السلوك الأخلاقي للوهابيين

اعداد الاستاذ / سيد حسن الأزهرى 

المقال الخامس والثلاثون من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )

كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب

تدعي الوهابية أنها تعيد للإسلام صورته الأصلية بعد أن لحقه التشويه وتزعم أنها ترى الصورة الحقيقية لهذا الدين في القرون الثلاثة نشأته، غير أنها لا تلتزم بأي من القواعد والضوابط التي أتى بها الإسلام، وهذا ما يتبدى أول ما يتبدى في نظام الحكم الذي الأولى من أقامته .

فلقد حمل الإسلام التكريم للإنسان كما نشر لواء العدل والرحمة ولم يكن هاجسه القتل وسفك الدماء. فقد ورد في محكم الكتاب وكرمنا بني آدم كما وردت الآيات التي تهاجم الظلم وتهدد الظالمين بالعذاب الشديد والتي تستنكر القسوة والفظاظة والخشونة في معاملة عباد الله، الذين لم تترك مصيرهم لأهواء الحاكمين أو لاجتهاداتهم الشخصية بل هي ضمنت لهم حياتهم وحرياتهم وحافظت على أعراضهم وأموالهم تحت طائلة العقاب المشدد في الدنيا والآخرة.

وقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأول أحكام الإسلام ومبادئه فكان النظام الذي أرسي هو النظام الأمثل للإنسانية، النظام الذي ما زالت حتى اليوم تسعى إلى الوصول إليه، وكان من أهم ما كرّس على هذا الصعيد، الحريات التي اكتشفت البشرية بعضها وحمتها اليوم من تحريم اختراع الجرائم والعقوبات، فلا جريمة إلا ما ورد في القانون ولا عقوبة إلا ما حدده القانون للممارسات المبينة حصراً وبشكل واضح، ولا تقييد للفكر ولا للنشاط في مجالات العقيدة والسياسة، باستثناء تحريم الشرك والأعمال التي تشكل الفساد في الأرض الذي حددته أصول التشريع.

وقد أدى نظام الحرية التي تستتبع المسؤولية إلى بروز قادة من أعظم قادة التاريخ الإنساني في الحرب والسياسة والفكر؛ وهم من أبناء أولئك الذين كانوا في الجاهلية يتقاتلون لأتفه الأسباب فتسيل الدماء بينهم دون توقف.

أما الوهابية فهو ردة إلى الجاهلية، حيث رأينا وما زلنا نرى القتل والسبي وانتهاك الأعراض ونهب الأموال، وكلها موجهة إلى أناس حقن الرسول دماءهم وحمى أعراضهم وأموالهم بقولهم: «نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله».

هذا على صعيد نظام الحكم، أما على صعيد الممارسات فإن الضوابط تعود لتتأكد بكل قوة. إذا كان الدين يحدد للجماعة المؤمنة به مواقفها من الجماعات الأخرى فيرسم طريق التعامل معها لكسبها أو لدفع شرها أو للقضاء على تهديدها ، فإنه يحدد من جهة أخرى للفرد سلوكه في المجال الشخصي ، أي في جانبه الأخلاقي ، لأنه يعد الأداة الأساسية في تنفيذ السياسة الدينية ، فيعده أفضل إعداد ليكون نموذجاً مصغراً للمجتمع الذي يريد بناءه ، أخذاً بمبدأ أن الموضوعي لا بد أن يتأثر بالذاتي ، وأن الأداة التي تستخدم لتحقيق غاية ، قد تمكن المخططين لهذه الغاية من الوصول إليها أو تخذلهم في محاولاتهم.

ولقد هيأت الوهابية أدواتها الذين استخدمتهم لتحقيق مشروعها ، حيث كان القادة يقيمون الهجرة التي يلتحق بها المريدون، قبل زجهم في المعترك القتالي، ليعدوا للمهمات المستقبلية التي تنتظرهم كمهاجرين في سبيل الله ورسوله .

ولقد أتت الأداة ملائمة تمام الملاءمة لتحقيق الأهداف ، فإذا أدت المهمة المطلوبة منها أتلفت خوفاً من أن تتحول إلى وظيفة ثانية ، واستبدلت بأداة جديدة لمهمات المرحلة المقبلة ، وقد تمثل ذلك في إبادة “جيش الإخوان” وإنشاء جيش جديد مكانه فيما بعد.

وحتى أمكن هذا الأمر ، كان لا بد لمستخدم الأداة من أن يكون فوق الآخرين ، ومن أن يكون قادراً على استبدال أداة بأداة وهدف بهدف ، أي أن يكون قادراً على عدم الالتزام بخط معين وبنهج معين كي لا ينتهي دوره في أي مرحلة من مراحل المسيرة.

الوهابيون وشرائع القتال :

لم يكن يحرك قادة الوهابيين منذ محمد بن سعود وحتى وقت عبد العزيز بن عبد الرحمن ، في قتالهم القبائل العربية وأبناء الإسلام عامة إلا دوافع السيطرة وغريزة النهب والسلب. وفي سبيل ذلك كان يهون الغدر والاستخفاف بالعهود والوعود كما كانت تداس القوانين والأعراف ويضرب بالشريعة عرض الحائط.

