خُطْبَةُ الْجُمُعَة الْمُوَافِقُ: الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ 1448هـ – الْخَامِسَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ سِبْتَمْبَرَ 2026م

خُطْبَةُ الْجُمُعَة الْمُوَافِقُ: الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ 1448هـ – الْخَامِسَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ سِبْتَمْبَرَ 2026م لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ

« الْبِيئَةُ .. نِعْمَةٌ رَبَّانِيَّةٌ وَمَسْئُولِيَّةٌ إِنْسَانِيَّةٌ »

وَالْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: « حُرْمَةُ تَصْوِيرِ الْأَفْرَادِ بِغَيْرِ إِذْنٍ »

لتحميل الخطبة يرجى الضغط على الرابط التالي:

الْبِيئَةُ..-نِعْمَةٌ-رَبَّانِيَّةٌ-وَمَسْئُولِيَّةٌ-إِنْسَانِيَّةٌ

عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ الْأُولَى

أَوَّلًا: الْبِيئَةُ نِعْمَةٌ رَبَّانِيَّةٌ عَظِيمَةٌ امْتَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَى الْإِنْسَانِ.

ثَانِيًا: الِاسْتِخْلَافُ فِي الْأَرْضِ وَأَمَانَةُ إِعْمَارِهَا لَا إِفْسَادِهَا.

ثَالِثًا: هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي صِيَانَةِ الْبِيئَةِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْإِسْرَافِ وَالتَّلْوِيثِ.

رَابِعًا: أَثَرُ إِفْسَادِ الْبِيئَةِ عَلَى حَيَاةِ الْإِنْسَانِ وَسَعَادَتِهِ.

خَامِسًا: الرَّسَائِلُ الَّتِي نُرِيدُ أَنْ نُوَصِّلَهَا مِنْ خِلَالِ الْخُطْبَةِ.

عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ

أَوَّلًا: الْأَصْلُ الشَّرْعِيُّ فِي حِفْظِ خُصُوصِيَّاتِ النَّاسِ وَسَتْرِ عَوْرَاتِهِمْ.

ثَانِيًا: أَدِلَّةُ حُرْمَةِ النَّظَرِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى النَّاسِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَقِيَاسُ التَّصْوِيرِ عَلَيْهَا.

ثَالِثًا: خُطُورَةُ نَشْرِ صُوَرِ النَّاسِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ.

الْخُطْبَةُ الْأُولَى

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، شَهَادَةً تُذَكِّرُنَا عِنْدَ السُّؤَالِ حُجَّتَنَا، وَتُيَسِّرُ عَلَى الصِّرَاطِ مُرُورَنَا، وَتَرْوِينَا يَوْمَ الْعَطَشِ الْأَكْبَرِ مِنْ حَوْضِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا، وَعَظِيمَنَا وَقَائِدَنَا، وَقُدْوَتَنَا وَأُسْتَاذَنَا، وَقُرَّةَ أَعْيُنِنَا، وَمُخْرِجَنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ، وَرَفَعَ فِي الْعَالَمِينَ ذِكْرَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا:﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ.

مَوْلَايَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِمًا أَبَدًا…عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الْخَلْقِ كُلِّهِمِ.

سَادَتِي الْكِرَامَ: تَأَمَّلُوا مَعِي هَذَا الْكَوْنَ الْفَسِيحَ، بِسَمَائِهِ الْمَرْفُوعَةِ، وَأَرْضِهِ الْمَمْدُودَةِ، وَمَائِهِ الْعَذْبِ الْفُرَاتِ، وَهَوَائِهِ الطَّلْقِ النَّقِيِّ؛ كُلُّ ذَلِكَ سَخَّرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِهَذَا الْإِنْسَانِ الضَّعِيفِ، فَجَعَلَ الْأَرْضَ مَهْدًا يَمْشِي عَلَيْهِ، وَالسَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا يُظِلُّهُ، فَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ نِعْمَةٍ، وَمَا أَجَلَّهَا مِنْ أَمَانَةٍ!

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا السَّادَةُ الْفُضَلَاءُ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَبِشُكْرِ نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُحْصَى، وَمِنْ أَجَلِّ تِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي طَالَمَا غَفَلْنَا عَنْ شُكْرِهَا: نِعْمَةُ هَذِهِ الْبِيئَةِ الَّتِي نَحْيَا فِيهَا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18].

