
خطبةُ الجمعةِ القادمةِ: (شَرَفُ الْعَمَلِ وَقِيمَةُ الْإِنْتَاجِ)
د/ مُحمد حرز
إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَافِ
بتاريخ: 26 جماد الأولى 1448هــ – 6 ـنوفمبر 2026م
لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
sarf alaml waqemat alentag
الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ عِمَارَةَ الْكَوْنِ عِبَادَةً وَسُلُوكًا ،الْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَائِلِ في مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ ( سَبَأ 13) ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، الْقَائِلُ كَمَا في حَدِيثِ الْمِقْدَامِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ – عَلَيْهِ السَّلاَمُ – كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ))(رواه البخاري) ؛ فالـلّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وزِدْ وبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ المُخْتَارِ وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ الْأَطْهَارِ الأَخْيَارِ وسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَأَوْصِيكُمْ ونَفْسِي أَيُّهَا الأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 102)عبادَ الله: (شَرَفُ الْعَمَلِ وَقِيمَةُ الْإِنْتَاجِ )) عنوانُ وزارتِنَا وعنوانُ خطبتِنَا .
عناصرُ اللقاءِ:
-
أَوَّلًا: الْإِسْلَامُ دِينُ الْعَمَلِ وَالْبِنَاءِ وَالْإِنْتَاجِ.
-
ثَانِيًا: إِتْقَانُ الْعَمَلِ مَنْهَجٌ قَوِيمٌ وَغَايَةٌ سَامِيَةٌ ، عِبَادَ اللَّهِ!
-
ثَالِثًا وَأَخِيرًا تَشْجِيعُ الْمُنْتَجِ الْوَطَنِيِّ رِفْعَةٌ لِلْمُجْتَمَعَاتِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ شَرَفِ الْعَمَلِ وَقِيمَةِ الْإِنْتَاجِ ، وَخَاصَّةً والْعَمَلُ مِنْ أَسْمَى الْقِيَمِ الْإِنْسَانِيَّةِ، فَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ وَسِيلَةٍ لِكَسْبِ الرِّزْقِ، أَوْ ضَرُورَةٍ تَفْرِضُهَا مَطَالِبُ الْحَيَاةِ بَلْ هُوَ رِسَالَةٌ سَامِيَةٌ تَعْكِسُ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ وَقُدْرَتَهُ عَلَى الْعَطَاءِ وَالْمُشَارَكَةِ فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ، وَمَيْدَانًا مِنْ مَيَادِينِ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَطَرِيقًا مِنْ طُرُقِ عِمَارَةِ الْأَرْضِ، وَتَحْقِيقِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ ، وَخَاصَّةً وإِنَّ نَهْضَةَ الْأَوْطَانِ لَا تَتَحَقَّقُ بِالْأُمْنِيَاتِ وَالشِّعَارَاتِ، وَإِنَّمَا بِسَوَاعِدِ أَبْنَائِهَا وَعُقُولِهِمْ، وَبِالْإِيمَانِ بِأَنَّ كُلَّ جُهْدٍ صَادِقٍ لَهُ قِيمَةٌ، وَكُلَّ عَمَلٍ مُتْقَنٍ هُوَ لَبِنَةٌ فِي بِنَاءِ مُسْتَقْبَلٍ أَفْضَلَ(( فَلْيَكُنْ شِعَارُنَا: الْعَمَلُ شَرَفٌ، وَالْإِنْتَاجُ قُوَّةٌ، وَالْإِتْقَانُ طَرِيقُ النَّجَاحِ))، وخاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَاناً انْتَشَرَ فيهِ التَّسَوُّلُ ومَدُّ الأَيْدِي إلى النَّاسِ بِصُورَةٍ مَخْزِيَةٍ من الرِّجَالِ والشَّبابِ بَلْ وَمِنَ النِّسَاءِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وخاصَّةً وَأَنَّ دِينَنَا الحَنيفَ حَثَّنَا وأَمَرَنَا بالعملِ والسَّعْيِ في الْأَرْضِ طَلَباً لِلرِّزْقِ وطَلَباً لِلْحَلاَلِ وطَالِباً لِعَدَمِ التَّسَوُّلِ وحَذَّرَ من البَطالَةِ وخَطرِهَا على الفَرْدِ والمُجتَمَعِ.
