خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
22 أكتوبر، 2026
خطب منبرية

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِلِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
« الذَّوْقُ الْعَامُّ .. رُقِيُّ السُّلُوكِ وَجَمَالُ الْأَخْلَاقِ »
الْمُوَافِقُ: الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى 1448هـ – الثَّالِثَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ أُكْتُوبَرَ 2026م
لتحميل الخطبة يرجى الضغط على الرابط التالي:
عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ
أَوَّلًا: مَفْهُومُ الذَّوْقِ الْعَامِّ وَمَكَانَتُهُ فِي الْإِسْلَامِ.
ثَانِيًا: عِنَايَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِآدَابِ السُّلُوكِ الْعَامِّ.
ثَالِثًا: هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي رُقِيِّ التَّعَامُلِ وَجَمَالِ الذَّوْقِ.
رَابِعًا: مَظَاهِرُ غِيَابِ الذَّوْقِ الْعَامِّ وَأَثَرُهَا عَلَى الْمُجْتَمَعِ وَالْوَطَنِ.
خَامِسًا: سُبُلُ تَرْسِيخِ الذَّوْقِ الْعَامِّ، وَالرَّسَائِلُ الَّتِي نُرِيدُ أَنْ نُوَصِّلَهَا.
الخطبة الثانية
نَمَاذِجُ مُشْرِقَةٌ مِنْ رُقِيِّ الذَّوْقِ عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ
الْخُطْبَةُ الْأُولَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: إِنَّ حَضَارَةَ الْأُمَمِ لَا تُقَاسُ بِنَاطِحَاتِ سَحَابِهَا وَحْدَهَا، وَلَا بِمَا تَمْلِكُهُ مِنْ ثَرْوَةٍ وَعِمْرَانٍ، وَإِنَّمَا تُقَاسُ أَيْضًا بِرُقِيِّ سُلُوكِ أَبْنَائِهَا، وَجَمَالِ ذَوْقِهِمْ فِي تَعَامُلِهِمْ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ؛ فَكَمْ مِنْ أُمَّةٍ بَهَرَتِ الدُّنْيَا بِعِمْرَانِهَا، وَفَضَحَهَا سُوءُ ذَوْقِ أَبْنَائِهَا! وَإِنَّ دِينَنَا الْحَنِيفَ جَاءَ لِيَصْنَعَ الْإِنْسَانَ الرَّاقِيَ قَبْلَ أَنْ يَصْنَعَ الْعُمْرَانَ.
أَوَّلًا: مَفْهُومُ الذَّوْقِ الْعَامِّ وَمَكَانَتُهُ فِي الْإِسْلَامِ
الذَّوْقُ الْعَامُّ – عِبَادَ اللَّهِ – هُوَ مَجْمُوعَةُ الْآدَابِ وَالسُّلُوكِيَّاتِ الَّتِي تَحْفَظُ كَرَامَةَ الْآخَرِينَ وَمَشَاعِرَهُمْ فِي الْأَمَاكِنِ وَالْمَوَاقِفِ الْعَامَّةِ، وَهُوَ لَيْسَ تَرَفًا اجْتِمَاعِيًّا دَخِيلًا عَلَى دِينِنَا، بَلْ هُوَ لُبُّ الْأَخْلَاقِ الَّتِي بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِتْمَامِهَا، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ. فَالْإِسْلَامُ دِينُ الذَّوْقِ الرَّفِيعِ فِي كُلِّ تَفْصِيلَةٍ مِنْ تَفَاصِيلِ الْحَيَاةِ: فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ، وَفِي الْحَدِيثِ وَالِاسْتِمَاعِ، وَفِي الطَّرِيقِ وَالْمَجْلِسِ.
وَقَدْ رَبَطَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ؛ فَلَيْسَ الذَّوْقُ الرَّفِيعُ زِينَةً خَارِجِيَّةً، بَلْ هُوَ ثَمَرَةٌ طَبِيعِيَّةٌ لِإِيمَانٍ صَادِقٍ يَسْكُنُ الْقَلْبَ، فَإِذَا رَقَّ الْقَلْبُ رَقَّ السُّلُوكُ، وَإِذَا غَلُظَ الْقَلْبُ غَلُظَ التَّعَامُلُ.
وَمِنْ أَجْمَلِ مَا يُرْوَى فِي رُقِيِّ ذَوْقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعَامُلِهِ الْيَوْمِيِّ: مَا رَوَاهُ خَادِمُهُ سَيِّدُنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِذْ قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، فَوَاللَّهِ مَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ: أَلَا فَعَلْتَهُ؟ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَالدَّرْسُ الْإِيمَانِيُّ هُنَا: أَنَّ رُقِيَّ الذَّوْقِ الْحَقِيقِيَّ يَظْهَرُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ أَقْرَبِ النَّاسِ وَأَضْعَفِهِمْ – كَالْخَادِمِ – لَا مَعَ الْوُجَهَاءِ وَأَصْحَابِ الْمَكَانَاتِ فَقَطْ؛ فَعَشْرُ سِنِينَ كَامِلَةً لَمْ يَسْمَعْ فِيهَا أَنَسٌ كَلِمَةَ تَأْنِيبٍ وَاحِدَةً، وَهَذَا مِنْ أَرْقَى صُوَرِ الذَّوْقِ الَّتِي عَرَفَهَا التَّارِيخُ.
ثَانِيًا: عِنَايَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِآدَابِ السُّلُوكِ الْعَامِّ
وَلْنَقِفْ – سَادَتِي الْكِرَامَ – مَعَ وَصِيَّةِ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ لِابْنِهِ، وَهِيَ مِنْ أَبْدَعِ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي آدَابِ الذَّوْقِ الْعَامِّ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَاكِيًا عَنْهُ: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 19]. فَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ تَجْمَعُ أَدَبَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنْ آدَابِ الذَّوْقِ: الِاعْتِدَالُ فِي الْمِشْيَةِ فَلَا خُيَلَاءَ وَلَا تَبَاطُؤَ مُتَصَنَّعَ، وَخَفْضُ الصَّوْتِ فَلَا صُرَاخَ وَلَا ضَجِيجَ يُؤْذِي مَنْ حَوْلَنَا؛ وَالدَّرْسُ الْإِيمَانِيُّ هُنَا: أَنَّ تَرْبِيَةَ الْأَبْنَاءِ عَلَى الذَّوْقِ الرَّفِيعِ مَسْؤُولِيَّةٌ تَبْدَأُ مِنَ الْبَيْتِ، كَمَا بَدَأَهَا لُقْمَانُ مَعَ ابْنِهِ.
وَمِنْ عَجِيبِ وَصْفِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لِعِبَادِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُمْ أَهْلُ ذَوْقٍ رَفِيعٍ فِي تَعَامُلِهِمْ مَعَ سَفَاهَةِ السُّفَهَاءِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى يَصِفُ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72]. فَالدَّرْسُ الْإِيمَانِيُّ هُنَا: أَنَّ رُقِيَّ الذَّوْقِ يَظْهَرُ أَكْثَرَ مَا يَظْهَرُ فِي لَحَظَاتِ الِاسْتِفْزَازِ، لَا فِي لَحَظَاتِ الرَّخَاءِ؛ فَمَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْإِسَاءَةِ فَقَدْ بَلَغَ ذِرْوَةَ الذَّوْقِ وَالْأَدَبِ.
وَمِنْ آدَابِ الذَّوْقِ الْعَامِّ الَّتِي أَصَّلَهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَيْضًا: غَضُّ الْبَصَرِ فِي الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ صِيَانَةً لِلْأَعْرَاضِ وَاحْتِرَامًا لِلْآخَرِينَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30]. فَالدَّرْسُ الْإِيمَانِيُّ هُنَا: أَنَّ الذَّوْقَ الرَّفِيعَ لَيْسَ فِي الْمَظْهَرِ وَحْدَهُ، بَلْ يَبْدَأُ مِنْ ضَبْطِ النَّظْرَةِ وَالنَّفْسِ قَبْلَ ضَبْطِ الْحَرَكَةِ وَالْكَلِمَةِ، وَأَنَّ الزَّكَاءَ الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ غَاضِّي الْأَبْصَارِ يَشْمَلُ طَهَارَةَ الْقَلْبِ وَرُقِيَّ السُّلُوكِ مَعًا.
ثَالِثًا: هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي رُقِيِّ التَّعَامُلِ وَجَمَالِ الذَّوْقِ
وَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِمَّةَ السَّامِقَةَ فِي رُقِيِّ الذَّوْقِ وَحُسْنِ التَّعَامُلِ، وَمِنْ أَبْدَعِ مَا يُرْوَى فِي ذَلِكَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَالدَّرْسُ الْإِيمَانِيُّ هُنَا بَالِغُ الْأَهَمِّيَّةِ: أَنَّ تَقْوِيمَ سُلُوكِ الْمُخْطِئِ لَا يَكُونُ بِالْفَظَاظَةِ وَلَا بِإِحْرَاجِهِ أَمَامَ النَّاسِ، بَلْ بِالرِّفْقِ الَّذِي يُصْلِحُ الْخَطَأَ دُونَ أَنْ يَكْسِرَ صَاحِبَهُ؛ فَهَذَا هُوَ عَيْنُ الذَّوْقِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ أَخْطَاءِ النَّاسِ.
وَمِنْ آدَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا فِي نَظَافَةِ الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ: نَهْيُهُ عَنِ الْبَصْقِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ فَجَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجَرَّدَ الِاسْتِهَانَةِ بِنَظَافَةِ الْمَكَانِ الْعَامِّ خَطِيئَةً تُكَفَّرُ، تَرْبِيَةً لِلْمُسْلِمِ عَلَى احْتِرَامِ الْمَرَافِقِ الْمُشْتَرَكَةِ. وَمِنْ لَطِيفِ تَوَاضُعِهِ فِي الْمَجْلِسِ: مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَجْلِسَ جَلَسَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. فَالدَّرْسُ الْإِيمَانِيُّ هُنَا: أَنَّ رُقِيَّ الذَّوْقِ يَظْهَرُ فِي التَّوَاضُعِ وَتَرْكِ التَّزَاحُمِ عَلَى الصُّدُورِ وَأَمَاكِنِ الصَّدَارَةِ.
وَمِنْ آدَابِ الطَّعَامِ الَّتِي عَلَّمَنَا إِيَّاهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: النَّهْيُ عَنِ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَعَلَّمَنَا أَدَبَ كَظْمِ التَّثَاؤُبِ أَمَامَ النَّاسِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَالدَّرْسُ الْإِيمَانِيُّ هُنَا: أَنَّ الدِّينَ اهْتَمَّ حَتَّى بِأَدَقِّ تَفَاصِيلِ السُّلُوكِ الْعَامِّ الَّتِي قَدْ يَظُنُّهَا بَعْضُ النَّاسِ تَوَافِهَ لَا تَسْتَحِقُّ الِاهْتِمَامَ، لِأَنَّ الدِّينَ الْحَقَّ يَبْنِي الْإِنْسَانَ مِنْ أَصْغَرِ تَفَاصِيلِهِ.
رَابِعًا: مَظَاهِرُ غِيَابِ الذَّوْقِ الْعَامِّ وَأَثَرُهَا عَلَى الْمُجْتَمَعِ وَالْوَطَنِ
عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ أَصْبَحْنَا نَرَى فِي وَاقِعِنَا صُوَرًا مُؤْلِمَةً مِنْ غِيَابِ الذَّوْقِ الْعَامِّ؛ مِنْ إِلْقَاءِ الْقُمَامَةِ فِي الطُّرُقَاتِ، إِلَى رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ، إِلَى التَّدْخِينِ فِي وَجْهِ الْمَارَّةِ، إِلَى سُوءِ التَّعَامُلِ فِي الطَّوَابِيرِ وَوَسَائِلِ الْمُوَاصَلَاتِ، إِلَى الْجَدَلِ الْفَظِّ عَلَى وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ؛ وَكُلُّ هَذِهِ الصُّوَرِ لَيْسَتْ تَفَاصِيلَ هَامِشِيَّةً، بَلْ هِيَ مِقْيَاسٌ دَقِيقٌ لِمَدَى تَحَضُّرِ الْمُجْتَمَعِ وَصِدْقِ انْتِمَاءِ أَبْنَائِهِ لِوَطَنِهِمْ؛ فَإِنَّ مَنْ يُشَوِّهُ شَوَارِعَ وَطَنِهِ بِسُوءِ ذَوْقِهِ إِنَّمَا يُسِيءُ إِلَى صُورَةِ وَطَنِهِ أَمَامَ نَفْسِهِ وَأَمَامَ الْعَالَمِ.
وَمِنْ أَخْطَرِ مَا نُشَاهِدُهُ فِي زَمَانِنَا: تَحَوُّلُ مَنَصَّاتِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ إِلَى سَاحَةٍ لِلسِّبَابِ وَالتَّجْرِيحِ تَحْتَ سِتَارِ حُرِّيَّةِ الرَّأْيِ، حَتَّى صَارَ بَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ الْجُرْأَةَ فِي الْإِسَاءَةِ شَجَاعَةٌ، وَأَنَّ الْأَدَبَ فِي الْحِوَارِ ضَعْفٌ! وَهَذَا قَلْبٌ لِلْمَوَازِينِ خَطِيرٌ؛ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}، وَلَمْ يَقُلْ: رَدُّوا بِمِثْلِهِمْ؛ فَأَدَبُ الْحِوَارِ وَلَوْ خَلْفَ الشَّاشَاتِ لَيْسَ تَرَفًا، بَلْ هُوَ امْتِدَادٌ لِلذَّوْقِ الْعَامِّ فِي الْفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ كَمَا هُوَ فِي الْفَضَاءِ الْوَاقِعِيِّ.
وَمِنْ مَظَاهِرِ غِيَابِ الذَّوْقِ أَيْضًا: عَدَمُ احْتِرَامِ أَوْقَاتِ النَّاسِ بِالتَّأَخُّرِ عَنِ الْمَوَاعِيدِ دُونَ عُذْرٍ، وَإِزْعَاجُ الْآخَرِينَ بِالِاتِّصَالَاتِ وَالرَّسَائِلِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهَا الْمُنَاسِبَةِ، وَالتَّدْخِينُ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُغْلَقَةِ دُونَ مُرَاعَاةٍ لِمَنْ حَوْلَهُ مِمَّنْ يَتَأَذَّى بِذَلِكَ؛ وَكُلُّ هَذِهِ الصُّوَرِ وَإِنْ بَدَتْ يَسِيرَةً فِي نَظَرِ فَاعِلِهَا، إِلَّا أَنَّهَا تَتَرَاكَمُ فِي نُفُوسِ الْمُتَضَرِّرِينَ مِنْهَا حَتَّى تُوَلِّدَ شُعُورًا عَامًّا بِقِلَّةِ الِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ الْوَاحِدِ.
وَإِنَّنَا إِذَا تَأَمَّلْنَا هَذِهِ الصُّوَرَ مُجْتَمِعَةً، أَدْرَكْنَا أَنَّ غِيَابَ الذَّوْقِ الْعَامِّ لَيْسَ قَضِيَّةً جَمَالِيَّةً سَطْحِيَّةً كَمَا يَظُنُّ الْبَعْضُ، بَلْ هُوَ مُؤَشِّرٌ عَلَى تَرَاجُعِ الْوَازِعِ الدِّينِيِّ وَالضَّمِيرِ الْجَمْعِيِّ مَعًا؛ فَالْإِنْسَانُ الَّذِي يَسْتَحْضِرُ مُرَاقَبَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْذِيَ جَارَهُ بِصَوْتِهِ، وَلَا أَنْ يُلَوِّثَ شَارِعَهُ بِيَدِهِ، وَلَا أَنْ يَظْلِمَ أَخَاهُ فِي دَوْرِهِ؛ فَتَرْبِيَةُ التَّقْوَى فِي الْقَلْبِ هِيَ الْأَسَاسُ الَّذِي يُثْمِرُ رُقِيَّ السُّلُوكِ فِي الظَّاهِرِ، وَمِنْ هُنَا كَانَتْ عِنَايَةُ الْإِسْلَامِ بِالْقَلْبِ سَابِقَةً عَلَى عِنَايَتِهِ بِالسُّلُوكِ، لِأَنَّ السُّلُوكَ ثَمَرَةٌ وَالْقَلْبَ أَصْلٌ.
وَقَدْ أَحْسَنَ أَمِيرُ الشُّعَرَاءِ أَحْمَدُ شَوْقِي رَحِمَهُ اللَّهُ حِينَ قَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
إِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ ** فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا
فَهَذَا الْبَيْتُ يُلَخِّصُ حَقِيقَةً عَظِيمَةً: أَنَّ بَقَاءَ الْأُمَمِ رَهْنٌ بِأَخْلَاقِهَا وَرُقِيِّ سُلُوكِ أَبْنَائِهَا، لَا بِمَا تَمْلِكُهُ مِنْ مَالٍ أَوْ عَدَدٍ؛ فَإِذَا تَخَلَّتِ الْأُمَّةُ عَنْ ذَوْقِهَا وَأَخْلَاقِهَا، فَقَدْ آذَنَتْ بِزَوَالِ مَكَانَتِهَا وَإِنْ بَقِيَتْ أَسْمَاؤُهَا.
خَامِسًا: سُبُلُ تَرْسِيخِ الذَّوْقِ الْعَامِّ
وَمِنْ أَجْمَلِ مَا يُرْشِدُنَا إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ: أَنَّ مِنْ عَلَامَاتِ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكَهُ مَا لَا يَعْنِيهِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ؛ فَكَمْ مِنْ خُصُومَاتٍ وَمُشَاحَنَاتٍ عَامَّةٍ كَانَ سَبَبُهَا التَّدَخُّلَ فِيمَا لَا يَعْنِي الْإِنْسَانَ! وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِعْيَارٌ ذَهَبِيٌّ لِكُلِّ مَوْقِفٍ نَقِفُهُ فِي الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ: فَلْنَسْأَلْ أَنْفُسَنَا قَبْلَ كُلِّ تَصَرُّفٍ: هَلْ أَرْضَى بِهَذَا لَوْ فَعَلَهُ غَيْرِي مَعِي؟ فَلْنُرَبِّ أَنْفُسَنَا وَأَبْنَاءَنَا عَلَى هَذَا الْأَدَبِ الْجَامِعِ، وَلْنَجْعَلْ مِنْ أَنْفُسِنَا قُدْوَةً فِي النَّظَافَةِ وَخَفْضِ الصَّوْتِ وَاحْتِرَامِ الدَّوْرِ وَحُسْنِ الِاسْتِمَاعِ، فَإِنَّ الذَّوْقَ الْعَامَّ يُعْدِي كَمَا تُعْدِي قِلَّةُ الذَّوْقِ، وَالْقُدْوَةُ الصَّالِحَةُ أَبْلَغُ مِنْ أَلْفِ مَوْعِظَةٍ.
الرَّسَائِلُ الَّتِي نُرِيدُ أَنْ نُوَصِّلَهَا
١- الذَّوْقُ الْعَامُّ جُزْءٌ أَصِيلٌ مِنَ الدِّينِ، لَا تَرَفٌ اجْتِمَاعِيٌّ طَارِئٌ عَلَيْهِ.
٢- حُسْنُ الْخُلُقِ يَظْهَرُ فِي أَدَقِّ التَّفَاصِيلِ: الصَّوْتِ، وَالْمِشْيَةِ، وَالطَّعَامِ، وَالِاسْتِمَاعِ.
٣- رُقِيُّ السُّلُوكِ فِي الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ تَعْبِيرٌ صَادِقٌ عَنِ انْتِمَاءِ الْمَرْءِ لِوَطَنِهِ.
٤- تَقْوِيمُ الْأَخْطَاءِ يَكُونُ بِالرِّفْقِ لَا بِالْفَظَاظَةِ، كَمَا عَلَّمَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
اللَّهُمَّ حَسِّنْ أَخْلَاقَنَا كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقَنَا، وَزَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ، وَأَلْبِسْنَا ثَوْبَ الذَّوْقِ الرَّفِيعِ وَالْخُلُقِ الْقَوِيمِ، وَجَنِّبْنَا الْفَظَاظَةَ وَالْغِلْظَةَ وَسُوءَ الْأَدَبِ، وَاجْعَلْ سُلُوكَنَا شَاهِدًا لِدِينِنَا لَا شَاهِدًا عَلَيْهِ، وَاجْعَلْ بِلَادَنَا مِثَالًا فِي رُقِيِّ أَهْلِهَا وَجَمَالِ أَخْلَاقِهِمْ.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي جَمَّلَ الدِّينَ بِحُسْنِ الْخُلُقِ وَرُقِيِّ السُّلُوكِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا السَّادَةُ الْفُضَلَاءُ، فَحَدِيثُنَا مَا زَالَ مَوْصُولًا عَنِ الذَّوْقِ الْعَامِّ، وَعَنْ مَوَاقِفَ مِنَ السِّيرَةِ وَالصَّحَابَةِ تُرَسِّخُ هَذَا الْمَعْنَى الْجَمِيلَ.
وَإِنَّ مِمَّا يُؤْسَفُ لَهُ أَنْ نَرَى بَعْضَ النَّاسِ يُحْسِنُ الذَّوْقَ فِي بَيْتِهِ وَيُسِيءُ فِي الطَّرِيقِ، وَيَتَأَدَّبُ مَعَ أَصْدِقَائِهِ وَيَتَفَظَّظُ مَعَ الْغُرَبَاءِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ يُنَافِي كَمَالَ الذَّوْقِ الَّذِي أَرَادَهُ الْإِسْلَامُ؛ فَالذَّوْقُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَتَجَزَّأُ، وَلَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ مَنْ أَمَامَنَا، بَلْ هُوَ سَجِيَّةٌ ثَابِتَةٌ تَصْدُرُ عَنْ تَقْوَى رَاسِخَةٍ فِي الْقَلْبِ، لَا عَنْ مُجَامَلَةٍ لِمُعَيَّنِينَ.
نَمَاذِجُ مُشْرِقَةٌ مِنْ رُقِيِّ الذَّوْقِ عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ
وَمِنْ أَرْوَعِ النَّمَاذِجِ فِي هَذَا الْبَابِ: مَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا حَتَّى يُؤْتَى بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ، تَأَدُّبًا وَمُرَاعَاةً لِمَشَاعِرِ الْفُقَرَاءِ، وَمَا رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ وَخَفَضَ صَوْتَهُ حَيَاءً مِمَّنْ حَوْلَهُ. فَالدَّرْسُ الْإِيمَانِيُّ هُنَا: أَنَّ رُقِيَّ الذَّوْقِ عِنْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِ لَمْ يَكُنْ تَكَلُّفًا، بَلْ كَانَ نَابِعًا مِنْ مُرَاقَبَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوَّلًا، ثُمَّ مُرَاعَاةِ مَشَاعِرِ مَنْ حَوْلَهُمْ. وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: مَا كَانَ مِنْ هَدْيِ سَيِّدِنَا الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حِينَ رَأَى رَجُلًا مُسِنًّا يُسِيءُ الْوُضُوءَ، فَلَمْ يُوَبِّخْهُ أَمَامَ النَّاسِ، بَلْ قَالَ لَهُ هُوَ وَأَخُوهُ الْحُسَيْنُ: يَا هَذَا، إِنَّ أَحَدَنَا لَا يُحْسِنُ الْوُضُوءَ كَإِحْسَانِكَ، فَهَلَّا حَكَمْتَ بَيْنَنَا أَيُّنَا أَحْسَنُ وُضُوءًا؟ فَتَوَضَّأَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَمَامَهُ، فَعَلِمَ الرَّجُلُ خَطَأَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ بِالْإِحْرَاجِ، فَقَالَ: بَلْ وُضُوءُكُمَا يَا ابْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَدْ كُنْتُ مُخْطِئًا. فَالدَّرْسُ الْإِيمَانِيُّ هُنَا: أَنَّ رُقِيَّ الذَّوْقِ فِي تَصْحِيحِ أَخْطَاءِ النَّاسِ يَكُونُ بِأُسْلُوبٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ يَحْفَظُ كَرَامَتَهُمْ، لَا بِالتَّشْهِيرِ وَالتَّعْيِيرِ.
وَمِنَ الْمَوَاقِفِ الْجَمِيلَةِ أَيْضًا: مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَوَجَدَهُ يَرْقُعُ ثَوْبَهُ بِنَفْسِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ لِيُصْلِحَهُ عَنْهُ، فَرَفَضَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَدَبٍ جَمٍّ، وَقَالَ: مَنْ يَكْفِي النَّاسَ أُمُورَهُمْ أَوْلَى أَنْ يَكْفِيَ نَفْسَهُ، وَلَمْ يَتَكَبَّرْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُشْعِرْهُ بِالْإِحْرَاجِ. فَالدَّرْسُ الْإِيمَانِيُّ هُنَا: أَنَّ رُقِيَّ الذَّوْقِ يَشْمَلُ حُسْنَ رَدِّ الْمَعْرُوفِ كَمَا يَشْمَلُ حُسْنَ تَقْدِيمِهِ، فَلَا يَجْرَحُ الْكَرِيمُ مَنْ عَرَضَ عَلَيْهِ مَعْرُوفًا، وَإِنْ رَفَضَهُ.