أَوَّلًا: الْبِيئَةُ نِعْمَةٌ رَبَّانِيَّةٌ عَظِيمَةٌ

لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا الْكَوْنَ بِتَوَازُنٍ دَقِيقٍ، وَسَخَّرَهُ كُلَّهُ لِخِدْمَةِ الْإِنْسَانِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} [الرحمن: 10]. فَالْجِبَالُ أَوْتَادٌ تَحْفَظُ تَوَازُنَ الْأَرْضِ، وَالْبِحَارُ خَزَّانٌ لِلرِّزْقِ وَالْمَطَرِ، وَالْأَشْجَارُ رِئَةٌ تُنَقِّي الْهَوَاءَ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبَادِهِ.

وَمِنْ أَجْمَلِ مَا يُرْوَى فِي تَقْدِيرِ نِعْمَةِ الْمَاءِ: أَنَّ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟» فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. فَانْظُرُوا – سَادَتِي – كَيْفَ رَبَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ عَلَى تَقْدِيرِ النِّعْمَةِ وَلَوْ كَانَتْ أَمَامَ نَهْرٍ جَارٍ لَا يَنْضُبُ، فَكَيْفَ بِنَا وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَنَ شُحِّ الْمَوَارِدِ؟!

وَمِنَ الْقَصَصِ الَّتِي تُبَيِّنُ عَظِيمَ عِنَايَةِ هَذَا الدِّينِ بِنِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْكَوْنِ: أَنَّ سَيِّدَنَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا وَدَّعَ جَيْشَ أُسَامَةَ وَجُيُوشَ الشَّامِ، أَوْصَاهُمْ بِوَصِيَّةٍ خَالِدَةٍ، جَاءَ فِيهَا: «لَا تَقْطَعُنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلَا تُخَرِّبُنَّ عَامِرًا، وَلَا تَعْقِرُنَّ شَاةً وَلَا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ» رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ. فَهَذَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوصِي جَيْشَهُ – وَهُوَ فِي أَحْرَجِ حَالَاتِ الْحَرْبِ – بِالْحِفَاظِ عَلَى الشَّجَرِ وَالْعُمْرَانِ وَالْحَيَوَانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حِرْصُنَا عَلَيْهَا فِي زَمَنِ السِّلْمِ وَالْأَمْنِ؟!

ثَانِيًا: الِاسْتِخْلَافُ فِي الْأَرْضِ وَأَمَانَةُ إِعْمَارِهَا

إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَتْرُكِ الْأَرْضَ لِعَبَثِ الْإِنْسَانِ، بَلِ اسْتَخْلَفَهُ فِيهَا لِيَعْمُرَهَا لَا لِيُفْسِدَهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]. فَالْإِعْمَارُ أَمَانَةٌ، وَالْإِفْسَادُ خِيَانَةٌ لِهَذِهِ الْأَمَانَةِ، وَلِذَلِكَ حَذَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ فَقَالَ: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 56]، وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ سَبَبَ فَسَادِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إِنَّمَا هُوَ بِأَيْدِي النَّاسِ أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]. فَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ – سَادَتِي – تُقَرِّرُ حَقِيقَةً خَطِيرَةً: أَنَّ كُلَّ تَلَوُّثٍ نَرَاهُ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ، إِنَّمَا هُوَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ تَقْصِيرِ الْإِنْسَانِ فِي أَمَانَتِهِ.

وَمِنَ الْقِصَصِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَعِمَارَةِ الْأَرْضِ: مَا رُوِيَ أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ يَوْمًا يَتَفَقَّدُ أَحْوَالَ رَعِيَّتِهِ، فَوَجَدَ رَجُلًا يَغْرِسُ شَجَرَةَ زَيْتُونٍ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرُ السِّنِّ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتَغْرِسُ وَأَنْتَ بِهَذَا الْعُمْرِ، وَلَعَلَّكَ لَا تُدْرِكُ ثَمَرَهَا؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: غَرَسَ لَنَا مَنْ قَبْلَنَا فَأَكَلْنَا، وَنَغْرِسُ لِمَنْ بَعْدَنَا لِيَأْكُلُوا، فَأَعْجَبَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلُهُ وَأَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. فَهَذَا فِقْهٌ عَمِيقٌ فِي مَعْنَى الِاسْتِخْلَافِ: أَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ آخِرَ حَلْقَةٍ فِي هَذَا الْكَوْنِ، وَأَنَّ مِنْ تَمَامِ إِيمَانِهِ أَنْ يَعْمَلَ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ كَمَا عَمِلَ لَهُ مَنْ سَبَقَهُ.

