
بقلم الشيخ : مصطفى أحمد مصطفى
إذا نظرنا إلى الأمم، وجدنا أن العلم هو الوسيلة الأساسية لارتقائها، والطريق إلى رفعة مجدها، وإبراز أصالتها وحضارتها. فبدون العلم تفقد المجتمعات قدرتها على التقدم والرقي، وتعجز عن مواكبة العصر ومسايرة التطورات.
لقد أمرنا الإسلام بالعلم، وحثنا على التعلم، وقد جاءت آيات القرآن الكريم وأحاديث السنة النبوية الشريفة مؤكدةً أهمية العلم ومكانته العظيمة.
ففي القرآن الكريم يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، أي إن العلماء أشد خشيةً لله سبحانه وتعالى؛ لشدة معرفتهم به، وإدراكهم لعظمته وقدرته.
ويقول الله سبحانه وتعالى في شأن المؤمنين وأهل العلم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وفي هذه الآية بيان لمكانة أهل العلم ورفعة منزلتهم.
كما أمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وهو أمر إلهي يدل على أهمية التزود بالعلم والاستزادة منه، مهما بلغ الإنسان من المعرفة.
فيا أخي المسلم، إن الله سبحانه وتعالى خلق لكل إنسان عقلًا يفكر به، ويتدبر من خلاله، ويتعلم بواسطته، وجعل له الوسائل التي يستخدمها في تحصيل العلم. فالعقل الذي وهبك الله إياه وسيلة من الوسائل التي تستعين بها في شتى أمور حياتك، ومن أهم هذه الأمور أن تستخدمه في التعلم والتفكر والتدبر.
فالعلم أساس رفعة الإنسان، ورفعة المجتمعات، والرقي والتقدم، بل هو أساس كثير من جوانب الحياة التي لا تستقيم إلا به. وما دامت الأمم متمسكةً بالعلم، فإنها تمتلك أسباب التقدم والازدهار.
ولكن العلم لا بد أن يسير جنبًا إلى جنب مع الأخلاق؛ فالعلم بلا أخلاق لا قيمة له. فلا بد أن يتحلى الإنسان بالأخلاق الحميدة، وأن يجعل علمه وسيلةً للخير والنفع، لا وسيلةً للضرر أو الإفساد.
ونجد أن العلم يغير فكر الإنسان إلى الأفضل والأحسن، ويوسع مداركه، ويجعله أكثر قدرةً على الفهم العميق، والنظر إلى الأمور من زوايا متعددة، والوصول إلى طرق أفضل في التفكير والتعامل مع الآخرين.
فالقرآن الكريم أمرنا بالعلم، كما أن السنة النبوية الشريفة حثتنا عليه. وقد ورد في الحديث المشهور: «اطلبوا العلم ولو في الصين»، وهو حديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان المعنى العام في الحث على طلب العلم صحيحًا. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة».
وهذا يدل على عظيم فضل العلم، وأن طلبه من الأعمال التي تكون سببًا في نيل رضا الله سبحانه وتعالى ودخول الجنة. فالعلم طريق من طرق الخير، ووسيلة من الوسائل التي تقرب الإنسان من ربه إذا أخلص نيته، وعمل بما تعلم، ونفع به غيره.
إننا نملك مفاتيح الخير، ثم قد نلقيها من أيدينا بأنفسنا، حين نبتعد عن العلم ولا نتمسك به. لذلك لا بد أن نعود إلى التعلم، وأن نتزود بمختلف العلوم، سواء أكانت علومًا شرعية أم علومًا دنيوية، ما دامت نافعةً للإنسان، ومفيدةً للبشرية، وتسهم في رقي المجتمعات وتقدم الأمم والبلاد.
فلا بد أن نتمسك بالعلم النافع الذي يعود على الإنسان بالنفع، ولا يجلب عليه الضرر. وقد جاء في الحديث الشريف: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وهو حديث مشهور في الحث على طلب العلم، وإن كان في إسناده كلام عند أهل الحديث.
ومن هنا، ينبغي لكل مسلم أن يحرص على التعلم، وأن يجعل العلم من أولوياته؛ لأنه من أسباب ارتقاء الإنسان، ورفعة مكانته بين الناس، واكتسابه احترام الآخرين ومحبتهم. فكلما ازداد الإنسان علمًا نافعًا، ازدادت قدرته على الحوار السليم، وتقديم المعرفة الصحيحة، ونفع من حوله.