وما نَيْلُ المَطالِبِ بالتَّمَنِّي***ولكنْ تُؤْخَذُ الدُّنْيا غِلاباً
وما استعصَى على قَوْمٍ مَنَالٌ *** إِذا الإِقْدامُ كانَ لَهُمْ رِكاباً
-
أَوَّلًا: الْإِسْلَامُ دِينُ الْعَمَلِ وَالْبِنَاءِ وَالْإِنْتَاجِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: الإسْلامُ دينُ العملِ والاجْتِهَادِ، دِينُ الْبِنَاءِ وَالْإِنْتَاجِ، دينُ النَّشاطِ والحَيَويَّةِ، دينُ الرِّيَادَةِ والعَطَاءِ، دينُ السَّعْيِ في الأَرْضِ بَحْثًا عن الرِّزْقِ وطَلَبًا للحَلالِ، وَلَيْسَ دينَ الكَسَلِ والخُمُولِ، وَلَيْسَ دينَ التسولِ والبطالةِ قَالَ رَبُّنَا : ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾(التوبة:105) ؛ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا أَعْجَبَهُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ: هَلْ لَهُ حِرَفَةٌ؟ فَإِذَا قِيلَ لَهُ: لَا، سَقَطَ مِنْ عَيْنِهِ، فَالمسلمُ ما خُلِقَ ليكونَ عَالَةً، وَلَا ليكونَ نَكِرَةً في الحَيَاةِ، وَلَا ليكونَ عَطَّالًا بَطالًا، بَلْ خُلِقَ لِلْعِبَادَةِ وَالْعَمَلِ، خُلِقَ لِلْإِنْتَاجِ وَ الْبِنَاءِ ، فَالإِسْلامُ يَدْعُو الْمُسْلِمَ لِلْعَمَلِ في دُنْيَاهُ كَمَا لَوْ كَانَ يَعِيشُ أَبَدًا، وَيَعْمَلُ لَآخِرَتِهِ كَأَنَّهُ يَمُوتُ غَدًا، وَالسَّعْيُ في إِتْقَانِ العملِ هُوَ عَيْنُ الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ، لِذَا مَا إِنْ يَتَنَفَّسُ الصَّبَاحُ وَيَبْزُغُ الْفَجْرُ إِلَّا وَتَرَى النَّاسَ يَخْرُجُونَ أَفْوَاجًا لِكَسْبِ الْأَقْوَاتِ وَالْمَعَايِشِ، كُلٌّ يَغْدُو يَأْمَلُ من فَضْلِ اللَّهِ وَعَطَائِهِ، يَغْدُونَ خُمَاصًا، وَيَرُوحُونَ بَطَانًا، مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا وَلَهُ حَاجَةٌ، فَيَسُدُّ اللَّهُ الْخَلَّةَ وَيَقْضِي الْحَاجَةَ، بِمُقْتَضَى عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ تَحَارُ لَهُ عُقُولُ أُولِي الْأَلْبَابِ: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الْمُلْكِ: 14].
وَمِنْ غَاياتِ الإِسلامِ عِمَارَةُ الأَرْضِ قَالَ جَلَّ وَعَلا { {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} } [هُودَ : 61]، وَلَا يَتحَقَّقُ الإِعْمَارُ إِلَّا بِالْعَمَلِ الْجَادِّ ،لِذَا أمَرَنا الإِسلامُ بِالسَّعْيِ، وَكَيْفَ لَا ؟ وَالْعَمَلُ سَرُّ الْبَقَاءِ وَرُوحُ النَّمَاءِ وَأَسَاسُ الْبُنَاءِ قَالَ جَلَّ وَعَلَا :{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الْمَلَكِ : 15]
وَكَيْفَ لَا؟ وَالْعَمَلُ فِي الْإِسْلَامِ لَهَا مَكَانَةٌ كَبِيرَةٌ وَمَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ، فَبِالْعَمَلِ يَنَالُ الْإِنْسَانُ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ، وَهُوَ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ لِلَّهِ، وَامْتِثَالٌ لِأَمْرِهِ، وَسَبِيلٌ إِلَى رِضَاهُ، فَالْإِسْلَامُ يَحُثُّ عَلَى الْعَمَلِ وَيَدْعُو إِلَى الْإِتْقَانِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهِ، وَيَرْفَعُ مِنْ قَدْرِ الْعَامِلِ الْمُجْتَهِدِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ الْعَامِلَةَ الْمُخْلِصَةَ تُسْهِمُ فِي بِنَاءِ الْوَطَنِ وَتَقَدُّمِ الْمُجْتَمَعِ، وعَنْ طَرِيقِهِ تَقُومُ الْحَيَاةُ، وَتَعْمُرُ الدِّيَارُ، وَتَزْدَهِرُ الْأَوْطَانُ، وَيَحْدُثُ الْاِسْتِقْرَارُ، أَمَرَ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَقَالَ:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الْجُمُعَةِ: 10] قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ الْآيَةِ: رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: مَن بَاعَ وَاشْتَرَى فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ مَرَّةً
وَكَيْفَ لَا؟ وَالْإِسْلَامُ اعْتَبَرَ الْعَمَلَ جِهَادًا وَالْكَسْبَ وَالِاحْتِرَافَ عِبَادَةً دِينِيَّةً،، لَذَا رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ رَأَوْا شَابًّا قَوِيًّا يُسْرِعُ إِلَى عَمَلِهِ، فَقَالُوا: لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، رَدَّ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعَاجِمِهِ الثَّلَاثَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَرَأَى أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من جلَدِهِ ونشاطِهِ فقالوا: يا رسولَ اللهِ لو كان هذا في سبيلِ اللهِ؟! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ:” إنْ كانَ خَرَجَ يَسْعَى على وُلْدِهِ صِغارًا فَهُوَ في سَبِيل اللَّهِ ،وإنْ كانَ خَرَجَ يَسْعَى على أبوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ في سَبِيلِ اللَّهِ ،وإنْ كانَ خَرَجَ يَسْعَى على نَفْسِهِ يُعِفُّها فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ،وإنْ كانَ خَرَجَ يَسْعَى رِياءً وَمُفاخَرَةً فَهُوَ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ)).
وَكَيْفَ لَا؟ وَاللَّهُ جَعَلَ الْعَمَلَ سُنَّةَ أَنبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ بِالرَّغْمِ مِنْ انشِغَالِهِمْ بِالدُّعْوَةِ إِلَى اللَّـهِ وَتَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ إِلَى أُمَمِهِمْ وَأَقْوَامِهِمْ، فَلِكُلٍّ مِنْهَا مِهْنَةٌ وَحِرْفَةٌ بَرَعَ فِيهَا وَأَخْلَصَ فِيهَا فَنَفَعَ نَفْسَهُ وَنَفَعَ مُجْتَمَعَهُ بَلْ وَمِنْ خِلَالِهَا بِأَمَانَتِهِ وَأَخْلَاقِهِ بَدَأَ دَعْوَتَهُ مِنْ خِلَالِ مِهْنَتِهِ وَكَأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ لِلدُّعْوَةِ إِلَى اللَّـهِ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ سُبْحَانَهُ:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾(الفرقان: 20) لِذَا عَمِلَ آدَمُ بِالزِّرَاعَةِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بَزَّازًا، وَنُوحٌ نَجَّارًا وَكَذَا زَكَرِيَّا، وَكَانَ لُقْمَانُ خَيَّاطًا وَكَذَا إِدْرِيسُ، وَكَانَ مُوسَى رَاعِيًا، وَقَدْ أَخْبَرَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ – صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِرَعْيِ الْأَغْنَامِ، حَيْثُ يَقُولُ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ – عَنْ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ : مَا بَعَثَ اللَّـهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ ».
فَقَالَ أَصْحَابُهُ وَأَنْتَ فَقَالَ:« نَعَمْ كُنتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ ” كَمَا كَانَ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَخْرُجُ إِلَى الشَّامِ لِلَّاتِّجَارِ بِمَالِ خَدِيجَةَ – رَضِيَ اللَّـهُ تَعَالَى عَنْهَا وَأَرْضَاهَا، بَلْ يُبَثُّ فِينَا صلى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُوحَ الأَمَلِ وَالْعَمَلِ، فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّـهِ -صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ– إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ )) وَقَدْ سُئِلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَوْمًا: دُلِّنِي عَلَى عَمَلِ الْأَبْطَالِ؟ فَقَالَ: كَسْبُ الْحَلَالِ وَالْإِنْفَاقُ عَلَى الْعِيَالِ. وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَةَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ الزُّبَيْدِيِّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ : مَا كَسَبَ الرَّجُلُ كَسْبًا أَطْيَبَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَمَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ))
بِقَدْرِ الْكَدِّ تُكْتَسَبُ المعَالِي *** ومَنْ طَلبَ العُلا سَهرَ اللَّيالِي
ومَنْ طلبَ العُلا مِن غيرِ كَدٍّ *** أَضَاعَ العُمْرَ في طلبِ الْمُحَالِ
وَكَيْفَ لَا؟ ولقد رَبَّى النَّبِيُّ ﷺ صَحابَتَهُ الكِرَامَ عَلَى الجَدِّ والاجْتِهادِ والعَمَلِ والِاحْتِرافِ مِنْ أَجْلِ البِنَاءِ والتَّعْمِيرِ، فَكانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمْ مِهْنَةٌ يَتَكَسَّبُ بِهَا؛ فَهَذا أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ كان تَاجِرَ أَقْمِشَةٍ، وَكان عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ دَلَّالًا، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ تُجَّارًا، كَما كانَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ خَيَّاطًا، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ نَبَّالًا أَي يُصنِعُ النِّبَالَ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ جَزَّارًا، وَخَبَّابُ بْنُ الأَرْتِ حَدَّادًا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَاعِيًا، وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ كَانَا خَادِمَيْنِ، وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ كان حَلَّاقًا وَمُؤَبِّرًا لِلنَّخْلِ، وَخَبِيرًا بِفُنُونِ الْحَرْبِ، وَعَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَامِلًا. فَالْعَمَلُ عِبَادَةٌ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الْعِبَادَةِ لَذَا رَوَى إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَحَدُهُمَا بَيَّاعًا فَإِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ فَإِن كَانَ الْمِيزَانُ بِيَدِهِ طَرَحَهُ وَلَا يَضَعْهُ وَضْعًا، وَإِن كَانَ بِالْأَرْضِ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَكَانَ الْآخَرُ قَيِّنًا يَعْمَلُ السُّيُوفَ لِلْتِجَارَةِ، فَكَانَ إِذَا كَانَتْ مَطْرَقَتُهُ عَلَى السِّنْدَانِ أَبْقَاهَا مَوْضُوعَةً، وَإِن كَانَ قَدْ رَفَعَهَا أَلْقَاهَا مِن وَرَاءِ ظَهْرِهِ إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ، فَأَنزَلَ اللَّهُ ثَنَاءً عَلَيْهِمَا وَعَلَى كُلِّ مَنِ اقْتَدَى بِهُمَا قَالَ تَعَالَى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 37].
وَكَيْفَ لَا؟ واحْتِقَارُ مِهْنَةٍ مِنَ المِهَنْ الْمَشْرُوعَةِ دَاءٌ اجْتِمَاعِيٌّ خَطِيرٌ ، وَوَبَاءٌ خُلْقِيٌّ كَبِيرٌ مَا فَشَا فِي أُمَّةٍ إِلَّا كَانَ نَذِيرًا لِهَلَاكِهَا ، وَمَا دَبَّ فِي أُسْرَةٍ إِلَّا كَانَ سَبَبًا لِفَنَائِهَا ، فَهُوَ مَصْدَرٌ لِلْكُلِّ عَدَاءٍ وَيَنْبُوعٌ لِلْكُلِّ شَرٍّ وَتَعَاسَةٍ ، وَالتَّسَوُّلُ آفَةٌ مِنْ آفَاتِ الإِنْسَانِ ، مَدْخَلٌ كَبِيرٌ لِلشَّيَاطِينِ ، مُدَمِّرٌ لِلْقَلْبِ وَالْأَرْكَانِ ، يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ وَالْإخْوَةِ ، يُحَرِّمُ صَاحِبَهُ : الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ ، وَيُدْخِلُهُ النِّيرَانَ ، وَيُبْعِدُهُ عَنْ الْجِنَانِ ، فَالْبُعْدُ عَنْهُ خَيْرٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. فَإِيَّاكُمْ وَاحْتِقَارَ أَيَّةِ حِرْفَةٍ مِنَ الحِرَفِ الَّتِي لَا تَتَعَارَضُ مَعَ الشَّرِيعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ الغِرَاءِ.
لَذَا حَارَبَ الإِسْلَامُ الْبَطَالَةَ وَالْكَسَلَ وَالتَّسَوُّلَ وَدَعَا إِلَى الإِنْتَاجِ وَالْعَمَلِ , وَأَبَى الإِسْلَامُ أَنْ يَكُونَ أَتْبَاعُهُ عَالَةً عَلَى النَّاسِ، يَتَسَوَّلُونَ خُبْزَ طَعَامِهِم، وَمَلَابِسَ لِسَتْرِ عَوْرَاتِهِم، وَيَنْتَظِرُونَ سَلَّةَ إِغَاثَتِهِم، بَل وَرَفَضَ الإِسْلَامُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ مَكْسُورَ الْجَنَاحِ، يَطْعَمُهُ وَيَسْقِيهِ غَيْرُهُ، وَيَنْتَظِرُ الْمَعُونَةَ مِنْ هُنَا وَهُنَاكَ، فَهَا هُوَ سَيِّدُ الْعَامِلِينَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْبَى أَنْ يُعْطِيَ شَابًّا مُتَسَوِّلًا شَيْئًا بَل قَالَ لَهُ:(اِذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا(، فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ( رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
لَذَا نَجِدُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو إِلَى الْعَمَلِ وَالِاحْتِرَافِ خَيْرًا مِنَ الْمَسْأَلَةِ فَعَنْ الزُّبَيْرِ ابْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحَزْمَةٍ مِنَ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيُكَفِّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ: أَعْطُوهُ أَوْ مَنَعُوهُ (( (البخاري) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا قِلَّةً)؛ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَلَا فَتَحَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ يَسْأَلُ النَّاسَ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ)) (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. أَمَّا عِقَابُ الْمَتَسَوِّلِ بَعْدَ الْحِسَابِ، فَهُوَ الْجَمْرُ، يَا رَبِّ سَلِّمْ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا فَإنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ»؛ رواه مسلم
الْيَدُ السَّفْلَى وَالتَّسَوُّلُ قَدْ كَثُرَ فِي أَوْطَانِنَا لِذَا يَجِبُ تَحْفِيزُهَا عَلَى الْدَّوَامِ لِتَكُونَ عُلْيَا بِالْعَطَاءِ وَالْعَرَقِ وَالْعَمَلِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ: “الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السَّفْلَى، فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ، وَالسَّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ” (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). وَطَالِبُ الْعَفَافِ مِنْ رَبِّهِ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ سَيُغْنِيهِ اللَّهُ بَيْقِينِهِ، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: (إنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ، سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِندَهُ، فَقَالَ: “مَا يَكُونُ عِندَي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنكُمْ، وَمَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ” رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
لَنْقُلَ الصَّخْرَ مِنْ قِمَمِ الْجِبَالِ *** أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِنَنِ الرِّجَالِ
يَقُولُ النَّاسُ لِي في الْكَسْبِ عَارٌ *** فَقُلْتُ الْعَارُ في ذِلِّ السُّؤالِ
-
ثَانِيًا: إِتْقَانُ الْعَمَلِ مَنْهَجٌ قَوِيمٌ وَغَايَةٌ سَامِيَةٌ ، عِبَادَ اللَّهِ!
أَيُّهَا السَّادَةُ: الْإِتْقَانُ مَنْهَجٌ قَوِيمٌ وَغَايَةٌ سَامِيَةٌ يَقْصِدُهَا الشَّرْعُ الْحَكِيمُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الْمُلْكِ: 2]، وَلَمْ يَقُلْ: أَكْثَرَ عَمَلًا، بَلْ أَحْسَنَ عَمَلًا؛ فَكَأَنَّهُ يَلْفِتُ أَنْظَارَنَا إِلَى قَضِيَّةِ الْإِتْقَانِ، وَلَيْسَ إِلَى الْكَمِّ. وَكَيْفَ لَا؟ وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا وَعَدَ الْمُحْسِنِينَ بِالْأَجْرِ الْعَظِيمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 195]، بَلْ وَعَدَ سُبْحَانَهُ بِحِفْظِ أَجْرِ الْمُحْسِنِينَ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الْكَهْفِ: 30]، تَحْفِيزًا لَهُمْ وَتَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الْإِحْسَانِ وَالْإِتْقَانِ.
وَكَيْفَ لَا؟ وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَأَتْقَنَهُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ، إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النَّمْلِ: 88]. فَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا صَنَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْكَوْنِ بِإِتْقَانٍ؛ فَلَوْ نَظَرْتَ إِلَى السَّمَاءِ وَارْتِفَاعِهَا فَإِتْقَانٌ، بَلِ انْظُرْ إِلَى الْأَرْضِ وَاتِّسَاعِهَا فَإِتْقَانٌ، انْظُرْ إِلَى النُّجُومِ وَمَدَارِهَا فَإِتْقَانٌ، انْظُرْ إِلَى الْبِحَارِ وَأَمْوَاجِهَا فَإِتْقَانٌ، انْظُرْ إِلَى الْجِبَالِ وَارْتِفَاعِهَا فَإِتْقَانٌ مَا بَعْدَهُ إِتْقَانٌ! اللَّهُ أَكْبَرُ. بَلْ لَوْ نَظَرْتَ إِلَى نَفْسِكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ لَرَأَيْتَ عَجَبًا عُجَابًا؛ خَلَقَكَ فَأَحْسَنَ خَلْقَكَ، وَصَوَّرَكَ فَأَحْسَنَ تَصْوِيرَكَ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.
قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 6]، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 14]. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غَافِرٍ: 64].
والْإِتْقَانُ مَنْهَجُ حَيَاةٍ وَسُنَّةُ كَوْنيةٌ؛ بِهِ تَنْتَظِمُ الْأُمُورُ، وَتَسْتَقِيمُ الْأَحْوَالُ، وَتَبْلُغُ الْأَعْمَالُ غَايَاتِهَا فِي الْكَمَالِ، فَهُوَ الْمِيزَانُ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ قِيمَةُ الْإِنْسَانِ، وَالْمِعْيَارُ الَّذِي تُقَاسُ بِهِ حَضَارَةُ الْأُمَمِ؛ إِذْ لَا قِيَامَ لِعُمْرَانٍ، وَلَا ازْدِهَارَ لِحَضَارَةٍ، إِلَّا إِذَا قَامَتْ عَلَى أَكْتَافِ أُنَاسٍ يُحْسِنُونَ مَا يَعْمَلُونَ، وَيُؤَدُّونَ مَا أُسْنِدَ إِلَيْهِمْ بِإِخْلَاصٍ وَإِحْكَامٍ. وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ دَعْوَةٌ صَرِيحَةٌ إِلَى إِتْقَانِ الْعَمَلِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا حِكَايَةً عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الْكَهْفِ: 95]، فَفِي هَذَا النَّصِّ دَلَالَةٌ عَلَى حُسْنِ التَّخْطِيطِ وَالْإِتْقَانِ فِي الْبِنَاءِ وَالْعَمَلِ وَالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ. وَفِي قِصَّةِ بِلْقِيسَ -عَلَيْهَا السَّلَامُ- كَانَ الْإِتْقَانُ مِنْ أَسْبَابِ تَدَبُّرِهَا وَهِدَايَتِهَا إِلَى الْإِيمَانِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ [النَّمْلِ: 44]، فَفِي هَذِهِ الْمَشْهَدِ دَلَالَةٌ عَلَى دِقَّةِ الصِّنَاعَةِ وَإِحْكَامِ الْبِنَاءِ وَإِبْهَارِ الْمُلْكِ، حَتَّى قَادَهَا ذَلِكَ إِلَى التَّفَكُّرِ وَالتَّسْلِيمِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ((قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} [النمل: ٤٤].
