من أنا حين لا يرانى أحد

بقلم : أ . هالة أشرف

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى بسيطًا، لكن كلما أطلنا التفكير فيه، بدا أقل بساطة وأكثر إرباكًا؛ ذلك لأنه يسأل عن الشخص الذي يبقى منا حين تختفي أعين الناس عنا.

تخيل أن تختفي كل تلك النظرات التي تحيط بنا.

لا أحد يعرف ماذا نرتدي. لا أحد يعرف أين سافرنا. لا أحد يرى بيوتنا، ولا يعرف المطاعم التي ذهبنا إليها، ولا ينتظر منا صورة جديدة نخبره من خلالها أين كنا، وماذا فعلنا، وكيف بدت حياتنا.

لو لم يكن هناك جمهور أصلًا، هل كنا سنختار الأشياء نفسها؟

هل كنا سنرتدي الملابس ذاتها؟

هل كنا سنسافر إلى الأماكن نفسها؟

هل كنا سنختار الألوان والأثاث بالطريقة نفسها؟

هل كنا سنذهب إلى المطاعم نفسها؟

وهل كانت بعض الأشياء ستظل مرغوبة بالنسبة إلينا، لو عرفنا أننا لن نستطيع إخبار أحد بأننا اخترناها؟

ربما تكشف إجاباتنا عن شيء أعمق بكثير، وهو:

كم جزءًا من حياتنا نعيشه لأننا نريده فعلًا، وكم جزءًا نعيشه لأننا نريد أن يرانا الناس بطريقة معينة؟

إن الإنسان ليس كائنًا فرديًا بالكامل. نحن نتشكل، بدرجات مختلفة، داخل عيون الآخرين. نتعلم منهم، ونقتبس منهم، ونبحث بينهم عن الانتماء والقبول والأمان. ومنذ بداياتنا الأولى، نتعلم بطريقة أو بأخرى أن هناك أشياء تجعلنا مقبولين، وأشياء أخرى تجعلنا مختلفين.

وهذا في ذاته ليس أمرًا سلبيًا.

فالكثير مما نعرفه ونحبه ونمارسه جاءنا من الآخرين. مثلًا: اللغة نفسها نتعلمها منهم، والعادات، والمعارف، والذوق، وطرق التعبير، وحتى بعض أحلامنا الأولى. نحن لا نبني ذواتنا في فراغ، ولا يمكن للإنسان أن يعيش خارج المجتمع تمامًا.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي يصبح فيها المجتمع مرآة نقيس أنفسنا عليها طوال الوقت، وليس مجرد مصدر نتعلم منه ونتفاعل معه.

عندها لا نسأل فقط: ماذا أحب؟ بل نسأل، بصورة أكثر خفاءً:

ماذا سيجعلني محبوبًا؟

ماذا سيجعلني مقبولًا؟

ما الذي سيجعل حياتي تبدو ناجحة؟

كيف ينبغي أن أبدو حتى لا أشعر أنني أقل من الآخرين؟

وهنا يبدأ شيء دقيق في الحدوث. فالمجتمع لا يحتاج دائمًا إلى أن يأمرنا بما يجب أن نفعله. يكفي أن يجعل بعض الاختيارات تبدو طبيعية، وبعضها الآخر غريبًا. يكفي أن يكرر صورة معينة للحياة حتى تتحول، مع الوقت، من مجرد صورة إلى معيار.

تنزل موضة جديدة، فيرتديها الجميع، حتى من لا يحبها. يشتهر مكان معين، فيبدأ الناس في زيارته، ليس لأنهم كانوا يحلمون بالذهاب إليه، وإنما لأن عدم الذهاب إليه يجعلهم يشعرون بأنهم يفوّتون شيئًا. يصبح مطعم معين حديث الناس، فيذهب إليه الشخص حتى لو لم يكن الطعام قريبًا من ذوقه، فقط لأنه يريد أن يكون جزءًا من الحديث.

