تصورٌ لحوارٍ بين أزهريٍّ ووهابيٍّ… حين سأل الأزهري: بأيِّ أدوات تفهم القرآن والسنة؟


بقلم الدكتور : محمد عبدالحليم المعصراوى

 

جلس الأزهري مع رجلٍ من الاتجاه الوهابي، وكان الحديث قد انتقل إلى قضايا العلم والمنهج وفهم الكتاب والسنة.

قال الرجل:

الوهابي:

نحن لا نحتاج إلى كل هذه العلوم التي يكثر الأزهريون من الحديث عنها؛ عندنا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وما كان عليه السلف، وهذا يكفينا.

ابتسم الأزهري وقال:

الأزهري:

جميل… ولكن اسمح لي بسؤال بسيط:

إذا كان القرآن والسنة هما الأصل، فهل يكفي وجود النص وحده لفهمه فهمًا صحيحًا؟

الوهابي:

نعم، نرجع إلى القرآن والسنة بفهم السلف.

الأزهري:

ومن أين تعرف مراد القرآن؟

ومن أين تعرف صحة الحديث ودلالته؟

وكيف تميز بين العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والمنطوق والمفهوم؟

وكيف تستنبط الحكم من النص؟

وكيف تعرف أن فهمك للنص هو مراده، لا مجرد معنى خطر لك من ظاهر اللفظ؟

سكت الرجل قليلًا.

فقال الأزهري:

إذن تعالَ نتحدث عن أدوات الفهم واحدةً واحدة.

1️⃣ علم العقيدة الإسلامية

الأزهري:

هل درستَ علم العقيدة دراسةً مؤصلة؟

الوهابي:

نحن نأخذ العقيدة من القرآن والسنة، ولا نحتاج إلى علم الكلام والعقائد التي أحدثها المتكلمون.

الأزهري:

ومن قال إن المقصود أن تستبدل القرآن والسنة بغيرهما؟

علم العقيدة إنما يبحث في أصول الإيمان وما يجب لله تعالى وما يجوز وما يستحيل، وما يتعلق بالنبوات والسمعيات، ويجمع الأدلة ويحرر المصطلحات ويدفع الشبهات.

فإذا قرأتَ آية أو حديثًا يتعلق بصفات الله تعالى، فلابد أن تكون عندك أصول عقدية تضبط الفهم، حتى لا تحمل اللفظ على ما يقتضي التجسيم أو التشبيه، ولا تنفي ما أثبته الشرع.

النص واحد، ولكن فساد الأصول قد يؤدي إلى فساد الفهم.

2️⃣ علم التفسير

الوهابي:

القرآن واضح، وكل مسلم يستطيع أن يفهمه.

الأزهري:

يفهم منه شيئًا، نعم؛ لكن هل كل فهم يكون تفسيرًا علميًا؟

علم التفسير يبحث في بيان مراد الله تعالى بحسب ما تقتضيه اللغة والسياق وأسباب النزول والقراءات والآثار وأقوال المفسرين وغير ذلك من أدوات هذا العلم.

ولهذا لم يكن المفسرون يفسرون القرآن بالهوى، وإنما بنوا تفسيرهم على علوم وأصول متراكمة.

3️⃣ أصول التفسير

الوهابي:

وما حاجتنا إلى «أصول التفسير»؟ القرآن يُفسَّر بالقرآن والحديث.

الأزهري:

وهذا أحد أصول التفسير بالفعل، لكنه ليس كل شيء.

أصول التفسير تضع لك القواعد التي تضبط عملية التفسير نفسها:

كيف تتعامل مع اختلاف المفسرين؟

كيف تفرق بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي المنضبط؟

كيف تعرف أسباب النزول؟

كيف تتعامل مع الإسرائيليات؟

كيف تميز بين الصحيح والضعيف من الآثار؟

كيف تجمع بين الآيات التي قد يبدو بينها تعارض؟

وكيف تفهم العام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ؟

فهل هذه الأسئلة يمكن أن تُجاب بالشعار وحده؟

4️⃣ علم الحديث

الوهابي:

نحن أهل الحديث، ولا نحتاج إلى هذه التعقيدات.