وَمِنْ لَطِيفِ مَا يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ: أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى رَجُلًا يَحْفِرُ بِئْرًا فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ لِيَنْتَفِعَ بِهَا النَّاسُ، فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أُرِيدُ أَنْ أُحْيِيَ هَذِهِ الْأَرْضَ لِيَشْرَبَ مِنْهَا ابْنُ السَّبِيلِ وَتَرْعَى فِيهَا الْمَوَاشِي، فَفَرِحَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِذَلِكَ وَشَجَّعَهُ، عَمَلًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ؛ فَجَعَلَ الشَّرْعُ إِحْيَاءَ الْأَرْضِ الْمَوَاتِ وَاسْتِثْمَارَهَا فِيمَا يَنْفَعُ النَّاسَ سَبَبًا لِلتَّمَلُّكِ وَالْأَجْرِ مَعًا، تَرْغِيبًا فِي عِمَارَةِ الْكَوْنِ لَا إِفْسَادِهِ.

وَقَدْ رَبَطَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ – فِي مَوْضِعٍ آخَرَ – بَيْنَ صَلَاحِ الْقُلُوبِ وَصَلَاحِ الْأَرْضِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْأُمَمِ الصَّالِحَةِ: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96]؛ فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ التَّقْوَى سَبَبٌ لِنُزُولِ الْبَرَكَةِ فِي الْكَوْنِ، وَأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ لَيْسَ قَضِيَّةً مُنْفَصِلَةً عَنِ الْإِيمَانِ، بَلْ هُوَ مِنْ ثِمَارِ ضَعْفِهِ.

ثَالِثًا: هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي صِيَانَةِ الْبِيئَةِ

وَقَدْ سَبَقَ هَدْيُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ الدَّعَوَاتِ الْمُعَاصِرَةِ إِلَى حِمَايَةِ الْبِيئَةِ بِقُرُونٍ طَوِيلَةٍ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ. تَأَمَّلُوا هَذَا التَّوْجِيهَ الْعَجِيبَ: غَرْسُ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ لَهَا قِيمَتُهَا حَتَّى لَوْ قَامَتِ السَّاعَةُ عَقِبَهَا مُبَاشَرَةً! وَعَنْهُ أَيْضًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَجَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْغَرْسِ صَدَقَةً جَارِيَةً يَسْتَمِرُّ أَجْرُهَا لِصَاحِبِهَا وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، مَا دَامَ يُؤْكَلُ مِنْهُ أَوْ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ حَوَافِزِ الشَّرْعِ عَلَى الِاسْتِثْمَارِ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ لَا اسْتِنْزَافِهَا.

وَمِنْ هَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا فِي حِفْظِ نَظَافَةِ الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ: مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَجَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِفْظَ نَظَافَةِ الْبِيئَةِ الْمُشْتَرَكَةِ قُرْبَةً وَصَدَقَةً، وَتَلْوِيثَهَا سَبَبًا لِلَّعْنِ وَالذَّمِّ.

وَمِنْ عَجِيبِ هَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِمَايَةِ الْمَوَارِدِ الطَّبِيعِيَّةِ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَى أَرْضًا تُسَمَّى «النَّقِيعَ» تُرْعَى فِيهَا خُيُولُ الْمُسْلِمِينَ وَنَعَمُهُمْ، فَمَنَعَ الِاحْتِطَابَ وَالرَّعْيَ فِيهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ «مَحْمِيَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ» فِي تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ، يُنَظِّمُ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِغْلَالَ الْمَرْعَى حَتَّى لَا يُسْتَنْزَفَ، دَرْسًا بَلِيغًا فِي التَّخْطِيطِ لِحِمَايَةِ الْمَوَارِدِ لِلْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ. وَكَذَلِكَ نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّبَوُّلِ فِي الْمِيَاهِ الرَّاكِدَةِ صِيَانَةً لَهَا مِنَ التَّلَوُّثِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي تَوْجِيهٍ نَبَوِيٍّ دَقِيقٍ يَحْفَظُ مَصَادِرَ الْمِيَاهِ الْمُشْتَرَكَةِ مِنَ التَّلَوُّثِ بِمَا يَضُرُّ مُسْتَعْمِلِيهَا مِنْ بَعْدُ.

