بقلم : أ.د طلعت عبد الله أبو حلوة وكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر
لقد تعددت مظاهر التطرف الفكري الذي يبدو على الأفراد والجماعات المتطرفة، واختلفت صوره، وتنوعت أشكاله، ووجدت سمات تتجلى فيمن سقط في هاوية التطرف، وتوجد فيه كلها أو بعضها حسب درجة التطرف ومستواه، ويعرف بها بين الناس، وحتى يتم تصور التطرف الفكري بوضوح أكثر، فإن بيان مظاهره تزيد معناه وضوحاً وبياناً، وتتمثل أبرز هذه المظاهر فيما يلي:
1- الغلو في الرأي، وتبني الآراء المتطرفة، والإسراف في التحريم، والتزام اعتناق التشديد، والتمسك به، وحمل الناس عليه، والإصرار على إلزام جمهور الناس بما لم يلزمهم الله -عز وجل- به، وبما يخالف فطرتهم التي فطرهم الله عليها، والتشدّد في إلزامهم بأمور فيها سعة كالأمور المختلف فيها، أو التي جعلها الدين على وجه الاستحباب والإباحة، ومحاسبتهم على النوافل كأنها فرائض، وعلى المكروهات كأنها محرمات، وعلى الفروع كأنها أصول، والاشتغال بالمعارك الجانبية عن القضايا الكبرى والمصيرية.
2- كراهية الآخرين واحتقارهم، وسوء الظن بهم، وازدراء أفكارهم وأحوالهم، والتعجل في إدانتهم، والتقليل مما يصدر عنهم ويقومون به، والنظر إليه نظرة دونية وغير عادلة، تحكمها الأهواء المنحرفة، والمزاجات الفاسدة، ويحيط بها العُجْب والغرور بالنفس، وعدم القدرة على النظر إليهم نظرة حسنة منصفة، ومعرفة نواياهم الطيبة، وعدم قبولهم واستيعابهم.
3- الخشونة في القول، والفظاظة في الأسلوب، والغلظة في الحوار، والعنف في التعامل، وعدم الاعتداد بالتوجيهات والتعاليم القرآنية والنبوية التي تدفع الداعية للتحلي بمكارم الأخلاق، ومنها استخدم اللين واللطف في القول، والرفق في محاورة الناس، بدلًا من الغلظة والفظاظة والعنف والشدة والقول السَّيِّئ ظناً من المتطرف أنّ هذا هو المنهج الصحيح، وأن اعتبار الجِدِّيَّة في هذا الأمر وعدم الرخاوة والتهاون فيه من الدين، وكل ذلك خطأ فاحش وفادح، وليس من الإسلام في شيء.
4- العنصرية والانحياز والتعصب للقديم تعصبًا قد يصل إلى حد التقديس، ورفض كل ما هو جديد، والتعصب كذلك للرأي الشخصي الذي يراه المتطرف، والجمود والانغلاق عليه، والاستبداد به، والطعن والتشكيك في الرأي الآخر، وعدم اعتراف المتطرف به ولو في أبسط المسائل التي قد تحتمل عدة وجوه، وعدم سماعه لمن خالفه في الرأي، وعدم قبوله الحوار معه، وعدم تصوره أن آراءه قد تتعرض للامتحان بحيث توازن بغيرها، وتقبل المعارضة والترجيح، واعتقاده أنّ الآخرين على خطأ عظيم، وأنه وحده هو الشخص الذي يملك الحقيقة المطلقة، ويعلم الرأي الصواب الذي لا شك فيه، والذي لا تصح ولا تجب مخالفته متجاهلًا القول المأثور: “لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ”.
5- عدم الرغبة في إعادة النظر فيما يؤمن به المتطرفون وهم مخطئون في تقديره، وعدم الموافقة على الحوار والنقاش، وعدم قبول الاستماع للرأي الآخر من أجل التوصل للحق ودفع الباطل، فلا يرى المتطرفون إلا أنفسهم، ولا يسمعون إلا صوتهم، ولا يؤمنون إلا بذاتهم، الأمر الذي يجعل البعض قد ييأس من جدوى نقاشهم والحوار معهم.