الأزهري:

إذا كنتَ أهل حديث، فحدثني عن علم الحديث.

كيف تعرف الحديث الصحيح من الحسن والضعيف؟

كيف تتعامل مع اختلاف الروايات؟

كيف تعرف الشاذ والمنكر والمعلول؟

كيف تميز بين اختلاف ألفاظ الروايات المؤثر وغير المؤثر؟

الوهابي:

هذه أمور يعرفها المحدثون.

الأزهري:

إذن اتفقنا!

لأن الذي يريد أن يستدل بالسنة لا يكفيه أن يجد حديثًا في كتاب، بل لابد أن يعرف درجة الحديث، وطريق روايته، واختلاف ألفاظه، وكلام أهل النقد فيه.

5️⃣ علم أصول الحديث

الوهابي:

وما الفرق بين علم الحديث وأصول الحديث؟

الأزهري:

أصول الحديث تعطي طالب العلم القواعد التي تضبط نقد الرواية والدراية، وتعرّفه بمصطلحات المحدثين ومراتب الأخبار والرواة وأنواع الحديث وطرق التحمل والأداء وغير ذلك.

فإذا كان الحديث هو الدليل، فإن أصول الحديث هي من الأدوات التي تعين على معرفة كيفية التعامل مع هذا الدليل.

6️⃣ علم الفقه الإسلامي

الوهابي:

نحن لا نحتاج إلى المذاهب؛ عندنا الدليل.

الأزهري:

وهل الفقه إلا فهم الدليل وتنزيله على الأحكام؟

الفقه الإسلامي ليس مجرد حفظ الأحكام، وإنما هو ملكة في فهم النصوص واستنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية.

فإذا اختلفت في مسألة، فلا يكفي أن تقول: «هذا الحديث يدل على كذا».

بل يجب أن تسأل:

هل الحديث عام أم خاص؟

هل هناك حديث آخر يخصصه؟

هل ثبت النسخ؟

هل هناك إجماع؟

ما دلالة الأمر؟

وما دلالة النهي؟

هل الحكم للوجوب أم للندب؟

وهل النص على ظاهره أم له قرينة تصرفه؟

وهنا يظهر دور الفقه وأصوله.

7️⃣ علم أصول الفقه

الوهابي:

أما أصول الفقه فهذه من علوم المتأخرين!

ضحك الأزهري وقال:

الأزهري:

بل أصول الفقه هو العلم الذي يضع لك قواعد الاستنباط من النصوص.

كيف تفهم الأمر؟

كيف تفهم النهي؟

ما حكم العام إذا دخله التخصيص؟

ما أثر المطلق والمقيد؟

كيف تتعامل مع القياس؟

ما حجية الإجماع؟

كيف تتعامل مع الاستصحاب والمصالح وسائر الأدلة التي بحثها الأصوليون؟

ثم قال:

إذا كنتَ تستنبط حكمًا شرعيًا من آية أو حديث، فأنت تمارس أصول الفقه، سواء درست اسمه أم لم تدرسه.

فالفرق أن العالم يمارس هذه القواعد عن علم، وغيره قد يمارسها من غير أن يشعر بها، فيخطئ حيث لا يدري.

8️⃣ اللغة العربية: النحو والصرف والاشتقاق

الوهابي:

ولكن لماذا كل هذا الاهتمام بالنحو والصرف؟

الأزهري:

لأن القرآن عربي.

إذا تغير الإعراب تغير المعنى.

وإذا جهلتَ تصريف الكلمة قد تجهل معناها.

وإذا لم تعرف الاشتقاق ودلالات الصيغ فقد تخطئ في فهم اللفظ.

