قصة سبأ

بقلم / الدكتور  : ابوبكر الجندى

امام بوزارة الاوقاف

بين البلاء والنعماء والضراء والسراء تسير حياة البشر، والحصيف من يسير بين الصبر والشكر مع هذا القدر، لا السخط والجحود، وقد قص علينا القرآن الحكيم قصة سبأ ليجسد لنا صورة حية بين الصابر الشاكر والساخظ الجاحد فقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ} والجنة هي التي تستر صاحبها حسًا ومعنًى أي لا يحتاج شيئًا من خارجها، فقد اشتملت على كل أنواع النبات والثمار والخضار والفاكهة، كما تدل على سعتها فليست غيطًا ولا مزرعةً ولا حديقةً ولا بستانًا{عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ} واديهم أو عن يمين وشمال كل بيت منهم {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ} والأمر هنا ليس للوجوب وإنما للامتنان، فقد يمنع الإنسان الأكل مرض أو تعب أو قلة زادٍ أو غير ذلك، وهؤلاء بصحة وعافية.

{وَاشْكُرُوا لَهُ} فإن الشكر يحفظ النعمة ويزيدها، {وإِذ تأذن ربكم لئِن شكرتم لأزِيدنكم ولئِن كفرتم إِن عذابِي لشدِيد}[إبراهيم: 7].

وكانت الجنتان خصبة التربية كثيرة الماء العذب، خالية من الحشرات والهوام لا تحتاج إلى مبيدات أو مطهرات، والبيوت كذلك فارغة من الناموس والذباب والروائح الكريهة مع اعتدال الهواء وصحة المناخ، ودل على كل ذلك قوله تعالى: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} وإذا طابت الجنان والمساكن والتربة والمناخ فكانت أجسامهم أكثر طيبًا، وأجسامهم أحسن صحة وعافية فقد اجتمع لهم الرزق وطيب العيش واﻷمان فعلى اﻹنسان أن يديم شكر النعم وﻻ يبطر ولا يكفر فالنعم زوالة {وَرَبٌّ غَفُورٌ} لا يُعَجل بالعقوبة للمذنب ويمهل الظالم حتى يتوب ويرجع عن ظلمه، فكان الشكر من توفيق الله، والاستغفار من الذنوب والسيئات كذلك من توفيق الله.

{فَأَعْرَضُوا} الفاء تدل على سرعة الإعراض فلم يمهلوا أنفسهم للتفكر في نعم الله والاستمتاع بها، وشكر الله تعالى عليها، وحالهم كما قال الله تعالى عنهم: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ}[محمد: 12].

وبسرعة الأعراض كانت سرعة الانتقام {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ} المطر الشديد والسيل الجارف الذي لم تصمد أمامه سدودهم فتحطم سد مأرب، وامتلأ الوادي، وغرّقت البساتين الخضراء ثم يبست، ودفنت البيوت، ولم يبق منهم إلا شراذم قليلة تفرقت في البلاد، {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ} ذات المناظر الحسنة والظلال الوارفة والأنهار الجارية {جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} مر وحامض ومالح {وَأَثْلٍ} وهي شجرة الطرفاء كالكافور{وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} شجر نبقأ ذي الشوك الكثير والثمر القليل، ومن قلته كانوا إذا وجدوه تشاجروا عليه.

{ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا} وما ظلمهم الله وأنفسهم كانوا يظلمون، {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}[النساء: 79]، حيث عدل قوم سبأ إلى عبادة الشمس من دون الله، كما حكى هدهد سليمان عليه السلام: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } [النمل: 24]، {وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ}؛ ليعتبر المعتبر ويتعظ المتعظ، قال الحسن البصري: “إن الله يمتِّع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابًا”, وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله تعالى من زوال النعمة ويقول: “اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك”.

وهذه النعم كانت في حاضرهم أما في سفرهم أثناء تنقلهم في البلاد للتجارة، فقد قال تعالى ممتنًا عليهم: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً} أي مُدناً ظاهرة على هضاب عالية معروفة ومتواصلة، من صنعاء إلى الشام، وبها كل ما يحتاجونه من الماء والطعام، بحيث لا يحتاج مسافرهم إلى حمل ماء أو الزاد {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ} أي جعلنا طريق سفرهم محطات متعاقبة ذات مقادير متناسبة، فيقيلون في بلد، ويبيتون في آخر، إلى أن يصلوا إلى الشام {سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} في سيركم ليلًا ونهارًا، لا تخشون جوعًا ولا عطشًا ولا عدوًا، ولكنهم بطروا نعمة ربهم وسئموا منها، {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} فتمنوا طول الأسفار وتباعد الديار، وأن يجعل بينهم وبين الشام مفاوز وقفارا؛ ليركبوا فيها الرواحل والخيول، ويتزود بالزاد والماء، ويظهروا التمايز الطبقي والتفاخر على الفقراء والعاجزين، وهذا في الواقع هو حسد الأغنياء للفقراء الذين لا طاقة لهم على السفر في المسافات البعيدة بدون زاد ولا رواحل {وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } باستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، كما طلب بنو إسرائيل البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل، وسئموا من جيد الطعام من المن والسلوى، وهذا من انتكاسة الفطرة، التي تطلب تدمير مظاهر الحضارة والتمدن والحياة الهانئة{فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي جعلناهم عبرة لمن يعتبر وحديثًا للسامرين في مجالسهم، وشتتنا شملهم بعد اجتماعهم وعيشهم الهنيء، وفرقناهم في البلاد كل تفريق، بحيث لا يرجى لهم عود لموطنهم أو اتصال ببعضهم، فكان يضرب بهم المثل، فيقال: (تفرق القوم أيادي سبأ)، أي مذاهب سبأ، فنزلت الأوس والخزرج بيثرب، وغسان آل جفنة بن عمرو بالشام، والأزد بعمان والسّراة، وخزاعة بتهامة {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ} إن في هذا الذي حلّ بهؤلاء من النقمة والعذاب، وتبديل النعمة، وتحويل العافية {لِكُلِّ صَبَّارٍ} على المصائب {شَكُورٍ} للنعم، ونعم العبد الصبار الشكور الذي إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر, وأحوج النعم للشكر هي النعم المتكررة، حتى لا يعتادها المرء كما اعتاد قوم سبأ نعمة ربهم فملوها، وطلبوا تبديلها؛ فحل عليهم غضب الله وسخطه.