6- الاستهانة والسخرية بالمقدسات، والتطاول على الرموز، والطعن في الأصول والثوابت، والتشكيك في الـمُسَلَّمات، واختلاق وإثارة الشبهات، وغير ذلك مما نقرؤه أو نسمعه في حياتنا اليومية بين كل حين وآخر من المتطرفين وأدعياء التجديد، وذلك كالاستهانة والسخرية بالكتب المقدسة، واستخدام الرسوم المسيئة، والطعن في القرآن أو السنة أو إنكارهما، أو الطعن في القرآن وإنكار السنة، وإنكار العقائد الصحيحة، والمعجزات الثابتة، والأصول المتفق عليها، والفرائض المعلومة من الدين بالضرورة، والأخبار المتواترة والمستفيضة، والتطاول على الأنبياء والرموز والقادة والمصلحين، والافتراء والتجني عليهم.
7- الحكم على المخالفين بغير علم، واتهامهم بدون دليل ولا برهان بالجهل والعمالة والخيانة والابتداع والفسق والنفاق والكفر والخروج من الملة وغير ذلك من الاتهامات الباطلة التي يَتَفَوَّه بها المتطرف عمدًا وقصدًا بلا بَيِّنة على صحتها، وبدون وعي بحقيقتها، ولا إحساس بمسئوليتها وتَبِعَتها، هذا بالإضافة إلى ما يصدر عن هؤلاء المتطرفين من التعليقات المعادية للدولة والمجتمع، ورفض أي شكل من أشكال السلطة، والتعبير عن قيم وأفكار المنظمات المتطرفة، والإشادة بها، ومدح رموز التطرف.
8- الإرهاب والترويع والقتل؛ لأنه من عجز عن مجاراة شيء عاداه، ومن جهل شيئًا عابه، وليت الأمر يقف عند حد المعاداة أو المعايبة، بل يتطور ويمتد ليصل إلى إخافة المخالف وترويعه، بل إلى إهدار دمه، وإباحة قتله، واستحلال أمواله وأعراضه، والتخلص منه بزعم ودعوى الجهاد الذي قد لا يعرف عنه إلا اسمه.
9- الخلط بين الأمور، والتباس المفاهيم، وعدم الدقة في الفهم والتقدير، وذلك كعدم التفرقة بين الأصول والفروع، والفروض والنوافل، والثوابت والمتغيرات، وسنن العبادات وأعمال العادات، والغايات والوسائل، والمقاصد والأدوات، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، والصحيح والضعيف، والقطعي والظني، والمتفق عليه والمختلف فيه، والحقيقة والمجاز، والمنطوق والمفهوم، والكفر الأصغر والكفر الأكبر، ونفاق العمل ونفاق العقيدة، وغير ذلك من الثُّنائيّات.
10- إنكار المختلف فيه، وذلك مخالف لما عليه علماء الأمة، حيث يرى أهلُ العلم والرأي أنه ينكر المتفق على إنكاره، ولا ينكر المختلف فيه وما لم يتفق على إنكاره، وذلك في مسائل الخلاف السائغ والمعتبر، وفي فهم الدلالات الظنية، والتي يكون النص فيها حَمَّال أوجه، إذ لا يجوز أن ينكر الإنسان على غيره في المسائل الخلافية والأحكام الاجتهادية إذا أخذ بغير مذهبه، أو قال بغير رأيه، لأنه ليس أحد المذهبين أو القولين بأولى من الآخر.
11- المسارعة إلى التكفير بغير تحقيق ولا برهان، والتعجل في إصدار الأحكام على الناس بدون وعي وبصيرة، والتجرؤ على الفتوى بغير علم، فيرمي المتطرف فلانًا بالخيانة والعمالة، وفلانًا بالجهل والابتداع، وفلانًا بالفسق والفجور، وفلانًا بالكفر والنفاق، ويتألى على الله -عز وجل- بعدم مغفرته للمخالفين لفكره، ويتهم المسلمين بالجاهلية والكفر، ويفتي في أمور الدين بغير علم، ويهذي بما لا يعلم، ويهرف بما يعرف، وذلك منزلق خطير تزل فيه الأقدام، إلا من رحمه الله عز وجل، وعصمه بالعلم والفقه والفهم.