رَابِعًا: أَثَرُ إِفْسَادِ الْبِيئَةِ عَلَى حَيَاةِ الْإِنْسَانِ

إِنَّ إِفْسَادَ الْبِيئَةِ لَيْسَ قَضِيَّةً هَامِشِيَّةً – سَادَتِي الْكِرَامَ – بَلْ هُوَ أَمْرٌ يَمَسُّ صِحَّةَ الْإِنْسَانِ وَرِزْقَهُ وَسَعَادَتَهُ؛ فَتَلَوُّثُ الْهَوَاءِ يُورِثُ الْأَمْرَاضَ، وَتَلَوُّثُ الْمَاءِ يُفْسِدُ الزَّرْعَ وَالضَّرْعَ، وَقَطْعُ الْأَشْجَارِ بِغَيْرِ حِسَابٍ يُخِلُّ بِتَوَازُنِ الْمَنَاخِ، وَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ قَالَ: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124]؛ فَالْإِعْرَاضُ عَنْ مِنْهَجِ اللَّهِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْكَوْنِ يُورِثُ ضِيقًا فِي الْعَيْشِ وَإِنْ كَثُرَتِ الْمَادِّيَّاتُ. وَإِنَّ مِمَّا يُؤْسِفُ لَهُ أَنْ يَنْسَى الْإِنْسَانُ أَنَّهُ لَيْسَ آخِرَ سَاكِنٍ لِهَذِهِ الْأَرْضِ، وَأَنَّ مَا يُفْسِدُهُ الْيَوْمَ سَيَرِثُهُ أَبْنَاؤُهُ وَأَحْفَادُهُ غَدًا، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَحُسْنُ التَّصَرُّفِ فِي هَذِهِ الْأَمَانَةِ هُوَ مِعْيَارُ نَجَاحِنَا فِي الِاسْتِخْلَافِ. وَقَدْ أَحْسَنَ الشَّاعِرُ إِذْ قَالَ فِي وَصْفِ أَثَرِ صَلَاحِ الْأَرْضِ عَلَى نَفْسِ الْإِنْسَانِ:

وَالْأَرْضُ إِنْ أَحْسَنْتَ عِشْرَتَهَا ** رَدَّتْ عَلَيْكَ جَمِيلَ مَا زَرَعَا

وَإِذَا أَسَأْتَ فَلَا تَلُمْهَا إِنْ غَدَتْ ** أَرْضًا جَدِيبَةً تُطْعِمُ الْجَزَعَا

وَمِنَ الْقَصَصِ الْمُعَاصِرَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ خُطُورَةَ إِهْمَالِ هَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةِ: مَا تَشْهَدُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُدُنِ الْيَوْمَ مِنْ أَزَمَاتِ نُدْرَةِ الْمِيَاهِ وَتَصَحُّرِ الْأَرَاضِي الزِّرَاعِيَّةِ نَتِيجَةَ الْإِسْرَافِ وَسُوءِ التَّدْبِيرِ فِي اسْتِغْلَالِ الْمَوَارِدِ، حَتَّى اضْطُرَّتْ دُوَلٌ بِأَكْمَلِهَا إِلَى اسْتِيرَادِ مَا كَانَتْ تُنْتِجُهُ بِنَفْسِهَا، فَكَانَتِ الْمُعَادَلَةُ الرَّبَّانِيَّةُ صَادِقَةً: مَنْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ ذَاقَ أَثَرَ فَسَادِهِ، وَمَنْ أَصْلَحَ فِيهَا جَنَى ثَمَرَةَ إِصْلَاحِهِ. وَإِنَّ مِنَ الْمُشَاهَدِ أَيْضًا فِي زَمَانِنَا: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي أَهْمَلَتِ الْبِيئَةَ عَقُودًا طَوِيلَةً، تُعَانِي الْيَوْمَ مِنِ اضْطِرَابِ الْمَنَاخِ وَانْتِشَارِ الْأَمْرَاضِ الَّتِي كَانَتْ نَادِرَةً، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا صَدَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. فَلْنَتَّعِظْ – سَادَتِي الْكِرَامَ – وَلْنُبَادِرْ بِالْإِصْلَاحِ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ التَّدَارُكُ أَصْعَبَ، وَلْنَجْعَلْ مِنْ بُيُوتِنَا وَأَحْيَائِنَا وَمَسَاجِدِنَا نَمَاذِجَ عَمَلِيَّةً فِي النَّظَافَةِ وَتَرْشِيدِ الِاسْتِهْلَاكِ وَغَرْسِ الشَّجَرِ، فَإِنَّ الْأَجْرَ الْجَارِيَ يَبْدَأُ بِخُطْوَةٍ صَغِيرَةٍ.

