حين يصبح التبرك بابن تيمية فضيلةً وبغيره بدعةً وشركًا..!
21 سبتمبر، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

بقلم الشيخ : أحمد بن حسن أبو غزالة الأزهري
نتعجب عجباً شديداً عندما نرى أتباع ابن تيمية من الوهابية ينكرون التبرك بالصحابة والتابعين بعد الموت، ويَدَّعون أنه من الشرك، ويثبتونه لإبن تيمية، فيجيزون التبرك به حيًّا وميتًا، ويذكرون هذا عنه دون أدنى غضاضة…!
يذكرون ذلك وهم يترجمون لإبن تيمية دون إنكار، فكأنهم يجيزون التبرك بابن تيمية دون سائر الصالحين، فيروونه عن ابن تيمية بلا إنكار، فإذا جاء عن صحابيٍّ أو تابعيٍّ بادروا بتكذيبه، ولا أدري لماذا يمنعون هذا في حق سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم والصَّالحين من بعده ويستحسنونه في حق ابن تيمية؟
ولك أن تتأمل بعض ما جاء في ذلك عن أتباع ابن تيمية ومحبيه من المتقدمين والمتأخرين:
قال ابن عبد الهادي في التبرك بإبن تيمية بعد موته: (وَشَرِبَ جَمَاعَةٌ المَاءَ الَّذِي فَضَلَ مِنْ غَسْلِهِ، وَاقْتَسَمَ جَمَاعَةٌ بَقِيَّةَ السِّدْرِ الَّذِي غُسِلَ بِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ الطَّاقِيَّةَ الَّتِي كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ دُفِعَ فِيهَا خَمْسُ مِئَةِ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ: إِنَّ الْخَيْطَ الَّذِي فِيهِ الزِّئْبَقُ الَّذِي كَانَ فِي عُنُقِهِ بِسَبَبِ الْقَمْلِ دُفِعَ فِيهِ مِئَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا، وَحَصَلَ فِي الْجَنَازَةِ ضَجِيجٌ وَبُكَاءٌ وَتَضَرُّعٌ، وَخُتِمَتْ لَهُ خَتْمٍ كَثِيرَةٍ بالصالحيةِ والبلدِ، وتردد النَّاسِ إِلَى قَبْرِهِ أَيَّامًا كَثِيرَةً لَيْلًا وَنَهَارًا، ورُؤِيَت لَهُ مَنامات كَثِيرَةٌ صَالِحَةٌ، ورثاه جَمَاعَة بقصائد جمَّة…!
فتأمل تلك العبارات التي لو قيلت في غير ابن تيمية لَعُدَّت عند الوهابية المعاصرة شركًا وكفرًا، فشرب قوم الماء الذي فضل من غسله تبركًا، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غُسِّل به، وبيعت طاقيته بخمس مئة درهم، والخيط الذي حول عنقه بيع بخمسين ومئة درهم…!
إننا نجزم أن الوهابية لو سمعوا مثل ذلك عن صحابيّ أو تابعيّ لَعَدَّوه من الشرك والزندقة، ولكنه لا مانع منه في حق شيخ الإسلام! وما أدراك ما شيخ الإسلام…!
ثم يذكر ابن عبد الهادي عن ابن سَيِّد الناس قوله: (وَكَانَ يَوْمُهُ مشهودًا ضَاقَتْ بَجِنازَتِهِ الطَّرِيقُ، وانتابَها الْمُسْلِمُونَ من كل فج عميق، يتباركون بمشهده يَوْم يقوم الأشهاد، ويتمسكون بشرجعه (سريره) حَتَّى كسروا تِلْكَ الأعواد، وَذَلِكَ فِي لَيْلَة الْعشرين من ذِي الْقَعْدَة)…!
بل كانوا يتباركون بمشهده حتى كسروا الأعواد، ونحن نتساءل: لو كان محمد ابن عبد الوهاب حيًا ورأى الناس وهم يفعلون ذلك بسرير ابن تيمية بعد الموت ماذا كان موقفه؟ هل كان يحكم عليهم بالكفر؟ أم يشرع بغزوهم حين الجنازة، ويقتلهم، ويسبي نساءهم؟
وما هو موقف ابن باز، وابن عثيمين، والألباني، وابن الفوزان، وابن جبرين، والحويني، والعدوي، وغيرهم، هل كانوا سيوزعون بطاقات التكفير عليهم واحدًا واحدًا، أم إن ذلك قد يكون جائزًا لأنه شيخ الإسلام…؟
ولم ينفرد بمثل ذلك ابن عبد الهادي ولا ابن سيّد الناس، بل رواه أبو حفص البزار كما في (الأعلام العليّة) : (وازدحم من حضر غسله من الخَاصَّةِ والعامة على الماء الْمُنْفَصِلِ عَن غسله حَتَّى حَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم شَيْءٌ قليل، ثُمَّ أخرجت جِنَازَته، فما هُوَ إِلَّا أَن رَآهَا النَّاس فأكبوا عَلَيْهَا من كل جانب، كلًَّا مِنْهُم يقصد التَّبَرُّك بهَا حَتَّى خشي على النعش أن يحطم قبل وُصُوله إلى القَبْر)…!
إن هذا التصرف الذي حدث في جنازة ابن تيمية وفق ميزان الوهابية وأفكارهم نوع من الوثنية، والجاهلية، والعبودية لغير الله تعالى، وكان على وهابية العصر أن يقولوا وفق قاعدتهم: إن هذا شرك…!
فماذا كان حكمهم وكيف كانت روايتهم لذلك في حق ابن تيمية، مقارنة بحكمهم وروايتهم لذلك في حق سيد المرسلين وصحابته وأئمة الإسلام والصالحين؟
حتى ظهر من كلام الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي تبركه وتوسله الواضح بابن تيمية فقال: (اللَّهُمَّ تغمده بِرَحْمَتِك ورضوانك، وَأَسْكِنهُ أعلَى فراديس جناتك، وانفعنا ببركاته الوافرة، وعلومه الزاخرة، وأنفاسه الطاهرة، وأسراره الباهرة، وأساريره الزاهرة، واجمع لنا بين خيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، آمين آمين…!
فما هو موقف الوهابية جميعًا من تلك النقول الواضحة في تبرك الناس والعلماء بابن تيمية نفسه، فهل وقعوا في الشرك وضلوا عن الصراط المستقيم…؟
وهل هذا الذي حكاه الأئمة شرك وضلال؟! ولماذا يقبل الوهابية المعاصرة التبرك بابن تيمية دون أن نرى أحدًا منهم ينكر ذلك، ويذكرون تعلق الناس به، ويعدونه من محاسنه ومناقبه ومن محبة الناس له وإقبالهم عليه، ثم إذا أضيف مثله إلى صحابي أو وليّ، أو حدث نظيره مع إمام أو صالح، أصبح طريقًا إلى الشرك؟! ولو تبجح أحدهم حكم بالخطأ على كل هؤلاء لأجل ما يراه ويظنه…!
ونحن لا نخالف في هذا التبرك، وليس عندنا محرمًا ولا شركًا، فإبن تيمية كان رجلًا صالحًا متعبدًا، رَحِمَهُ اللهُ تعالى…!
وبالله التوفيق…!