قميص يوسف: كيف نصنع الحقيقة من نصف المشهد؟

بقلم : أ . هالة أشرف

ليس كل ما يحمله الأثر هو الحقيقة

في بعض القصص القرآنية، لا تأتي التفاصيل الصغيرة عبثًا، ولا يكون تكرار الشيء الواحد في مواضع مختلفة مجرد تكرار لسياق الحكاية.

 وقد يكون من أكثر هذه التفاصيل إثارة للتأمل في قصة يوسف عليه السلام: ذلك القميص الذي ظل حاضرًا في القصة، وإن اختلفت دلالته كل مرة.

ثلاث مرات ذُكر فيها القميص، وثلاثة مشاهد لا تكاد تتشابه.

في المرة الأولى، جاء القميص شاهدًا في قضية لم يشهدها أصلًا.

﴿وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾.

لقد أراد إخوة يوسف أن يجعلوا من القميص دليلًا على روايتهم؛ دم على ثوب، وثوب بلا صاحبه، وقصة تبدو مكتملة لمن ينظر إلى ظاهرها فقط: لقد أكله الذئب.

لكن يعقوب عليه السلام لم يستسلم لهذه الصورة المكتملة ظاهريًا، فهو لم يقل: هذا قميص يوسف، وعليه دم، إذن لا بد أن يكون قد مات.

بل قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾.

وكأن الآية تلفت النظر إلى فارق بالغ الأهمية بين أن ترى الأثر، وأن تعرف الحقيقة التي أدت إليه.

فالدم كان حقيقيًا، والقميص كان حقيقيًا، وما رأته عين يعقوب كان حقيقيًا… لكن القصة التي أُريد لهذين الأمرين أن يثبتاها لم تكن حقيقية. وهنا تبدأ المسافة الدقيقة بين الحقيقة وبين تفسير الحقيقة. فالإنسان لا يتعامل مع الأشياء كما تقع دائمًا، لكنه في الواقع يتعامل معها كما يفهمها. وقد يرى واقعة صحيحة، ثم يبني عليها تفسيرًا خاطئًا، ثم يصدق تفسيره حتى يصبح عنده هو الحقيقة نفسها.

ولعل من أخطر ما يقع فيه الإنسان أن يخلط بين ما شاهده بعينه، وبين ما استنتجه بعقله.

فما رأيته شيء، وما فهمته منه شيء آخر. 

ثم يظهر القميص مرة ثانية.

لكن هذه المرة لا يأتي ليؤيد رواية كاذبة، بل يأتي في قلب رواية تتكشف فيها الحقيقة:

﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾.

هنا صار اتجاه تمزق القميص ذا دلالة؛ فالقميص لم يتكلم، لكنه حمل أثرًا يمكن قراءته.

كان يوسف يهرب، فكان تمزق القميص من الخلف دليلًا على ما حدث.

وهنا يبدو المشهد وكأنه يعيد ترتيب علاقتنا بالأثر: الأثر نفسه لا يتكلم، وإنما نحن الذين نقرأه، وقد تكون قراءتنا له صحيحة وقد تكون خاطئة.

ثم تأتي المرة الثالثة: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾.

هذا القميص لا يحمل دمًا كاذبًا، ولا يحمل أثر مقاومة، وإنما يحمل بشارة.

القميص الذي دخل القصة أول مرة ليقنع أبًا بأن ابنه قد مات، يعود إليها في آخرها ليكون جزءًا من الخبر الذي يثبت أن الابن ما زال حيًا.

وكأن القصة، من خلال هذا التفصيل الواحد، تضع أمامنا درسًا بالغ الدقة: الأشياء لا تمنحنا الحقيقة وحدها؛ نحن نحتاج إلى أن نعرف كيف نقرأها. ومعنى ذلك أن قيمة الأثر لا تنفصل عن السياق الذي جاء فيه، وعن حقيقة ما وراءه.

فقد يكون الأثر صادقًا، لكن دلالته التي نسبناها إليه كاذبة، وقد يكون ما نراه جزءًا من حقيقة أكبر، لا تكفي وحدها للحكم عليها. وهنا تخرج القصة من حدودها إلى حياتنا اليومية.

كم من إنسان حكمنا عليه من أثر صغير؟

كلمة واحدة سمعناها منه، فقلنا: لقد تعمد إهانتي أو تغير في أسلوبه، فقلنا: لقد تغير قلبه نحوي.

تأخر في الرد، فقلنا: لم يعد يهتم.

أو مررنا بموقف عابر، فاختصرنا به شخصية كاملة.

ثم لا نلبث أن نضيف إلى الأثر ما ليس فيه، ونبني حوله قصة من عندنا، حتى ننسى بعد ذلك أين انتهت الحقيقة وأين بدأ تفسيرنا لها.

وقد تكون المشكلة أحيانًا أن الإنسان لا يحتمل الفراغ بين الحدث ومعناه؛ فالإنسان بطبعه عجولًا يريد لكل شيء تفسيرًا فوريًا.

لماذا قال؟ لماذا فعل؟ لماذا ابتعد؟ ماذا يقصد؟

فيملأ المساحات التي لا يعرفها بالظنون.

ومن هنا كان التريث نوعًا من الحكمة؛ لأن الاعتراف بأننا لا نعرف كل شيء أكثر صدقًا من اختراع تفسير يريحنا.

وليس عجيبًا أن يعقوب عليه السلام، في هذا المشهد، لم يدخل في جدال طويل حول تفاصيل الرواية. لقد رأى ما رأى، لكنه لم يسمح لما أمام عينيه أن يختزل الحقيقة كلها.

وهذه منزلة من الوعي يصعب بلوغها: أن تستطيع أن تقول (لا أعلم) في الموضع الذي يغريك فيه عقلك بأن يخترع جوابًا. وأن تفرق بين الواقعة وتأويلها وبين الأثر، وبين القصة التي نسجتها حوله.

ولعل هذا من أكثر ما نحتاج إليه في زمن أصبحت فيه شذرات الأشياء تكفي لصناعة أحكام كاملة؛ صورة واحدة، مقطع مقتطع، جملة منزوعة من سياقها، موقف واحد، ثم يصدر الحكم.

لكن الإنسان ليس صورة واحدة، ولا موقفًا واحدًا، ولا جملة عابرة.

وربما كان من العدل أن نتذكر قبل أن نحكم على أحد: نحن لا نرى من حياة الناس إلا ما يسمح لنا به ظاهرها، أما ما وراء ذلك فمساحات واسعة لا نملك مفاتيحها.

وفي قصة يوسف، لم يكن القميص كاذبًا قط؛ الكذب كان في الرواية التي أُريد للقميص أن يثبتها.

وهذه نقطة دقيقة تستحق أن نتوقف عندها. فليس كل ما يصل إلينا من أثر مزيفًا، لكن قد تكون قراءتنا له هي المزيفة. قد يكون ما رأيته صحيحًا، لكن استنتاجك ليس بالضرورة صحيحًا.

لذلك، قبل أن تجعل من أثرٍ صغير حكمًا كبيرًا، تذكر قميص يوسف.

فقد يكون أمامك أثر حقيقي لكن الحقيقة، كما كانت في قصة يوسف، أبعد بكثير مما يخبرك به القميص.