تحذيرُ البشير النذير من خطورة جريمة التكفير

بقلم الدكتور : عبد الله الشقرة

حين نتحدث عن خطورة التكفير ورمي الناس بالشرك والكفر، فإن هناك حديثان عظيمان صحيحان حذر فيهما النبي صلى الله عليه وسلم من خطورة أن يرمي أحدٌ غيره من الآخرينَ بالكفر والشرك، وحذر فيهما صلى الله عليه وسلم من فتنة عظيمة وجريمة كبيرة، كانت سبباً في إراقة الدّماء البريئة، واستحلال الأموال، وإذهاق الأنفس دون وجه حق، كما ذكرت كتبُ التاريخ الإسلامي والحديث، وكما رأينا بأعيننا في عصرنا الذي نعيش فيه.

وهذان الحديثان من أهم وأخطر الأحاديث النبوية الشريفة والتي أولاها العلماء اهتماماً بالغاً، كما أن هذان الحديثان فيهما حُجةٌ واضحة وبيانٌ عظيم وردٌ قاطع على أصحاب الأهواء والفتن، ومنظرو شُبهات التكفير، والمهوسون بمرض رمي الناس بالكفر والشرك.

وإننا حين نتدبر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة بالقضايا الفكرية والعقائدية نجد أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يخاف على أمته من الكفر بعد الإسلام، أو الشرك بعد الإيمان أو الفقر والحاجة، بل كان يخاف من أمور أخرى ذكرها صلى الله عليه وسلم في حديثين هما تمهيدٌ لما سنتحدث عنه إن شاء الله في هذا المقال.

فقد روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما، من حديث عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُهلككم كما أهلكتهم.

وفي حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه والذي رواه البخاري ومسلم أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أُحد، ثم صعد المنبر فقال: إني فرطكم وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أُعطيت مفاتيح خزائن الأرض -أو مفاتيح الأرض- وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها.

وقد علق الإمام الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد بجملة عظيمة تنبئ عن فهم عالٍ لصحيح الدين، ورؤية سليمة لمقاصد الشريعة الإسلامية، فقال ومن خاف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما لم يخفه عليها نبيها فقد جاء من التعسف -التشدد والتذمّت- بما لا يخفى.

وحينما نريدُ أن نبحث بشيء من الصدق والتجرد والعدل والإنصاف قضية التكفير فكان لابد لنا من العودة لجذور هذه القضية تاريخياً، حينها سوف نجدُ حديثين عن النبي صلى الله عليه وسلم هما العمدة والأساس في بيان خطورة هذه المسألة العظيمة، وسنتناولهما بشيئ من الشرح والتفصيل بإذن الله تعالى، فالحديث الاول في أعلى درجات الصحة إذ قد رواه البخاري ومسلم رحمهما الله، ونص الأول..

بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم الغنائم، جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال النبي: ويلك، من يعدل إذا لم أعدل؟! فقال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، فقال النبي: دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، حدثاء السن، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرأون القرآن كما أُنزل، لا يتجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

وحين نعود إلى كتب التراجم ونبحث عن وصف وترجمة سيرة ذو الخويصرة هذا، نجد بأنه كان يقيم الليل طويلاً حتى تتورم قدماه، وأنه كثير السجود حتى أذهب السجود بجبهته، وكث اللحية وقصير الثوب، ومع كل ذلك فقد تعاظمت نفسه ونسي مقامه حتى اتهم سيد البشر صلى الله عليه وسلم بأنه لا يحسن القسمة، ثم جاء في الحديث أنه سيخرج من يخرج من (ضئضئه) أي من نسله أو ذريته أناس من أوصافهم أنهم، يحقر أحدُكم صلاته إلى صلاتهم، حدثاء السن، سفهاء الاحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرأون القرآن كما أنزل لا يتجاوز تراقيهم، وقد خرج من نسل هذا الفكر الضال وتصوراته الخاطئة واعتقداته الباطلة من يحمل هذا الخبث، وقد صدق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

أما الحديث الثاني فهو بحق من عجائب الأحاديث النبوية، ومن دلائل النبوة فهو دليل على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم وأنه نبيٌ يوحى إليه من عند الله، إذ حدث ما تنبأ به بالحرف، وإن أحداث التاريخ والقوائع شاهدةٌ على ذلك، وهو كذلك حديث صحيح صححه غير واحد من علماءالحديث المعتبرين.

فقد ورد في مسند البزار و أبو يعلى الموصلي في مسنده وصحيح ابن حبان، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى رُئيت بهجته عليه، وكان ردئا للإسلام، غيّره إلى ما شاء الله، فانسلخ منه، ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك، قال: قلت: يا نبي الله!! أيهما أولى بالشرك المرمي أم الرامي؟ قال: بل الرامي.

وهذا حديث في غاية الأهمية والعظمة والصدق والأمانة، لأنه يصف لنا حالة عجيبة من المتحمسين للإسلام، حصلت لها أطوار وتحولات عجيبة، تبدأ بالشغف بالقرآن، وتنتهي بحمل السلاح وقتل المسلمين واستباحة الحرمات، وحينما نتأمل هذا الحديث بشيء من الفحص والتدقيق وبمزيد من العدل والإنصاف نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وصف حال ذلك الرجل بثلاثة أوصاف مهمة، الأولى: أنه آتاه الله القرآن، فهو ليس بغريب عن القرآن، بل هو منسوب إليه، وقد اعتنى بالقرآن وخدمه، وحفظه، واشتهر به، فصار ظن الناس فيه حسنا، لشيوع خدمته للقرآن وعنايته به.

أما الوصف الثاني: فهو أنه قد رؤيت عليه بهجة القرآن، لأن القرآن له نور، فصار الناس يرون عليه أثرا من نورانية القرآن، فإن كل من خدم القرآن وأدمن تلاوته سرى نور القرآن إليه، ولمعت في وجهه مسحة من أنواره، فيزداد ظن الناس الحسن به، والوصف الثالث: أنه شديد الحماسة لهذا الدين (ردءاً للإسلام) وحاميا ومنافحا عن حماه.

ثم من بعد كل هذا يبدأ الإشكال، وتحدث البلبلة، وتظهر الطامّة الكبرى، والمصيبة العظمى، فقد طرأ على الرجل تغير عجيب، عبر عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله غيره إلى ما شاء الله، والتغيير ليس في ألفاظ القرآن وعباراته وحروفه، بل في فهمه ومعانيه، فخرج بمجموعة من المفاهيم والظلمات، والاستنتاجات المنحرفة، حتى جنح إلى التكفير، ورُمي جاره المسلم بالشرك، ثم لم يكتف بذلك، حتى ادعى لنفسه الجهاد، وخرج على الناس بالسيف، وحمل السلاح وأراق الدماء، وكلما ناشده أحد أن يكف ازداد عنادا، لأنه توحد مع القرآن، وجعل التشكيك في فهمه تشكيكا في القرآن ذاته.

و قد فعل هذا الرجل المسكين كل هذا الخطأ لانه تورط في العُجب والتعالي والشعور بالاستعلاء الإيماني، فجعل نفسه صانع للمعرفة، قائم بالاستنباط، ينحت المفاهيم والنظريات من آيات القرآن، دون قراءة لكلام أهل التفسير واللغة وعلوم القرآن، فلا قائد له سوى الحماسة والانفعال، فتولدت على يده مفاهيم ونظريات في غاية البعد والغرابة، فكانت النهاية القاسية، تكفير المجتمع الحكام والشعوب وحتى العلماء الراسخين والفقهاء والمحدثين، ورمي الأمة كلها بالبعد عن الإسلام والجهل والتخلف والجاهلية.