خَامِسًا: الرَّسَائِلُ الَّتِي نُرِيدُ أَنْ نُوَصِّلَهَا

١- حِفْظُ الْبِيئَةِ عِبَادَةٌ وَشُكْرٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نِعْمَةِ الْكَوْنِ الَّذِي سَخَّرَهُ لَنَا.

٢- الْأَرْضُ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِنَا، وَإِفْسَادُهَا خِيَانَةٌ لِهَذِهِ الْأَمَانَةِ يُحَاسَبُ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ.

٣- الِاقْتِصَادُ فِي اسْتِهْلَاكِ الْمَوَارِدِ – حَتَّى الْمَاءِ – مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

٤- غَرْسُ الشَّجَرِ وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَاتٌ جَارِيَةٌ يَغْفُلُ عَنْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ.

فَبَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

« حُرْمَةُ تَصْوِيرِ الْأَفْرَادِ بِغَيْرِ إِذْنٍ »

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي جَعَلَ لِلْإِنْسَانِ حُرْمَةً وَكَرَامَةً وَخُصُوصِيَّةً يَصُونُهَا الشَّرْعُ الْحَنِيفُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ، فَمِنَ الْقَضَايَا الَّتِي كَثُرَ فِيهَا التَّسَاهُلُ فِي زَمَنِ انْتِشَارِ الْهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ: قَضِيَّةُ تَصْوِيرِ الْأَفْرَادِ وَنَشْرِ صُوَرِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، وَهِيَ قَضِيَّةٌ لَهَا أَصْلٌ رَاسِخٌ فِي شَرِيعَتِنَا الْغَرَّاءِ، وَلَيْسَتْ نَازِلَةً مُسْتَحْدَثَةً لَا سَنَدَ لَهَا مِنَ الْوَحْيِ، بَلْ هِيَ فَرْعٌ عَنْ أُصُولٍ ثَابِتَةٍ فِي حِفْظِ حُرُمَاتِ النَّاسِ.

أَوَّلًا: الْأَصْلُ الشَّرْعِيُّ فِي حِفْظِ خُصُوصِيَّاتِ النَّاسِ

لَقَدْ جَاءَتْ شَرِيعَتُنَا بِصِيَانَةِ خُصُوصِيَّةِ الْإِنْسَانِ وَعَدَمِ التَّطَفُّلِ عَلَيْهِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور: 27]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات: 12]. فَالِاسْتِئْذَانُ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَى خُصُوصِيَّاتِ النَّاسِ أَصْلٌ قُرْآنِيٌّ أَصِيلٌ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلَّةَ هَذَا الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ: «إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ أَيْ لِأَجْلِ أَلَّا يَقَعَ بَصَرُ الْإِنْسَانِ عَلَى مَا لَا يُرِيدُ صَاحِبُهُ أَنْ يُرَى مِنْهُ. وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَجَلَّى أَيْضًا فِيمَا رَوَاهُ سَيِّدُنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ خَلَلِ بَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ فَهَذَا مَوْقِفٌ نَبَوِيٌّ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ التَّلَصُّصِ عَلَى النَّاسِ وَلَوْ كَانَ عَابِرًا، فَكَيْفَ بِمَنْ يَتَعَمَّدُ تَوْثِيقَ خُصُوصِيَّاتِ النَّاسِ بِالْكَامِيرَا؟

وَمِنَ الْقِصَصِ الْجَامِعَةِ فِي أَدَبِ الِاسْتِئْذَانِ: مَا رَوَاهُ سَيِّدُنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَرَجَعَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ: مَا رَدَّكَ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلَّا فَارْجِعْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَهَذَا أَدَبٌ نَبَوِيٌّ رَفِيعٌ فِي احْتِرَامِ خُصُوصِيَّةِ الْبُيُوتِ وَالْمَجَالِسِ، فَكَيْفَ لَا نَتَأَدَّبُ بِمِثْلِهِ حِينَ نُرِيدُ أَنْ نُوَثِّقَ صُورَةَ أَحَدٍ أَوْ نَنْشُرَهَا؟