ويصبح للبيت الشكل الصحيح: ألوان معينة، أثاث معين، تفاصيل معينة معروف عنها بأنها راقية أو عصرية أو أنيقة. فيبدأ الإنسان في ترتيب المساحة التي يفترض أن تكون أكثر الأماكن تعبيرًا عنه، وفقًا لما يراه الآخرون جميلًا، حتى وإن لم يتناسب معه ما يفعله.

حتى السفر، الذي يفترض أنه أحد أكثر التجارب شخصية وحرية، يمكن أن يتحول أحيانًا إلى نوع من العرض الاجتماعي.

فلا يصبح السؤال: إلى أين أريد أن أذهب؟ لكن: إلى أين يذهب الناس؟

ولا يكون: ماذا أريد أن أرى؟ إنما: ما الصورة التي سألتقطها هناك؟

وهنا لا تتغير الرحلة فقط، بل يتغير معنى التجربة نفسها.

فبدلًا من أن نعيش اللحظة، نبدأ في مراقبتها من الخارج، كأننا لا نعيش حياتنا من داخلها، وإنما نقف بجانبها وننظر إليها بعين المتفرج، نتساءل كيف تبدو، وكيف ستُستقبل، وهل تستحق أن تُعرض.

ومع وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت هذه المسألة أكثر تعقيدًا. فأصبحنا نعيش وسط معرض لا ينتهي من الحيوات المنتقاة بعناية.

بيت مثالي، جسد مثالي، ملابس مثالية، سفر متكرر، طعام فاخر، وأيام مزيفة تبدو وكأنها لا تعرف الفوضى أو الملل أو الخيبة.

نحن ندرك أن هذه الصور ليست الحياة كاملة. نعرف أنها لحظات منتقاة، وأن وراء الصورة ما لا يظهر فيها. ومع ذلك تظل العين تتأثر بما تراه، ويبدأ العقل أحيانًا دون وعي في إعادة تعريف ما يعتبره حياة جيدة.

وهنا لا تكمن المشكلة في أن يعجبنا شيء عند الآخرين، ولا في أن نتأثر بهم أو نقتبس منهم. فالإنسان يتعلم من محيطه، ومن الطبيعي أن تتغير بعض اختياراته بمرور الوقت.

لكن السؤال الأهم هو: هل ما تغير فينا كان اختيارًا منا، أم استجابة مستمرة لما يحيط بنا؟

فليس عيبًا أن نرتدي ما هو رائج إذا أحببناه، ولا أن نسافر إلى المكان الذي يسافر إليه الآخرون، ولا أن نؤثث بيوتنا بالطريقة المنتشرة. المشكلة ليست في التشابه، وإنما في أن نفقد القدرة على الاختيار.

أن أختار الشيء لأنني أحبه شيء، وأن أختاره لأنني أخشى أن أبدو مختلفًا شيء آخر.

ومن هنا يمكن أن يبدأ الإنسان في فقدان شيء لا يلاحظ قيمته إلا بعد أن يبتعد عنه وهي معرفته بنفسه.

فقد يعتاد الإنسان أن ينظر إلى نفسه بعين الآخرين إلى الدرجة التي يصبح معها السؤال عن رأيه هو أصعب من السؤال عن رأي الناس.

هل يعجبني هذا فعلًا، أم أنني اعتدت أن أراه جميلًا لأن الجميع يراه كذلك؟

هل أريد أن أذهب إلى هذا المكان، أم أريد فقط أن أكون الشخص الذي ذهب إليه؟

هل اخترت هذا لنفسي، أم اخترته للصورة التي سأظهر بها أمام الآخرين؟

وقد لا تكون المشكلة في أن نعيش حياة تشبه الآخرين، وإنما في أن نعيش حياة لا نعرف إن كانت تشبهنا نحن أصلًا.

فالهوية لا تضيع دائمًا في لحظة واحدة، ولا يحتاج الإنسان إلى أن يتخلى عن نفسه دفعة واحدة وأحيانًا يحدث الأمر بهدوء شديد.

