التعليم كأداة لعلمنة المجتمع
7 نوفمبر، 2026
الماسونية والجمعيات الصهيونية

المقال الحادى والأربعون من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )
للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
كيف حوّلت الأنظمة العلمانية المدرسة إلى مصنع للاغتراب:
منذ سقوط الخلافة العثمانية ودخول الاستعمار المباشر إلى ديار العرب والمسلمين، أدرك المستعمر أن المعركة الكبرى ليست فقط على الأرض والثروات، بل على العقل والهوية. ومن هنا بدأ مشروع علمنة التعليم، ليُعاد تشكيل الأجيال القادمة على صورة المستعمر لا على صورة الأمة. ولم يكن الهدف أن يتعلم الطفل القراءة والكتابة أو الحساب فحسب، بل أن يتعلم كيف ينظر إلى تاريخه بازدراء، إلى دينه بتهميش، إلى أمته كحِمل ثقيل، وإلى الغرب كمخلص وحيد. وهكذا تحولت المدرسة في ظل الأنظمة العلمانية التي زرعها الاستعمار إلى مصنع للاغتراب، يخرج أجيالًا تعرف لغة الآخر وقيمه، لكنها تجهل هويتها وجذورها.
لقد كان التعليم قبل ذلك، رغم محدوديته، مرتبطًا بالمساجد والكتاتيب والزوايا، حيث يُربى الطالب على القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي واللغة العربية. كان المعلم شيخًا أو فقيهًا أو أستاذًا يرتبط بالمجتمع ويمثل قيمه. لكن حين دخل الاستعمار، جرى فصل التعليم عن الدين قسرًا، وصار المطلوب تخريج جيل جديد لا يعرف إلا ما يريده المحتل. فالمناهج صيغت على أيدي خبراء أوروبيين، والمدارس الحديثة بُنيت لتكون بدائل عن المؤسسات التقليدية، والمعلم الجديد جرى إعداده ليكون موظفًا في خدمة الدولة لا مرشدًا في خدمة المجتمع.
في سوريا مثلًا، بعد أن ورث حزب البعث السلطة تحت شعارات “الوحدة والحرية والاشتراكية”، استُخدم التعليم لإنتاج أجيال بعثية الهوى، غريبة عن دينها وتاريخها. فدروس “التربية القومية” غُرست في كل مرحلة تعليمية، تُلقن الطفل أن الأمة هي “الأمة العربية” وأن الولاء للحزب مقدم على كل ولاء، حتى الولاء لله ورسوله. وصار الطلاب يرددون صباحًا شعارات الحزب قبل أن يدرسوا القرآن – إن دُرس أصلًا – وصار معلم “القومية” أكثر مهابة من معلم التربية الإسلامية. بل إن الإسلام أُقصي إلى الهامش، في بضع حصص متفرقة، تُعرض كتراث قديم لا علاقة له بالسياسة أو المجتمع.
وفي مصر، بعد الانقلابات العسكرية التي أطاحت بالملكية وربطت البلاد بالمشاريع الغربية، خضعت المناهج لعملية إعادة صياغة شاملة. فالتاريخ الإسلامي اختُزل أو شُوِّه، والحديث عن الخلافة صار “أسطورة ظلامية”، والحديث عن العلماء والمصلحين قُدّم باعتباره “جمودًا” يعارض التقدم. أما التاريخ القومي والوطني فقد ضُخّم حتى صار هو الهوية الوحيدة. هكذا نشأ جيل يرى نفسه مصريًا أو سوريًا أو لبنانيًا قبل أن يرى نفسه مسلمًا، ويظن أن الإسلام لا يتجاوز حدود الشعائر الفردية، بينما الانتماء الحقيقي للحزب أو للوطن القُطري.
لقد كان الهدف من هذه العلمنة ليس مجرد إبعاد الدين عن المدرسة، بل تفكيك الرابط بين الدين والحياة. فالطالب الذي يدرس الرياضيات والعلوم واللغات بمنظور مادي صرف، ثم يُقال له إن الدين مجرد “مادة ثانوية”، سيتخرج وهو مقتنع أن الدين لا علاقة له بالعلم، ولا بالسياسة، ولا بالاقتصاد. ومع مرور الوقت، تُنشأ طبقة من “المتعلمين” الذين يرون في الدين عائقًا، وفي الغرب نموذجًا أوحد. هؤلاء يصبحون هم النخب الجديدة: أطباء ومهندسون وضباط وصحفيون، لكنهم في العمق غرباء عن أمتهم، متصالحون مع الاستعمار، لأن المدرسة أعادت تشكيلهم منذ الطفولة.
والأدهى أن الأنظمة العلمانية لم تكتفِ بإقصاء الدين، بل سخرت التعليم لصناعة الولاء للحاكم. فكل درس في “التربية الوطنية” يتحول إلى درس في تمجيد الرئيس أو القائد أو الحزب. كل صفحة تاريخ تعيد صياغة الماضي لتبرر الحاضر. كل نشيد مدرسي يصبح وسيلة لغسل الأدمغة. وهكذا تتحول المدرسة إلى معسكر أيديولوجي، لا يُعلّم التفكير النقدي بل التبعية.
إن هذه العملية أنتجت أجيالًا تعيش حالة اغتراب مزدوج: فهي لا تشبه الغرب تمامًا رغم تقليدها له، ولا تشبه أمتها رغم انتسابها إليها. فهي جيل يعرف كل شيء عن الثورة الفرنسية، لكنه يجهل تاريخ فتح الأندلس. جيل يحفظ سيرة لينين وغاندي، لكنه لم يسمع بابن تيمية أو العز بن عبد السلام. جيل يتقن الإنجليزية أو الفرنسية، لكنه يكتب العربية بأخطاء فادحة. هذا الاغتراب لم يكن عرضًا جانبيًا، بل الهدف نفسه: أمة ممسوخة، لا إلى الغرب انتمت ولا بدينها تمسكت.
إن أخطر ما في علمنة التعليم أنها قيدت الهوية بالأطر الضيقة. فبدلًا من أن يكون الطالب مسلمًا ينتمي إلى أمة واسعة تمتد من المحيط إلى الخليج، صار مجرد مواطن في دولة قُطرية مرسومة بحدود سايكس–بيكو. وبدلًا من أن يرى في العلماء قادة، صار يرى فيهم متحجرين. وبدلًا من أن يرى في الإسلام مشروعًا للحياة، صار يراه طقسًا للجمعة أو رمضان. هذه النتيجة لم تأتِ صدفة، بل كانت ثمرة عقود من التوجيه الممنهج الذي جعل من المدرسة أداة لإعادة تشكيل الوعي على مقاس المستعمر.
ولهذا نقول: إن المدرسة في ظل الأنظمة العلمانية لم تكن مصنعًا للعلم بقدر ما كانت مصنعًا للاغتراب. مصنع يخرج موظفين مطيعين، لا رجالًا أحرارًا. أفرادًا يعرفون كيف يخدمون النظام، لا كيف يبنون أمتهم. وهكذا استُخدم التعليم، الذي يفترض أن يكون وسيلة للتحرر، ليكون وسيلة للاستعباد الناعم.