فضلُ العليّ القدير في التحذير من فتنةِ التكفير

بقلم الدكتور : عبد الله الشقرة

فتنةُ التكفير من أشد وأعظم وأخطر الفتن التي واجهت الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل، حيث عانت الأمةُ من فرق وجماعات تعددت أسماؤها وتنوعت فصائلها، لكنها تشابهت في الصفات وصو الإجرام والتنكيل منذ عهد الصحابة الكرام حتى يومنا هذا، الثابت تاريخياً لدى المؤرخين أن تلك التيارات المتشددة خرجت جميعها من رحم الخوارج الأوائل الذين كفّروا الصحابة والتابعين وتجرأوا على ثوابت الدين.

وتتمثل صور التكفير في التسرع بالحكم، والجرأة على إخراج المسلم من الإسلام، دون علم ومعرفة بالأصول والضوابط، فيقومون بتكفير الحكام والشعوب على حدٍ سواء، لمجرد شبهات واهية، وتأويلات فاسدة، وغلظة مفرطة، وعقلٍ منغلق، وإرهابٍ ظاهر، وتهديدٍ فكري، وجهلٍ علمي، كما قال عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن هؤلاء الخوارج انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ، فَجَعَلُوهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فحكموا عليهم ظلماً وعدواناً بالكفر والخروج من الإسلام، ودفعهم ذلك إلى محاربة الناس واستحلال قتلهم، وترويع أمنهم، وأخذ أموالهم، حتى نال من هذا الظلم والإجرام الأصدقاء والجيران.

ولقد حذر الشرعُ الحنيف متمثلاً في القرآن الكريم والسنة النبوية تحذيراً شديداً من الغلو في الدين، والتشديد على الناس في الأحكام، وتكفير المسلمين بغير حق، واستباحة دمائهم وأموالهم.

فركزت الآيات القرآنية على نهي المسلمين عن رمي غيرهم بالكفر دون تثبت، وحظر الإسراف في الحكم على العقائد، وحرمة دماء أهل الإيمان، فقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
​
كما حذر القرآن الكريم من الغلو في الدين الذي يؤدي في النهاية إلى التكفير والقتل والتفجير فقال سبحانه وتعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾

​كما قرر الشرع الحنيف تغليظ عقوبة قتل المؤمن عَمْداً فقال تعالى ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ فلا يجوز مطلقاً التعدي على الغير لمجرد شبهات وتأويلات فاسدة.

​وفي الأحاديث النبوية حذر النبي صلى الله عليه وسلم من عواقب القول بغير علم والتجرأ على الناس بالتكفير، حيث قال النبي ﷺ إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما (رواه البخاري ومسلم)، فالأصل في الشرع هو بقاء إسلام المرء ويقينه، ولا يزول هذا اليقين إلا بيقين مثله وبحكم قضائي أو شرعي محكم وهذا الحكم ليس لأي أحد وإنما للعلماء والقضاء فقط وليس لآحاد الناس.

وفي الحديث الشريف الذي يعتبر عمدة الأحاديث في هذا الباب والذي سيكون لنا معه وقفه في مقال آخر إن شاء الله، حديثُ حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنَّ ما أتَخوف عليكُم رجُلٌ قَرَأ القرآنَ حتى إذا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عليه، وكان رِدْئاً للإسلامِ، غَيَّرَهُ إلى ما شاءَ اللهُ، فَانْسَلَخَ منه ونَبَذَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ، وسَعَى على جارِهِ بالسَّيْفِ، ورَماهُ بالشِّرْكِ، فقال حذيفة: يا نبيَّ اللهِ، أيُّهُما أَوْلَى بالشِّرْكِ المَرْمِيُّ أمِ الرَّامِي؟ فقال بَلِ الرَّامِي. ( أبو يعلى الموصلي في مسنده، وابن حبان في صحيحه).

ولهذه الفتنة العظيمة صور من الآثار الكارثية الخطيرة نشير إلى بعضها لكي يستفيق أصحاب العقول الصحيحة، منها إستباحة الدماء والأموال، فالتكفير يمثل المدخل الرئيسي والخطير للغلو واستباحة الحرمات.

كما أن التيارات التكفيرية هذه تعمل على تمزيق نسيج المجتمع، فتؤدي إلى تمزيق صفوف الأمة وزرع الشك والفرقة بين أبنائها، كما تعمل على زعزعة الإستقرار والأمن، وتبث الرعب في النفوس، وتحجر على الرأي المخالف لها، وتحتكر الحق المطلق لنفسها دون غيرها، وهذا ليس من الدين والشريعة.

​كما أن هذا الفعل الإجرامي البعيد عن سماحة الإسلام ووسطيته يعمل على تشويه صورة الدين فيقدم الإسلام على أنه منهج غلو وإقصاء وتكفير وتفجير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنه قال إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وقارِبُوا، وأَبْشِرُوا، واسْتَعِينُوا بالغَدْوَةِ والرَّوَّحَةِ وشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ.

كما أن هذا السلوك المتشدد القاسي، البعيد عن أخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم والرحمة والرفق واللين، يؤدي إلى نفور الناس من الإسلام، خاصة فئة الشباب الذين يجدون أنفسهم حيارى بين تيارات تدعو للتكفير والقتل، وأخرى تدعو إلى الحرية المطلقة ، فيذهبون إلى الإلحاد والأفكار اللادينية التي تساوي في خطورتها الإرهاب والتكفير.