ثَانِيًا: أَدِلَّةُ الْحُرْمَةِ وَقِيَاسُ التَّصْوِيرِ عَلَيْهَا

وَمِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ: مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ عُقُوبَةُ مُجَرَّدِ النَّظَرِ الْعَابِرِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَلْتَقِطُ صُورَةً تَحْفَظُ تِلْكَ اللَّحْظَةَ وَتُخَلِّدُهَا، بَلْ رُبَّمَا نَشَرَهَا لِيَرَاهَا الْمَلَايِينُ؟! إِنَّ عُلَمَاءَنَا الْمُعَاصِرِينَ قَاسُوا التَّصْوِيرَ بِغَيْرِ إِذْنٍ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ؛ فَالتَّصْوِيرُ فِي حَقِيقَتِهِ نَظَرٌ مُوَثَّقٌ بَاقٍ، وَهُوَ أَشَدُّ مِنَ النَّظَرَةِ الْعَابِرَةِ الَّتِي تَزُولُ بِزَوَالِ لَحْظَتِهَا. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَحِفْظُ سِتْرِ النَّاسِ وَعَدَمُ كَشْفِ خُصُوصِيَّاتِهِمْ بِالصُّورَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أَسْبَابِ رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْعَبْدِ.

وَقَدْ فَرَّقَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْمُعَاصِرُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ التَّصْوِيرِ فِي الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ لِتَوْثِيقِ حَدَثٍ عَامٍّ لَا يُقْصَدُ بِهِ فَرْدٌ بِعَيْنِهِ، وَبَيْنَ تَصْوِيرِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ فِي حَالَةٍ خَاصَّةٍ أَوْ مُحْرِجَةٍ ثُمَّ نَشْرِهَا، وَالثَّانِي هُوَ مَوْضِعُ التَّحْرِيمِ وَالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ فِيهِ اعْتِدَاءً عَلَى خُصُوصِيَّةِ الْمَرْءِ وَحَقِّهِ فِي أَنْ يَتَحَكَّمَ فِي صُورَتِهِ، وَهُوَ حَقٌّ أَصِيلٌ كَفَلَهُ الشَّرْعُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، بَلْ إِنَّ كَشْفَ عَوْرَاتِ النَّاسِ وَأَسْرَارِهِمْ بِالصُّورَةِ أَشَدُّ خُطُورَةً مِنَ الْغِيبَةِ الْمُجَرَّدَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ تُوَثِّقُ وَتَبْقَى وَتَنْتَشِرُ بِسُرْعَةٍ لَا تُمَاثِلُهَا سُرْعَةُ الْكَلِمَةِ الْمَنْطُوقَةِ، وَقَدْ يَظَلُّ أَثَرُهَا مُلَازِمًا لِصَاحِبِهَا سِنِينَ طَوِيلَةً بَعْدَ أَنْ تُنُوسِيَ الْكَلَامُ الَّذِي قِيلَ عَنْهُ. وَمِنْ هُنَا كَانَ عُلَمَاؤُنَا يُقَرِّرُونَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ وَصُوَرِهِمْ وَخُصُوصِيَّاتِهِمُ الْحُرْمَةُ، وَأَنَّ الْإِبَاحَةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِإِذْنٍ صَرِيحٍ أَوْ عُرْفٍ مُعْتَبَرٍ لَا يُلْحِقُ ضَرَرًا بِصَاحِبِ الصُّورَةِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ الَّذِي عُرِفَتْ بِهِ شَرِيعَتُنَا الْغَرَّاءُ فِي حِفْظِ حُقُوقِ الْعِبَادِ.

