ماذا يمكن أن نتعلم من الهدهد؟
14 أكتوبر، 2026
بناء وتنمية الذات

بقلم / كميائى : محمد حمادة الشافعى
كنتُ كلما قرأتُ قولَ الهدهد للنبي سليمان عليه السلام: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، أتأمل هذا القول وأفكر: هل هذه الإحاطة خاصة بهدهد سليمان فقط؟ وهل تلك الإحاطة العلمية مقتصرة على مسألة ملكة سبأ وقومها، أم إن الهدهد في عموم جنسه لديه فعلًا من العلم والسلوك الواعي ما يمكن أن نتعلم منه ما لا نعلمه؟
وبعد المطالعة في الكتب التي تهتم بتتبع سلوكيات الحيوانات ورصدها، ككتب الجاحظ والدميري وغيرهما، وجدتُ أن الهدهد يمكن أن نتعلم منه أشياء كثيرة جدًّا.
ماذا نتعلم من سلوكيات الهدهد؟
1- يعلمنا الهدهد «العمل والسعي من أجل لقمة العيش»، من خلال بحثه الدؤوب عن الغذاء بين الأشجار والأراضي المفتوحة والحدائق، وتنقله من مكان إلى آخر في سبيل الحصول على غذائه.
2- يعلمنا الهدهد «الصبر والمثابرة»، حين يقضي وقتًا في البحث والتنقيب بمنقاره عن فرائسه بين الأعشاب والأوراق المتساقطة، وقد يحتاج إلى تكرار المحاولة حتى يعثر على غذائه.
3- يعلمنا الهدهد «النظافة الشخصية والجمال»، من خلال عنايته الملحوظة بتهذيب ريشه ونظافته والمحافظة على جمال منظره.
4- يعلمنا الهدهد «خدمة البيئة الزراعية»، حين يسهم في الحد من بعض الآفات الزراعية، من خلال التقاط الديدان واليرقات والحشرات التي يتغذى عليها.
5- يعلمنا الهدهد «دقة الملاحظة»، فهو يمتلك قدرة بصرية تساعده على اكتشاف فرائسه الصغيرة أثناء البحث عن الغذاء. وقد ضرب العرب قديمًا المثل بقوة إبصاره، فقالوا: «أبصر من هدهد».
وقد ذكر الجاحظ في كتابه «الحيوان» ما نُقل من زعمٍ بأن الهدهد كان يدل سليمان عليه السلام على مواضع الماء في باطن الأرض، وهو قول من الموروث القديم، وليس حقيقة علمية مثبتة بالمعنى الحديث.
6- يعلمنا الهدهد «رعاية الأبناء وتحمل المسؤولية»، إذ يشارك الأبوان في إطعام الفراخ ورعايتها داخل العش، وتوفير الغذاء اللازم لنموها، حتى تصبح قادرة على الاعتماد على نفسها.
7- يعلمنا الهدهد «التكيف مع البيئة»، فهو يستطيع العيش في بيئات متعددة، مثل البساتين والحدائق والأراضي الزراعية والمناطق المفتوحة، متى توافرت الظروف المناسبة لحياته من غذاء ومأوى.
8- يعلمنا الهدهد «أهمية التنوع في الغذاء»، إذ يتغذى على أنواع مختلفة من الحشرات واليرقات واللافقاريات الصغيرة، مما يساعده على الاستفادة من مصادر الغذاء المتاحة في بيئته.
9- يعلمنا الهدهد «التواصل»، إذ يستخدم أصواتًا مميزة للتفاعل مع أفراد نوعه، ولا سيما في سياقات التكاثر والتواصل المرتبط بوجوده في البيئة.
10- يعلمنا الهدهد «التوازن البيئي»، فهو يتغذى على بعض الحشرات واليرقات، ويشارك بذلك في الشبكة الغذائية التي تتفاعل فيها الكائنات الحية، ويؤدي كل منها دورًا ضمن النظام البيئي.
11- يعلمنا الهدهد «الانتباه والحذر»، إذ يحتاج إلى مراقبة محيطه أثناء البحث عن الغذاء، والانتباه إلى الأخطار المحتملة التي قد تهدده أو تهدد فراخه.
12- يعلمنا الهدهد «التوازن بين السعي والرعاية»، إذ لا يقتصر دور الأبوين خلال موسم التكاثر على البحث عن الغذاء لأنفسهما، بل يمتد إلى إطعام الفراخ ورعايتها، وهو ما يوضح أهمية الرعاية الأبوية في حياة الطيور.
هذا ما نطالعه في الكتب التي رصدت سلوكيات الهدهد، أما القرآن الكريم، فقد سبق ذلك كله، فرصد لنا من صفات الهدهد وسلوكياته ما هو جدير بأن نتعلم منه.
1- الاهتمام بالخبر المهم، وليس بكل الأخبار
قال الهدهد: ﴿جِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾، فلم يقل: «بخبر»، بل استعمل لفظ «النبأ»، وهو الخبر المهم العظيم، وكأنه يقول لنا: لا تهتموا بكل ما يحدث ويُقال، بل اهتموا بالمهم من الأخبار، وانشغلوا به.
2- اليقين في نقل الأخبار
قال الهدهد، كما حكى القرآن الكريم: ﴿جِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، أي إنه لم ينقل إلى سليمان عليه السلام الخبر لمجرد ملاحظته أو سماعه، بل بعد أن تيقن منه وتثبت من صحته، وهي رسالة لنا بضرورة التثبت والتيقن مما نراه ونسمعه قبل نقله إلى الآخرين.
3- الغيرة على التوحيد
قال تعالى حكايةً عن الهدهد:
﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: 24].
4- معرفة جلال الله ووصفه بأدق العبارات
قال تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: 25].
وتأمل في وصف الهدهد لربه بـ (يخرج الخبء)، فهو وصف دقيق يعني أن الهدهد على دراية وعلم بجلال الله وقدرته وعظمته.
فسبحان مَن أطلع الهدهد وغيره من الكائنات على ما لا يعلمه الإنسان، وسبحان مَن ألهمهم وعلَّمهم هذه السلوكيات التي تحمل في طياتها دروسًا وعِبَرًا، وتفتح أمامنا أبواب التأمل في عظمة الخالق وحكمته.
فصدق ربنا سبحانه إذ قال: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38].