اختيار صغير نتنازل فيه عن ذوقنا، وآخر نفعله حتى لا نبدو مختلفين، وثالث نختاره لأن الجميع اختاره، حتى تتراكم هذه الأشياء بمرور الوقت، ونكتشف أننا أصبحنا نعرف جيدًا ما الذي يعجب الناس، لكننا لم نعد نعرف بالقدر نفسه ما الذي يعجبنا نحن.

ولهذا ربما نحتاج من وقت إلى آخر إلى أن نبتعد قليلًا عن ضجيج المقارنة، لا لننعزل عن المجتمع، ولا لنرفض كل ما يأتي منه، وإنما لنستعيد المساحة التي يفترض أن تكون لنا داخل اختياراتنا.

فمن حق الإنسان أن يتأثر بمن حوله، لكن ليس من الضروري أن يفقد نفسه بينهم.

ومن حقه أن يعجبه ما يعجب الآخرين، لكن من المهم أن يعرف: هل أعجبني لأنه يناسبني، أم لأن الجميع أعجب به؟

فالحرية الحقيقية ليست أن أفعل عكس ما يفعله الناس دائمًا، فذلك قد يكون نوعًا آخر من التبعية، وإنما أن أستطيع أن أفعل مثلهم عندما أقتنع، وأن أختلف عنهم عندما لا يناسبني الأمر، دون أن أشعر أن اختلاف اختياري ينتقص من قيمتي.

فليس مطلوبًا من الإنسان أن يكون مختلفًا لمجرد الاختلاف، كما أنه ليس مطلوبًا منه أن يكون نسخة من الآخرين حتى يشعر بأنه ينتمي.

بين التشابه والاختلاف توجد مساحة اسمها الاختيار.

وفي هذه المساحة تتشكل هويتنا.

وربما لهذا، وسط كل تلك الأصوات التي تخبرنا كيف ينبغي أن نبدو، وأين ينبغي أن نذهب، وماذا ينبغي أن نحب، نحتاج أحيانًا إلى أن نصمت قليلًا، لا لنسمع الآخرين بصورة أوضح، وإنما لنسمع أنفسنا.

أن نسأل بعيدًا عن الإعجاب والتعليق والنظرات: ماذا أحب أنا؟ وماذا أريد؟

أي حياة كنت سأختار لو لم يكن هناك من ينتظر مني أن أبدو بصورة معينة؟

وربما

كان السؤال الأصعب، والأصدق: من أنا حين لا يراني أحد؟

ومن حقه أن يعجبه ما يعجب الآخرين، لكن من المهم أن يعرف: هل أعجبني لأنه يناسبني، أم لأن الجميع أعجب به؟

فالحرية الحقيقية ليست أن أفعل عكس ما يفعله الناس دائمًا، فذلك قد يكون نوعًا آخر من التبعية، وإنما أن أستطيع أن أفعل مثلهم عندما أقتنع، وأن أختلف عنهم عندما لا يناسبني الأمر، دون أن أشعر أن اختلاف اختياري ينتقص من قيمتي.

فليس مطلوبًا من الإنسان أن يكون مختلفًا لمجرد الاختلاف، كما أنه ليس مطلوبًا منه أن يكون نسخة من الآخرين حتى يشعر بأنه ينتمي.

بين التشابه والاختلاف توجد مساحة اسمها الاختيار.

وفي هذه المساحة تتشكل هويتنا.

وربما لهذا، وسط كل تلك الأصوات التي تخبرنا كيف ينبغي أن نبدو، وأين ينبغي أن نذهب، وماذا ينبغي أن نحب، نحتاج أحيانًا إلى أن نصمت قليلًا، لا لنسمع الآخرين بصورة أوضح، وإنما لنسمع أنفسنا.

أن نسأل بعيدًا عن الإعجاب والتعليق والنظرات: ماذا أحب أنا؟ وماذا أريد؟

أي حياة كنت سأختار لو لم يكن هناك من ينتظر مني أن أبدو بصورة معينة؟

وربما كان السؤال الأصعب، والأصدق: من أنا حين لا يراني أحد؟