التّطرُّف العَلماني… الخطر القاتل
6 نوفمبر، 2026
العلمانية وغزو بلاد العرب

بقلم الدكتور/ عبد الله الشقرة
باحث في الشريعة الإسلامية
على مدار سنوات كان مفهوم “التطرف” مقترناً في الأذهان بالتعصب الديني أو الجمود العقدي، أو الإقصاء باسم الدين، لكن المتأمل في واقعنا المعاصر يجد صورةً أخرى غاية في التطرف، ولا تقل خطورة أو إجراماً، وهو ما يُعرف بـ “التطرف اللا ديني” أو “التطرف العَلماني”، والذي يتمثل في النزعة المادية البحتة، والتقاطع التام مع القيم الروحية والأخلاقية المستمدة من الوحي الإلهي، وصولاً إلى إقصاء الدين بالكامل من المجال العام والخاص، وتبني مواقف عدائية متشددة تجاه الموروث الديني والأخلاقي للمجتمعات والشعوب.
وقد أدت عدة أسباب لانتشار هذا التطرف اللا ديني في بلادنا العربية والإسلامية، وأفضت إلى شيوع الإلحاد والعلمانية، والإباحية والشذوذ، والحرية المطلقة، والتهاوي في مستنقع الرذائل، والابتعاد عن الدين، والتخلي عن مكارم الأخلاق والقيم الإنسانية، ومحاربة كل ماهو ديني أو أخلاقي، وأصبح من يرتكب الذنب أو الجريمة الأخلاقية لا يخجل ولا يخاف، بل صار يُجاهر بالمعصية أمام الجميع، ويدعو إلى الرذيلة بكل تبجُّح، ويُبرر أفعاله بالحرية المطلقة والحق الشحصي، وعدم وجود إله ودين أو حتى رقيب على أفعاله وتصرفاته.
ومن بين أسباب انتشار هذا التطرف المذموم، هيمنة نمط الحياة الإستهلاكي الذي يُمجّد اللذة العاجلة والمنفعة الفردية، ويُنظر فيه إلى القيم الروحية والأخلاقية على أنها عائق أمام عجلة الإنتاج ومواكبة العصر، كذلك إساءة فهم الحداثة والتحرر الإنساني واعتبارهما مرادفين لقطع الصلة التامة بالهوية الثقافية والدينية للمجتمعات، بدلاً من النظر إليهما كمسار للتطور العقلي والعلمي يحترم الخصوصيات الحضارية ولا يتعارض مع الدين والشرائع.
ومما لا شك فيه أن التطرف اللا ديني يُشكل تهديداً حقيقياً للاستقرار الاجتماعي والأخلاقي للأمم، ويتجلى ذلك في غياب المرجعية الأخلاقية العليا المستمدة من القيم الدينية والنبيلة، فتفقد المجتمعات معاييرها الحاكمة للصواب والخطأ، ويحل محلها الإلحاد والحريّة المطلقة وغياب الرقابة الإلهية، وغياب النزعة الدينية، والنسبية المطلقة حيث يصبح كل شيء مباحاً.
كذلك الصدام المجتمعي الذي يحدث عندما يتحول إقصاء الدين بالكامل من الحياة الشخصية والعامة من خيار فردي مختفي، إلى أيديولوجية إقصائية علنية تحارب معتقدات الأغلبية وتستفز وجدانهم، فإن ذلك يولِّد حالة من الاستقطاب الحاد والتوتر الاجتماعي، ويهدد السلم الأهلي والعيش المشترك.
والحق الذي نريد بيانه للجميع أن بناء مجتمعات سليمة ومتوازنة يقتضي رفض كافة أشكال التطرف، سواء جائت متسربلة بمسوح الدين زوراً وبهتاناً، أو متسلحة بالإلحاد الإقصائي والتعصب المادي، إذاً لابد من الحوار الرشيد واحترام الخصوصيات، والاعتزاز بالقيم الدينية والأخلاقية للمجتمعات، وإعلاء قيمة العقل الرشيد المتوازن الذي يجمع بين متطلبات العلم المادي والسمو الروحي، فهذه الأمور هي الضمانة الحقيقية لتحقيق النهضة الإنسانية المنشودة.