ونجد في واقعنا أن الإنسان الذي يفتقر إلى العلم قد يعجز عن فهم بعض الأمور فهمًا صحيحًا، أو التعبير عن أفكاره بطريقة سليمة، أو التواصل مع الآخرين على النحو الذي يحقق الفائدة المرجوة. أما العلم، فإنه ينير العقل، ويهذب الفكر، ويساعد الإنسان على اكتساب الخبرة والحكمة وحسن التصرف.
وكما ذكرنا، فإن العلم أساس عظيم من أسس الحياة، ولا بد أن نتمسك به كما حثنا القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؛ فهو سبب لرفعة مكانة الإنسان عند الله سبحانه وتعالى، ووسيلة لاكتساب مكانة طيبة بين الناس، إذا اقترن بالإخلاص والعمل الصالح والأخلاق الحسنة.
ومن أعظم ثمار العلم أن أثره قد يبقى بعد وفاة صاحبه، فيكون صدقةً جاريةً له. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
فالعلم الذي ينتفع به الناس من أعظم ما يتركه الإنسان وراءه من آثار طيبة. فإذا كنت من المتعلمين أو المعلمين، فاحرص على أن تنشر علمك النافع، وأن تعلم الناس ما ينفعهم، وأن تدون ما تعلمته من معارف نافعة، وأن تقدمها للآخرين ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى.
فقد يبقى أثر ما علمته للناس بعد موتك، وينتفع به أجيال من البشر، فيكون ذلك من أسباب استمرار الأجر والثواب لك بإذن الله تعالى. وهذا يدل على عظمة العلم، وأهمية نشره وتعليمه، وضرورة الحرص على أن يكون ما نتركه بعد رحيلنا نافعًا للناس.
لذلك، لا بد أن نتمسك بالعلم كما أمرنا القرآن الكريم، وكما حثتنا السنة النبوية الشريفة؛ لأنه من أسباب ارتقاء الأمم وتقدمها، ولأنه الوسيلة التي تعين الإنسان على اكتساب المعرفة الصحيحة، والتعبير السليم، والتفكير المنظم، والسعي إلى حياة أفضل.
ولا بد كذلك من التمسك بالأخلاق مع العلم؛ فالعلم بلا أخلاق لا قيمة له، وإنما تكتمل قيمته حين يتحول إلى سلوك حسن، وعمل نافع، وخدمة للإنسانية.
وقد قيل في فضل العلم والجهل:
العلم يرفع بيوتًا لا عماد لها
والجهل يهدم بيت العز والكرم
فالعلم يرفع صاحبه، ويمنحه القدرة على التقدم والارتقاء، والجهل قد يكون سببًا في تراجع الإنسان والمجتمع وتأخرهما.
ومن هنا، لا بد أن نجعل العلم أساس رفعتنا، وسبب تقدمنا إلى الأمام، ووسيلتنا إلى الارتقاء والازدهار. فبدون العلم لا تستطيع الأمم أن تحقق التقدم المنشود، ولا أن تحتل مكانةً مرموقةً بين سائر الأمم، كما لا يستطيع الإنسان أن يحقق كثيرًا من طموحاته ويؤدي رسالته في الحياة على الوجه الأكمل.
فلنعد إلى العلم، ولنتمسك به تمسكًا قويًّا، ولنحرص على ألا نفرط فيه مرة أخرى، وألا نتوقف عن التعلم مهما كانت الظروف والتحديات؛ فطلب العلم رحلة مستمرة لا تنتهي بانتهاء مرحلة دراسية، ولا بالحصول على شهادة، بل تستمر ما دام الإنسان قادرًا على التعلم والاستفادة.
وفي الختام، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المتعلمين والمعلمين، وأن يجعل علمنا نافعًا لنا في دنيانا وآخرتنا، وأن يجعله حجةً لنا لا علينا، وأن ينفعنا بما علمنا، ويعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعل علمنا سببًا في نفع الناس وخدمة الأمم والمجتمعات، وأن يكتب لنا به الأجر والثواب في حياتنا وبعد مماتنا، وأن يجعل لنا من آثار علمنا صدقةً جاريةً باقيةً، وأن يغنينا بفضله عمن سواه، وألا يجعل لنا حاجةً عند أحد من خلقه إلا في خير، وأن يجعل علمنا نافعًا لكل الناس والأمم.
فاللهم ارزقنا علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وقلبًا خاشعًا، وخلقًا حسنًا، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وانفع بنا عبادك، واجعل أثرنا طيبًا في الحياة وبعد الممات. آمين يا رب العالمين.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف