ما يمنح القلب قوة في أوقات الشدة قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]. ولم يقل سبحانه إن اليسر يأتي بعد العسر فقط، بل قال: ﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، ليعلم الإنسان أن رحمة الله قد تكون موجودة حتى في اللحظة التي يظن فيها أن كل الأبواب قد أغلقت.
ويقول تعالى: ﴿لَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]. فالإيمان لا يمنع الألم، لكنه يمنع الألم من أن يتحول إلى نهاية، ويمنع الحزن من أن يتحول إلى يأس.
ومن هنا نفهم أن السكينة ليست مجرد شعور جميل، وإنما هي ثمرة لمنظومة كاملة من الإيمان: توكل على الله، وثقة به، وذكر له، وصلاة، ودعاء، وصبر، وشكر، ورضا، وتوبة، وحسن ظن به. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4]، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].
والدعاء كذلك يفتح في القلب بابًا عظيمًا من أبواب الطمأنينة، لأن الإنسان حين يدعو يشعر أنه ليس وحده. يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. وما أعظم كلمة «قريب» في قلب إنسان يمر بضيق؛ فأنت لا تدعو إلهًا بعيدًا عنك، وإنما تدعو ربًا يسمعك ويعلم ضعفك وحاجتك.
وحين يستقر هذا المعنى في القلب، تتغير طريقة الإنسان في مواجهة الوحدة والفقد والخوف. فإذا فقد شخصًا عزيزًا عليه، بكى وحزن، لكن إيمانه يمنحه القدرة على الاحتساب. وإذا خسر شيئًا من الدنيا، تألم، لكنه لا ينسى أن الله قادر على أن يعوضه. وإذا تأخر عنه ما يتمنى، لا يعني ذلك أن الله رفضه، فقد قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
إن التدين الصحيح لا يعد الإنسان بحياة بلا ألم، وإنما يعده بمعنى أعمق: أن الألم نفسه يمكن أن يتحول إلى باب من أبواب القرب من الله، وأن الصبر عبادة، وأن الدعاء عبادة، وأن الشكر عبادة، وأن حسن الظن بالله عبادة. ولذلك يصبح المؤمن قادرًا على تحويل تفاصيل حياته كلها إلى طريق نحو الله؛ فإذا فرح شكر، وإذا حزن صبر، وإذا أخطأ استغفر، وإذا أذنب تاب، وإذا ضاقت به الدنيا دعا، وإذا جاءه الخير حمد الله.
ولهذا فإن أعظم ما يقدمه التدين للإنسان ليس أنه يغير العالم من حوله، وإنما أنه يبني داخله عالمًا يستطيع أن يعيش فيه مطمئنًا رغم اضطراب الخارج. فلا يعود المال وحده مصدر أمانه، ولا الناس وحدهم مصدر قوته، ولا المستقبل وحده مصدر خوفه، لأنه أصبح يعلم أن له ربًا لا يضيع عنده شيء.
قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51]. فالمؤمن لا ينظر إلى القدر باعتباره سببًا للجمود، وإنما باعتباره مصدرًا للثبات؛ يعمل بما يستطيع، ويستعين بالله، ثم يرضى بما كتب الله بعد بذل الأسباب.
ومن هنا يمكن أن نفهم معنى التدين بصورة أعمق؛ فالتدين ليس أن يكثر الإنسان من المظاهر بينما يعيش قلبه في اضطراب، وليس أن يحفظ الكلمات دون أن تسكن معانيها في نفسه، وليس أن يؤدي العبادات ثم يبقى أسيرًا للخوف واليأس والقلق. التدين الحقيقي هو أن تثمر علاقتك بالله في داخلك يقينًا، وفي سلوكك استقامة، وفي وقت الشدة صبرًا، وفي وقت النعمة شكرًا، وفي وقت الخطأ توبة، وفي المستقبل توكلًا، وفي كل الأحوال حسن ظن بالله.
فالسكينة ليست في أن تمتلك كل شيء، وإنما في أن تعرف من يملك كل شيء. وليست في أن تضمن المستقبل، وإنما في أن تثق بمن يملك المستقبل. وليست في أن تختفي العواصف من حياتك، وإنما في أن تجد في داخلك إيمانًا يجعلك قادرًا على عبورها. وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: 62-64].
فإذا استقر الله في القلب، لم تعد الحياة هي التي تمنح الإنسان الطمأنينة أو تسلبها منه في كل لحظة، لأنه أصبح يعرف إلى من يلجأ إذا ضاقت به الدنيا، ومن يسأل إذا احتاج، ومن يستعين إذا عجز، ومن يرجو إذا انقطعت الأسباب. وعندها يعيش الإنسان حياته بكل ما فيها من فرح وحزن، ونجاح وفشل، وقوة وضعف، وهو يحمل في قلبه يقينًا لا يتوقف على تقلبات الدنيا: أن الله معه، وأن رحمته أوسع من خوفه، وأن فضله أكبر من حاجته، وأن ما عنده خير وأبقى.
وهكذا يصبح التدين طريقًا إلى السكينة لا لأنه يخرج الإنسان من الحياة، وإنما لأنه يعلمه كيف يعيشها بقلب يعرف ربه. فإذا جاءت النعمة شكر، وإذا جاء البلاء صبر، وإذا أخطأ تاب، وإذا خاف توكل، وإذا احتار استخار واستعان، وإذا ضاقت به الدنيا رفع يديه إلى السماء. وحينها فقط يدرك الإنسان أن الطمأنينة التي كان يبحث عنها في الخارج كانت تحتاج أولًا إلى أن يجد طريقها إلى قلبه، وأن القلب لا يجد سكينته الكاملة إلا حين يعرف ربه، ويثق به، ويأنس بقربه، ويعيش في هذه الدنيا وهو يعلم أن له ربًا لا يتركه.
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3].
اللهم إنا نسألك قلبا مطمئنا ولسانا ذاكرا وعملا متقبلا وجسدا علي البلاء صابرا