فالأسرى ، المستجيرون يقتلون ، والأطفال والنساء يذبحون أو يسبون ويستعبدون ، وكان التمثيل سنة متبعة في جميع الحالات . ولعل المثال للأخلاقية الوهابية في هذا المجال هو عبد العزيز نفسه ، نظراً لطول تجربته وتنوعها ، فهو يقدم لنا مجموعة من النشاطات والممارسات كشفت عن أوجه عديدة للسمات الأخلاقية فكان رصد تجربته ودراستها كفيلا بأن يقدم لنا مادة واسعة.

كما أن حداثة العهد به من جهة، وما وفره الإعلام في هذا القرن من إمكانية الاطلاع التفصيلي على الأمور ووضع الشخصيات السياسة بحسناتها وسيئاتها شبه مكشوفة أحياناً أمام العالم، كل هذا ساعد على أن يلم المتتبع بأدق التفاصيل عن . هذه الشخصية الوهابية الأساسية التي لا يرقى إلى تمثيليتها لمذهبها كبير شك وهو الذي كان يستصدر الفتاوى من القيمين على الشؤون الدينية ، فتأتي مؤيدة لتصرفاته ومباركة لها.

وهكذا فقد تمكنا من إلقاء الأضواء على سيرة عبد العزيز في : عدد كبير من المجالات . ونحن هنا لن نعود إلى ما سبق أن بيناه ، بل سنقتصر على ما يتعلق بالسلوك الأخلاقي في المجال القتالي، فلجهة معاملة الأسرى مثلا، يروي عبد العزيز نفسه من ذكرياته فيقول إنه عندما أسر عبيد بن حمود آل رشيد وأخاه ماجداً في ربيع سنة ١٩٠٤ وضربت عبيداً بسيفي على رجله فجعلته مقعداً وبعدئذ عاجلته بضربة على رقبته فسقط رأسه جانباً وتدفق الدم من عنقه كالنافورة ووجهت الضربة الثالثة إلى قلبه ورأيت قلبه ينشطر شطرين وكان لا يزال ينبض على هذا النحو . لقد كانت تلك اللحظة سعيدة وقمت بتقبيل سيفي. وأما معاملة المستجيرين فقد تجلت في مقتل تبال السهلي الذي أجاره ابن هندي واصطحبه حتى دخلا خيمة ابن سعود فلما رأه عبد العزيز انقض عليه وضرب عنقه.

ومن الشواهد الأخرى في هذا المجال أن عبد العزيز عندما استولى على بلدة ليلي الواقعة على بعد ١٥٠ كلم جنوب الرياض أسر كل كبار عائلة الهزاني وكانوا ثمانية عشر أسيراً ، فاقتيدوا في اليوم التالي إلى منصة الإعدام بعد أن دعي الأعراب من البوادي لحضور الحفلة . وبعد أن تلا أحد الفقهاء قرار الحكم ، أجبر الأسرى على الركوع أمام المنصة واحداً واحداً لتضرب أعناقهم . ولكن عبد العزيز عفا عن واحد لكي يذهب ويخبر بما رأى.

وأما عن معاملة الأطفال والنساء من الخصوم فقد ذكر العميل السعودي أحمد عبد الغفور العطار في كتابه “صقر الجزيرة العربية”: أن عبد العزيز كان يصطاد الغزلان يوماً في صحراء «بنية عفان». وفيما كان يطارد ظبياً رأى جمعاً من الناس . وبعد أن تحقق أنهم ليسوا من جنوده وأنهم نساء وأطفال من قبيلة الصقهان من العجمان التي فر رجالها إلى الكويت ركب ابنه محمد إليهم مع بعض رجاله رتل من السيارات الإنكليزية ، فأسرعوا إليه . ولكنه ورجاله فاجأوهم بوابل من الرصاص فأبادوهم وكانوا ٧٤٣ فلم ينج منهم إلا اثني عشر شخصاً ، ولم يكن بين الجميع رجل واحد . وكان هؤلاء الناجون خمسة أطفال ذكور وثلاث نساء وأربع فتيات ما بين التاسعة والعاشرة من العمر. ولما اقتيد الأسرى إلى عبد العزيز أعطى ابنه فتاة وامرأة وتزوج هو بالفتيات الثلاث الباقيات وتسرى بامرأتين ووضع الذكور الخمسة في خدمته ، كما استولى على الإبل والأغنام وكان عددها ألف رأس.

ولم تكن هذه الأخلاقية مقتصرة على عبد العزيز بل كان أعوانه يتمتعون بها هم الأخرون . فعبد الله بن جلوي الذي كان مع المجموعة التي هاجمت عجلان حاكم الرياض ، وهو الذي قتله ، قطع كليتيه ورماهما أمام قدمي عبد العزيز. ومن الأمثلة على التمثيل بالأدميين أيضاً ما قام به منصور بن عبد العزيز الذي شك بوجود علاقة بين إحدى جواريه وأحد الخدم فربط كلا من رجلي الخادم بسيارة وسارت السيارتان باتجاهين متعاكسين ففسختاه.

الأمثلة على التعذيب أيضاً ما رواه عبد الرحمن الشمري من أن ومن جماعة الأمير فيصل الملك لاحقاً ألقوا القبض على شريف رابغ في رمضان ١٤٣٨ ، ووجهت إليه تهمة التآمر فسجنه يوماً كاملاً دون أكل أو شرب وفي اليوم التالي أعطي بطيخة مثلجة فالتهمها ، ولما بدأ يشعر بإدرار البول ربط قضيبه لمنعه من التبول إلى أن أصبح عاجزاً عن تحمل الألم فاعترف بما نسب إليه .