ثَالِثًا: خُطُورَةُ نَشْرِ صُوَرِ النَّاسِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ

وَقَدْ تَفَاقَمَ الْأَمْرُ فِي زَمَانِنَا – أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ – حَتَّى صَارَ بَعْضُ النَّاسِ يُصَوِّرُ غَيْرَهُ فِي أَحْوَالِهِ الْخَاصَّةِ، أَوْ فِي لَحَظَاتِ ضَعْفِهِ وَأَلَمِهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ ذَلِكَ عَلَى الْمَلَإِ دُونَ أَدْنَى اسْتِئْذَانٍ، غَيْرَ مُبَالٍ بِمَا يُسَبِّبُهُ ذَلِكَ مِنْ أَذًى وَحَرَجٍ وَإِسَاءَةٍ، وَقَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58]. وَمِنَ الْمُؤْسِفِ أَنَّ بَعْضَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ أَنْفُسِهِمْ يَقَعُونَ فِي هَذَا الْمَحْذُورِ بِنَشْرِ صُوَرِ أَبْنَائِهِمُ الصِّغَارِ عَلَى الْمَلَإِ دُونَ تَقْدِيرٍ لِمَا قَدْ يَجْلِبُهُ ذَلِكَ مِنْ مَخَاطِرَ عَلَيْهِمْ فِي كِبَرِهِمْ، مَعَ أَنَّ حِفْظَ حُرْمَةِ الْأَوْلَادِ وَاجِبٌ عَلَى الْوَالِدَيْنِ كَمَا هُوَ وَاجِبٌ تُجَاهَ سَائِرِ النَّاسِ. وَمِنَ الْحُلُولِ الْعَمَلِيَّةِ لِهَذِهِ الظَّاهِرَةِ: أَنْ نَتَعَوَّدَ سُؤَالَ صَاحِبِ الصُّورَةِ قَبْلَ الْتِقَاطِهَا أَوْ نَشْرِهَا وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا أَوْ صَدِيقًا، وَأَنْ نُرَبِّيَ أَبْنَاءَنَا عَلَى هَذَا الْأَدَبِ مُنْذُ الصِّغَرِ، وَأَنْ نُبَادِرَ بِحَذْفِ أَيِّ صُورَةٍ نُشِرَتْ بِغَيْرِ إِذْنٍ إِنْ عَلِمْنَا بِذَلِكَ، وَأَنْ نَعْتَذِرَ لِصَاحِبِهَا، فَإِنَّ رَدَّ الْحُقُوقِ إِلَى أَهْلِهَا مِنْ صَمِيمِ التَّوْبَةِ. فَلْنَتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ وَخُصُوصِيَّاتِهِمْ، وَلْنَسْتَأْذِنْ قَبْلَ أَنْ نُصَوِّرَ، وَلْنَسْتَأْذِنْ قَبْلَ أَنْ نَنْشُرَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَائِلُنَا عَنْ كُلِّ لَحْظَةٍ سَلَبْنَا فِيهَا إِنْسَانًا حَقَّهُ فِي سِتْرِ نَفْسِهِ.

الرِّسَالَةُ الْخِتَامِيَّةُ

١- التَّصْوِيرُ أَوِ النَّشْرُ بِغَيْرِ إِذْنٍ اعْتِدَاءٌ عَلَى خُصُوصِيَّةٍ كَفَلَهَا الشَّرْعُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ.

٢- الِاسْتِئْذَانُ قَبْلَ التَّصْوِيرِ وَقَبْلَ النَّشْرِ خُلُقٌ نَبَوِيٌّ أَصِيلٌ لَا تَرَفٌ زَائِدٌ.

٣- كَشْفُ عَوْرَاتِ النَّاسِ وَأَسْرَارِهِمْ بِالصُّورَةِ ذَنْبٌ يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَحْفَظُ الْأَمَانَاتِ وَيَصُونُ الْبِيئَةَ وَيَحْتَرِمُ خُصُوصِيَّاتِ إِخْوَانِهِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْمَعُ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُ أَحْسَنَهُ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَنَا، وَأَصْلِحْ نِيَّاتِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَاجْعَلْ بِلَادَنَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. عِبَادَ اللَّهِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ – ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ، وَسَيِّدِنَا عُمَرَ، وَسَيِّدِنَا عُثْمَانَ، وَسَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .

كَتَبَهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ أَحْمَدُ إِسْمَاعِيلُ الْفَشَنِيُّ

بِالْقَاهِرَةِ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ٢١ سِبْتَمْبَرَ ٢٠٢٦م،

الْمُوَافِقِ لِلْعَاشِرِ مِنْ رَبِيعِ الْآخِرِ عَامَ ١٤٤٨هـ.

وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالسَّدَادُ.