إذا أوجعتك المصائب فتذكّر أعظم المصائب: وفاة رسول الله ﷺ

بقلم : د/ مدحت عــلي أحمد وِربي
من علماء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف المصرية.

أفضل الوسائل لكشف الكربة وتخفيف المصيبة
ما من أحد إلا وقد أصيب بمحنة أو مصيبة ويحتاج لمن لشيء يسلية ويخفف عنه .

وقد أخبرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن ذلك فقال كما جاءعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «إِذَا أُصِيبَ أَحَدُكُمْ بِمُصِيبَةٍ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ بِي فَإِنَّهَا أَعْظَمُ الْمَصَائِبِ» (الطبقات الكبرى /2/ 275). بمعني من تذكر المصيبة العظمى وهي موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عندها تهون علينا كل مصيبةٍ.

هذه تسلية وعزاء لكل مؤمن محزون مصاب؛ لتشرح صدره وتجلب صبره ، وتهون وتخفف أمره.

فلا يوجد مصيبة أعظم من مصيبتنا بموته صلى الله عليه وسلم ، فبموته صلى الله عليه وسلم انقطع الوحي من السماء إلى القيامة وبموته انقطعت النبوات وبموته ظهر الفساد في الأرض .

وفي وفاة النبي صلى الله عليه وسلم غاية التسلية عن كل مصيبةٍ، تصيب العبد أو تحل بأمة الإسلام جمعاء .

فما من عزيز أو حبيب أو قريب أو صديق فقدناه إلا ورسول الله صلّى الله عليه وسلم أعز علينا وأكرم .

ومثال ذلك : لو أن رجلا فقد أسرته كلها زوجته وأولاده جميعا،فاحترق فؤاده عليهم وضاق صدره بالمصيبة ؛ ثم تزوج الرجل ورزق بأبناء وعقب ذلك مات أحد أبنائه ، فهل يستوي عن ولده الأخير مع حزنه الذي فقد فيه زوجتة الأولي وجميع الأولاد ؟ أليس الخطب أهون ؟ أليست المصيبة أقل ؟ بلى !

هكذا ينبغي أن نعزي أنفسنا بما أصابنا من المصائب ؛ وذلك بذكر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فهو أعظم المصائب .

قال الشاعر :
تذكرت إن فرق الدهر بيننا : فعزيت قلبي بالنبي محمد
وقلت لها إن المنايا سبيلنا : فمن لم يمت في يومه مات في غد .«نزهة الأفكار» (2/ 424).

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّمَا أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ، فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَتِهِ بِي عَنِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي»« ابن ماجه» (1/ 510/ 1599).
ولو تأملنا كلمة (فليتعزى) لوجدنا فيها العلاج والدواء .

ولقد أحسن أبو العتاهية في نظمه موافقاً لهذا الحديث، حيث يقول:
اصبر لكل مصيبة وتجلد : واعلم بأن المرء غير مخلد
أو ما ترى أن المصائب جمة : وترى المنية للعباد بمرصد
من لم يصب ممن ترى بمصيبة :هذا سبيل لست عنه بأوحد
فإذا ذكرت محمداً ومصابه : فاجعل مصابك بالنبي محمد .«تسلية أهل المصائب» (ص18).

وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: ” لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، أَضَاءَ مِنَ الْمَدِينَةِ كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَظْلَمَ مِنَ الْمَدِينَةِ كُلُّ شَيْءٍ، وَمَا فَرَغْنَا مِنْ دَفْنِهِ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا “(أحمد/21/ 35 /13312))».

وقال تعالى: { وَما مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)(آل عمران :144).

{أفإن مات} شرط {أو قتل} عطف عليه، والجواب: {انقلبتم} قيل: المعنى فعلتم فعل المرتدين، ومنه انقلب على عقبيه.«تسلية أهل المصائب» (ص19).
روى البخاري ومسلم:عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ» (البخاري/1/ 12/14). وكأن المعنى بعد هذا النص سيكون : لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يكون موتي أعظم مصيبة من موت ولده ووالده والناس أجمعين .

فمن فقد أمه مثلا – رحم الله جميع الأمهات -وحق للجميع أن يحزن قلبه لفقد أمه؛لأنه يتذكرعند موتها أنها هي التي أخرجته من ظلمات البطن إلى نور الحياة ، ورعته وربته .

وعزاءنا في فقد أمهاتنا هو فقدنا رسول الله ؛ حيث أن الله تعالي أخرجنا بمحمد صلى الله عليه وسلم من ظلمات الضلالة والجهالة إلى نور الهدى والتوحيد؟ .
فإذا فقدت ابنك ،أو فقدت حبيبك ، أو فقدت صديقك فتألمت وبكيت ثم زاد ألمك وزاد بكاؤك وزادت لوعتك .

أفلا يستحق رسول الله صلى الله عليه وسلم منا أن نحزن على موته أكثر ممن سواه ؟! ونتعزى بموته عن فراق كل من سواه ونذكره فنتمسك بسنته ،ونمضي على شرعته ؛ لننعم بعدها بصحبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين كما قال الله تعالي :” وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (69) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (70)(النساء :69،70).

اللهم إني أحتسب عند الله ثواب من تسلى بهذه الكلمات وأسألك أن يثبتنا يارب في ساعة فقرنا وحاجتنا ، وأن لا تحرمنا ثواب هذه الكلمات ، فالمصاب حقاً من حرم الثواب ، نفع الله بنا وأثاب ،إنه الكريم الوهاب .