وَمِنَ الْقَصَصِ الطَّرِيفَةِ الدَّالَّةِ عَلَى رُقِيِّ ذَوْقِ السَّلَفِ: أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَرُدُّ؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ لِي دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ مَا دَعَوْتُ بِهَا إِلَّا لِهَذَا الَّذِي شَتَمَنِي، لِأَنَّهُ أَهْدَى إِلَيَّ حَسَنَاتِهِ! وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا يُرْوَى عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا إِلَّا تَمَنَّيْتُ أَنْ يُظْهِرَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِهِ لَا لِسَانِي، تَأَدُّبًا فِي الْخِلَافِ. فَالدَّرْسُ الْإِيمَانِيُّ هُنَا: أَنَّ رُقِيَّ الذَّوْقِ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا كَانَ يَصِلُ إِلَى دَرَجَةِ تَحْوِيلِ الْإِسَاءَةِ إِلَى مَغْنَمٍ أُخْرَوِيٍّ، لَا إِلَى مَعْرَكَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ.
فَحَرِيٌّ بِنَا – أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ – أَنْ نَسْتَلْهِمَ مِنْ هَذِهِ النَّمَاذِجِ مَنْهَجًا عَمَلِيًّا فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ، فَنَجْعَلَ مِنْ كُلِّ مَوْقِفٍ عَابِرٍ فِي الشَّارِعِ أَوِ الْعَمَلِ أَوِ الْمَجْلِسِ فُرْصَةً لِإِظْهَارِ جَمَالِ دِينِنَا مِنْ خِلَالِ جَمَالِ سُلُوكِنَا، فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ دَخَلُوا فِي هَذَا الدِّينِ إِنَّمَا دَخَلُوا فِيهِ لِمَا رَأَوْهُ مِنْ حُسْنِ خُلُقِ أَهْلِهِ، لَا لِمَا سَمِعُوهُ مِنْ خُطَبِهِمْ وَمَوَاعِظِهِمْ فَحَسْبُ.
وَلْنَخْتِمْ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ الْجَامِعَةِ: أَنَّ الذَّوْقَ الرَّفِيعَ لَيْسَ سُلُوكًا نُظْهِرُهُ أَمَامَ الْكَامِيرَا أَوْ فِي الْمُنَاسَبَاتِ الْكُبْرَى، بَلْ هُوَ سَجِيَّةٌ نُمَارِسُهَا فِي أَدَقِّ تَفَاصِيلِ يَوْمِنَا: فِي ابْتِسَامَةٍ نَمْنَحُهَا لِحَارِسِ الْعَقَارِ، وَفِي كَلِمَةِ شُكْرٍ لِعَامِلِ النَّظَافَةِ، وَفِي صَبْرٍ عَلَى سَائِقٍ أَخْطَأَ فِي الطَّرِيقِ، وَفِي ابْتِسَامَةٍ نَرُدُّ بِهَا عَلَى مَنْ أَسَاءَ؛ فَهَذِهِ التَّفَاصِيلُ الصَّغِيرَةُ هِيَ الَّتِي تَصْنَعُ – فِي مَجْمُوعِهَا – صُورَةَ الْمُجْتَمَعِ الرَّاقِي الَّذِي نَنْشُدُهُ جَمِيعًا.
وَإِنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي يَرْتَقِي ذَوْقُ أَبْنَائِهِ هُوَ الْمُجْتَمَعُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ صَادِقُ الِانْتِمَاءِ لِوَطَنِهِ، فَإِنَّ حُبَّ الْوَطَنِ لَا يَظْهَرُ فِي الشِّعَارَاتِ وَحْدَهَا، بَلْ فِي كُلِّ شَجَرَةٍ لَا نَقْطَعُهَا، وَكُلِّ جِدَارٍ لَا نُشَوِّهُهُ، وَكُلِّ إِنْسَانٍ لَا نُؤْذِيهِ، وَكُلِّ قَانُونٍ نُحْسِنُ الِالْتِزَامَ بِهِ احْتِسَابًا لَا خَوْفًا؛ فَلْيَكُنْ كُلٌّ مِنَّا سَفِيرًا لِوَطَنِهِ بِحُسْنِ سُلُوكِهِ أَيْنَمَا حَلَّ. وَاللَّهَ نَسْأَلُ أَنْ يَجْعَلَنَا كَذَلِكَ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يُزَيِّنُ دِينَهُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ، وَيُمَثِّلُ وَطَنَهُ بِجَمِيلِ سُلُوكِهِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا. عِبَادَ اللَّهِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ. وأَقِيم الصَّلَ