فكيف تريد أن تفسر كلام الله وأنت لا تملك أدوات لسانه؟

9️⃣ البلاغة: المعاني والبيان والبديع

الوهابي:

والبلاغة؟ ما علاقتها بالعقيدة والفقه والتفسير؟

الأزهري:

علاقة وثيقة.

علم المعاني يعينك على فهم مقتضى الحال، والتقديم والتأخير، والحذف والذكر، والقصر، والإيجاز والإطناب وغير ذلك.

وعلم البيان يفتح لك باب فهم التشبيه والاستعارة والكناية والمجاز وسائر أساليب البيان العربي.

وعلم البديع يكشف لك وجوه الحسن في الكلام وأسرار نظمه.

فهل يمكن أن تفهم بلاغة القرآن وأساليبه ودقائق تعبيره من غير معرفة بلسان العرب وأساليبهم؟

1️⃣0️⃣ الأدب واللغة

الوهابي:

أما الأدب فلا أرى له علاقة مباشرة بالعلوم الشرعية.

الأزهري:

الأدب العربي هو أحد أبواب معرفة كلام العرب وشعرهم ونثرهم وأساليبهم.

وقد كان العلماء يستشهدون بأشعار العرب على معاني ألفاظ القرآن، ويستعينون بكلامهم على فهم الغريب ودقائق اللغة.

فمن أراد أن يفهم النص العربي في سياقه الحضاري واللغوي، فلا يستغني عن معرفة تراث العرب ولسانهم.

1️⃣1️⃣ علم المنطق

الوهابي:

أما المنطق فنحن لا نحتاج إليه.

الأزهري:

ليس المطلوب أن تجعل المنطق مصدرًا للوحي، وإنما أن تعرف قواعد الاستدلال التي تعينك على تمييز صحة الحجة من فسادها.

فإذا قدم لك شخص مقدمتين ثم بنى عليهما نتيجة، كيف تعرف أن النتيجة لازمة عنهما؟

وإذا وقع في تناقض أو مغالطة، كيف تكشفها؟

المنطق ليس قرآنًا ولا سنة، وإنما هو أداة من أدوات النظر والاستدلال، كالنحو أداة لفهم الكلام.

1️⃣2️⃣ علم آداب البحث والمناظرة

الوهابي:

وهذه علوم جدلية لا حاجة إليها.

الأزهري:

بل الحاجة إليها تظهر حين نختلف.

كيف تعترض؟

وكيف تطالب بالدليل؟

وكيف تفرق بين محل النزاع وخارجه؟

وكيف تمنع انتقال الحوار من الدليل إلى التشنيع على المخالف؟

العالم لا يكتفي بأن يقول: «أنا على الحق».

بل يستطيع أن يحرر محل النزاع، ويقيم الدليل، ويناقش الاعتراض، ويرد بالحجة.

1️⃣3️⃣ علم التزكية الإسلامية

ثم قال الأزهري:

وبقي علم أخشى أن يغيب وسط هذا الحديث كله…

علم التزكية الإسلامية.

الوهابي:

وما حاجتنا إليه؟

فقال الأزهري:

لأن العلم بلا تزكية قد يتحول إلى وسيلة للخصومة والجدال.

والتزكية تعني تهذيب النفس، وإصلاح القلب، ومجاهدة الهوى، والتحلي بالإخلاص والتواضع والرحمة والعدل.

فطالب العلم الذي يحفظ الأدلة، ثم يحمل الكِبر على الناس، ويحتقر المخالف، ويتسرع في التبديع والتكفير والتضليل، لم ينتفع من العلم كما ينبغي.

فالعلم يبني العقل، والتزكية تبني الإنسان.

ثم ساد المجلس صمت قصير.

فقال الرجل:

الوهابي:

ولكن أليس كل هذا تعقيدًا للدين؟

النبي ﷺ لم يدرس هذه العلوم بهذه الأسماء!

ابتسم الأزهري وقال:

الأزهري:

وهذا الاعتراض يتكرر كثيرًا.

فالنبي ﷺ لم يدرس النحو أيضًا، ولم يدرس مصطلح الحديث، ولا أصول الفقه، ولا أصول التفسير، ولا علم المعاني والبيان والبديع…

فهل معنى ذلك أن هذه العلوم باطلة؟

لا.

لأن الصحابة كانوا أقرب إلى اللسان العربي، وأعرف بالسياق، وأشهدوا التنزيل، وأعرف بأسباب النزول، وأفقه في مراد النبي ﷺ.

فلما اتسعت رقعة الإسلام، ودخلت أمم لا تتكلم العربية، وظهرت الفرق والمذاهب والشبهات، احتاج العلماء إلى تقعيد ما كان معروفًا بالسليقة والممارسة، فظهرت العلوم وتطورت مصطلحاتها ومناهجها.

وهذا هو شأن العلوم كلها.

فالصحابي لم يحتج إلى كتاب في النحو ليعرف العربية، لكن من جاء بعده احتاج إلى قواعد النحو.

والصحابي لم يحتج إلى كتاب في مصطلح الحديث ليعرف حديث رسول الله ﷺ، لكن المحدثين احتاجوا إلى وضع قواعد دقيقة لحفظ السنة ونقد الروايات.

والصحابي لم يحتج إلى كتاب في أصول الفقه ليستنبط الحكم، لكن الأصوليين قاموا بعد ذلك بتقعيد طرائق الاستنباط التي مارسها العلماء من قبل.

ثم قال الأزهري:

المشكلة ليست في أن تتعلم هذه العلوم،

وإنما المشكلة أن تتصدر لفهم النصوص واستنباط الأحكام، ثم ترفض الأدوات التي وضعها العلماء لضبط هذا الفهم والاستنباط.

فالقرآن الكريم لا يُفهم بالهوى، والسنة النبوية لا تُتعامل معها بلا نقد وتمحيص، والأحكام الشرعية لا تُستنبط بمجرد الانطباع من ظاهر نص واحد.

وإنما تحتاج إلى:

عقيدة تضبط أصول الإيمان،

وتفسير يبين مراد الآيات،

وأصول تفسير تضبط منهج المفسر،

وحديث يعرفك السنة،

وأصول حديث تضبط التعامل مع الرواية،

وفقه يبين الأحكام،

وأصول فقه تضبط الاستنباط،

ولغة ونحو وصرف واشتقاق تضبط فهم الألفاظ،

وبلاغة بمعانيها وبيانها وبديعها تكشف دقائق الخطاب،

ومنطق يضبط النظر والاستدلال،

وآداب بحث ومناظرة تضبط الحوار العلمي،

وتزكية تهذب النفس التي تحمل هذا العلم.

ثم قال الأزهري في خاتمة المجلس:

إن من أعظم الأخطاء أن يظن الإنسان أن امتلاك النص يعني بالضرورة امتلاك القدرة على فهم النص.

فالقرآن محفوظ، والسنة محفوظة في كتبها،

ولكن فهمهما يحتاج إلى علم، واستنباط الأحكام منهما يحتاج إلى أصول، والحكم على الأقوال يحتاج إلى ميزان، ومناقشة المخالف تحتاج إلى أدب وإنصاف.

ولهذا لم يكن علماء الأمة عبر القرون يكتفون بحفظ النصوص، بل بنوا حولها منظومة علمية متكاملة تحفظ للنص مكانته، وللعقل سلامة الاستدلال، وللفهم انضباطه.

فالسؤال الحقيقي ليس:

هل معك القرآن والسنة؟

فهذا يقوله الجميع.

ولكن السؤال:

هل تملك الأدوات العلمية التي تؤهلك لفهم القرآن والسنة كما ينبغي؟

📚 وهنا يبدأ الفرق بين من يحمل النص… ومن يحمل النص ومعه أدوات فهمه.