صناعة الأمل
17 سبتمبر، 2026
بناء وتنمية الذات

بقلم أ.د/ طلعت عبد الله أبو حلوة
وكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر
إن حياة الإنسان مجموعة من الأماني والأحلام، وإن الأمل الحق الصادق هو مفتاح العمل، وروح الحياة وإكسيرها، وشفاء النفوس وترياقها، وحياة القلوب، وباعث الهمم، وهذا هو أمل العقلاء والحكماء، وذلك بخلاف الأمل الكاذب الذي هو مجرد أمانٍ وأحلام دون سعي وعمل، وكأنه السراب الذي يلمع أمام من يسعى إليه طمعًا في وجود الماء، فإذا هو لم يجده شيئًا، وعلم أنه كان وراء وَهْم وخداع، وذلك هو أمل الحمقى والمغفلين، وهو الأمل المذموم كما جاء في قوله تعالى في ذم الكافرين: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾(1).
والإنسان مع ضغوط الحياة ومشاكلها قد يتسرب إلى قلبه اليأس أحيانًا، ويخيم على نفسه الإحباط، وقد يدفعه ذلك إلى التوقف عن العمل، فيلجأ إلى الانطواء والعزلة والانكفاء، وقد يوغل بعض الناس في اليأس، فيضيق صدره بالحياة، ويلجأ إلى التخلص منها بالانتحار.
وهناك من الناس من يثبط العزائم، ويحبط الهمم، فإذا سئل عن الغد وما فيه من إشراق، ما يكون منه إلا إغلاق الأبواب أمام النفوس، ووصف المستقبل بأنه مظلم قاتم خالٍ من ألوان السعادة، وكأنه لا يرى الدنيا إلا بمنظاره الأسود، وكثيرًا ما وجدنا مواهب قد قتلهم الكلمة المحبطة. وهناك من الناس من هم على عكس هؤلاء، فينظرون إلى الغد بمنظار مشرق، ويرون أن المستقبل يحمل لأهله كثيرًا من المسرات والمبشرات، الأمر الذي يبعث الطمأنينة والتفاؤل في نفوس الناس، ويحفزهم على مواصلة الحياة، ويشجعهم على استمرار العمل طمعًا في أن تأتيهم الأيام بما يسرهم ويسعدهم، وكثيرًا ما وجدنا عباقرة ونوابغ قد صنعتهم الكلمة الطيبة المشجعة.
وديننا الحنيف يحثنا على الأمل والتفاؤل، ويحضنا على بث ذلك في نفوس الآخرين؛ لأن الفأل الحسن قد ينقل الإنسان من النقيض إلى النقيض، فينقله من الإحساس بالإحباط والانهزام إلى السعادة والنجاح، ويحفزه على الاستمرار في العمل والاجتهاد، والله -عز وجل- يبشرنا باليسر والفرج في قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾(2)، ويحذرنا من القنوط في قوله -جل جلاله-: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾(3)، وقوله -جل شأنه-: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾(4)؛ لأن أحوال الدنيا متقلبة، ودوام الحال من المحال، ولله در الإمام عليّ حيث قال:
وَكُلُّ الحادِثاتِ إِذا تَناهَت … فَمَوصولٌ بِها فَرَجٌ قَريبُ
وما أجمل وأحسن قول الإمام الشافعي الذي يحثنا فيه على الرضا والتسليم لله مع التوكل عليه ومواصلة السعي والأخذ بالأسباب:
دع المــقـــاديرَ تجري في أعَنّتها … ولا تـبـيـتـنّ إلا خــاليَ البـالِ
ما بين غَمضةِ عَين وانتباهتها … يغيّر الله من حالٍ إلى حالِ
ولولا الأمل لضاقت بنا الحياة، ولتوقفت عجلة السير والإنتاج، والإنسان الحصيف الناجح هو الذي يضع أمام نفسه دائمًا الأمل الصادق؛ لتتسع أمامه الحياة، وتظل نفسه مستمرة في العمل والعطاء، ويضع نُصْبَ عينيه دائمًا قول الشاعر:
أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها … ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ
والإنسان قد يفقد الشيء، ويطول بحثه عنه حتى يكاد اليأس يخامر قلبه، فإذا بالأمل -وإن طال عليه الأمد- يعود إليه، ويجد ضالته، ويحقق بغيته، فقد عاد نبي الله يوسف إلى أبيه يعقوب -عليهما السلام- بعد أمد بعيد، ولله در القائل:
وَقَد يَجمَعِ اللَهُ الشَتيتَينِ بَعدَما … يَظُنّانِ كُلَّ الظَنِّ أَلّا تَلاقِيا
ونبينا -ﷺ- قد ضرب لنا المثل الأعلى في الأمل والتفاؤل وحسن الظن بالله قولًا وعملًا، فقد حَذَّرَ من التطير والتشاؤم، وكان يحب الفأل الحسن، وكانت عينه يقظى على أصحابه، يبعث فيهم الأمل، ويبشرهم بالنصر والفرج واليسر، فيقول: «واعلمْ أنَّ النصرَ مع الصبرِ، وأنَّ الفرجَ مع الكربِ، وأنَّ مع العسرِ يُسرًا»(1)، وفي غزوة الأحزاب التي اجتمعت وتكالبت فيها جيوش الأعداء للفتك به هو وأصحابه في المدينة، وبينما هو يحفر مع أصحابه الخندق، إذ قابل أصحابه صخرة صلبة لا تأخذ فيها المعاول، فتناول المعول، وأخذ يُسَمّي ويضرب الصخرة، وفي الضربة الأولى انكسر ثلثها، وبشر أصحابه وأمته بفتح الشام، وفي الضربة الثانية انكسر ثلثها الثاني، وبشر أصحابه وأمته بفتح فارس، وفي الضربة الثالثة انكسر ثلثها الباقي، وبشر أصحابه وأمته بفتح اليمن(2).
وبينما النبي هو وأصحابه في صلح الحديبية، وقد صَدَّتْه قريش عن دخول المسجد الحرام لأداء العمرة، واشترطت في الصلح شرطًا مجحفًا، يرى -ﷺ- رؤيا صادقة يبشره الله -عز جل- فيها بفتح مكة، ودخوله هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين مطمئنين، فيقص ذلك عليهم، ويبشرهم بالفتح المبين.
وهكذا ينبغي أن تكون عين القائد الناجح يقظى على رعيته، يبعث فيهم الأمل والتفاؤل والطمأنينة، ويشجعهم على مواصلة الاجتهاد، ويحثهم على استمرار البذل والعطاء، ويبشرهم بالمستقبل المشرق، ويعدهم بالغد الأفضل.