ونتيجة لهذا التطرف اللا ديني والدعوة الصريخة إلى البعد عن الدين والقيم والأخلاق والعادات والتقاليد الصحيحة، حدثت عدة تداعيات إجتماعية خطيرة، من بينها تفكيك الروابط الأسرية وتغير وظيفة الأسرة التي هي اللبنة الأولى والمركز الأساسي لنقل القيم والتقاليد بين الأجيال، فأحدث التطرف اللا ديني شرخاً عميقاً في هذه النواة .
كذلك أدى استبعاد المرجعية الدينية المستقرة والسلطة الأبوية الرشيدة، إلى إضعاف مفهوم الالتزام الديني والأخلاقي والرحمة والتعاون الزوجي والترابط الأُسري، وزاد من معدلات التفكك الأسري وحالات الطلاق، كما خلق تصادماً حاداً بين الآباء المتمسكين بالهوية والثقافة الدينية، والأبناء المتأثرين بالطرح اللا ديني المتشدد، مما يحول البيوت من السكينة والمودّة والاطمئنان إلى النزاع والاستقطاب والتناحر الدائم، كما ينهي على قيم البر والتكافل والرحمة والتعاون، فينمي في الإنسان البعد المادي الاستهلاكي، ويضعف قيم البر بالوالدين، وتفقد صلة الرحم معناها الأخلاقي السامي لتتحول إلى مجرد علاقات منفعة عابرة.
والسؤال المهم الآن كيف نعالج هذه الظاهرة الخطيرة؟
لمواجهة الآثار الاجتماعية الخطيرة للتطرف اللا ديني، يتطلب الأمر تحركاً متوازناً، وتضافر الجهود الحثيثة بين الأفراد، والمسئولين، وصُنّاع القرار، والهيئات الدينية، والمؤسسات الحكومية، لتحقيق المحاور التالية…
1- اهتمام المؤسسات الدينية، وأهل العلم والمصلحين بنشر ثقافة التوحيد وتعليم العقيدة الإسلامية الصحيحة، وتعريف الشباب والنشأ بربهم سبحانه وتعالى معرفة حقيقية قائمة على الدليل الشرعي والبرهان العقلي، وكذلك الرد على كافه الشبهات والأباطيل التي يروجها دُعاة الإلحاد والعلمانية، وهذه هي أهم وسيلة لحماية المجتمع من التطرف اللا ديني.
2- تعليم الشباب والنشأ دين الله عز وجل، ونشر الثقافة الإسلامية الصحيحة في كل مراحل التعليم، وإرساء القيم الدينية والأخلاقية المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وكتب أهل العلم والصلاح.
3- نشر ثقافة “القدوة” وحث الشباب والنشأ على قرآءة الكتب التاريخية، والموسوعة الأخلاقية، خاصة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وتاريخ الصحابة الكرام والتابعين والقادة والمصلحين، وقصص العلماء وأولياء الله الصالحين.
4- دعم ترابط الأسرة، ونشر قيمة خُلق بر الوالدين وصلة الرحم، واحترام العلماء، وتوقير الكبار، وضم ذلك في مناهج تربوية وتوعوية توازن بين مقتضيات العصر والحفاظ على الثوابت الأخلاقية والروحية.
5- تشجيع مساحات الحوار العقلاني الرافض للتطرف بكافة أشكاله، وإرساء قيم احترام المقدسات والخصوصيات الحضارية للمجتمعات.
6- تفعيل دور المؤسسات الثقافية والاجتماعية، لتقوم بتقديم بدائل فكرية وثقافية ترعى الشباب وتفتح لهم آفاق الإبداع دون الارتهان للماديات الجافة أو الانغلاق الفكري، ودون الابتعاد عن صحيح الدين والقيم الفاضلة والأخلاق الحميدة.