وَالْإِتْقَانُ في العملِ سَبَبٌ لِنُهُوضِ الْأُمَمِ مِنْ سُبَاتِهَا، وَتَقَدُّمِهَا بَعْدَ تَخَلُّفِهَا… فَكَمْ مِنْ أُمَمٍ تَقَدَّمَتْ بِسَبَبِ إِتْقَانِهَا لِلْعَمَلِ؟ وَكَمْ مِنْ أُمَمٍ تَأَخَّرَتْ بِسَبَبِ عَدَمِ إِتْقَانِهَا لِلْعَمَلِ؟ فَالْإِتْقَانُ مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ، وَوَاجِبٌ وَطَنِيٌّ، وَعَمَلٌ إِنْسَانِيٌّ، وَمَسْؤُولِيَّةٌ مُجْتَمَعِيَّةٌ، وَمَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ؛ الْكُلُّ مُطَالَبٌ بِهِ، وَالْكُلُّ مُحَاسَبٌ عَنْهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لِمَنْ فَرَّطَ وَأَهْمَلَ وَاسْتَبَاحَ. قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَنْفَالِ: 27].
وَمِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَاتِ: الْإِتْقَانُ فِي الْعَمَلِ؛ وَالْإِتْقَانُ صِفَةٌ نَبِيلَةٌ، وَغَايَةٌ سَامِيَةٌ، وَخُلُقٌ عَظِيمٌ مِنْ أَخْلَاقِ الدِّينِ، وَمَبْدَأٌ كَرِيمٌ مِنْ مَبَادِئِ الْإِسْلَامِ، وَشِيمَةُ الْأَبْرَارِ الْمُحْسِنِينَ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَمَرَنَا بِهَا الدِّينُ، وَتَخَلَّقَ بِهَا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَكَيْفَ لَا؟ وَالْإِتْقَانُ وَالْجَوْدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خُلُقٌ إِسْلَامِيٌّ رَفِيعٌ، اتَّصَفَ بِهِ الْخَالِقُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي إِحْكَامِهِ وَإِتْقَانِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَدَعَا إِلَيْهِ النَّبِيُّ الْأَمِينُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أَحَادِيثِهِ الشَّرِيفَةِ، وَطَبَّقَهُ وَاقِعًا مَلْمُوسًا فِي حَيَاتِهِ، فِي عِبَادَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ وَكُلِّ أَعْمَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَكَانَتْ حَيَاتُهُ تَتَجَلَّى فِيهَا أَعْلَى صُوَرِ الْإِتْقَانِ وَالْإِحْسَانِ.
وَمِنْ مَوَاقِفِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي تَعْلِيمِ أُمَّتِهِ أَهَمِّيَّةَ الْإِتْقَانِ فِي الْعَمَلِ، مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي».
وَكَيْفَ لَا؟ وَالْمُتْقِنُ لِعَمَلِهِ يُحِبُّهُ اللَّهُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 195]. وَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ». فاللهَ اللهَ في العملِ، اللهَ اللهَ في السعيِ والاجتهادِ، اللهَ اللهَ في رفعةِ الأوطانِ بالعملِ والجدِّ والانتاجِ، اللهَ اللهَ في إتقانِ العملِ، ، اللهَ اللهَ في أكل الحلالِ .
وَبَحَثْتُ عَنْ سِرِّ السَّعَادَةِ جَاهِدًا *****فَوَجَدْتُ هَذَا السِّرَّ فِي تَقْوَاكَا
فَلْيَرْضَ عَنْي النَّاسُ أَوْ فَلْيَسْخَطُوا *****أَنَا لَمْ أَعُدْ أَسْعَى لِغَيْرِ رِضَاكَا
بارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ
-
ثَالِثًا وَأَخِيرًا تَشْجِيعُ الْمُنْتَجِ الْوَطَنِيِّ رِفْعَةٌ لِلْمُجْتَمَعَاتِ.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف