ولولا دفع الله… فلسفة القوة في مواجهة الفساد

بقلم: أ . هالة أشرف

 لقد دعى الكثير من الشخصيات العالمية على مر العصور إلى السلام، بدءًا من الشخصيات التاريخية البارزة مثل غاندي ومانديلا وصولًا إلى المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي في عصرنا الحالي.

ولكن العقيدة وتجارب الحياة علمتنا أن ليس كل خلاف يحتاج إلى معركة، كما أن كل معركة لا يمكن حلها بالسلام. وبين الطرفين مساحة واسعة يحتاج الإنسان أن يتعلم فيها متى يتراجع، ومتى يثبت، ومتى يعفو، ومتى يدفع الظلم.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن السلام هو الحالة التي ينبغي للإنسان أن يختارها دائمًا، وأن القوة لا تُستخدم إلا حين يفشل كل شيء آخر بما أن الدعاة إلى ذلك كانوا شخصيات مؤثرة بحق ولهم تاريخ حافل بتقديم المساعدات الإنسانية. وهذا صحيح من جهة أن الأصل هو حقن الدماء، وإقامة العدل، وإعمار الأرض، لكن القرآن يلفت نظرنا إلى حقيقة أخرى أكثر عمقًا؛ وهي أن ترك القوة تمامًا قد لا يؤدي إلى السلام، لكنه على العكس قد يترك الأرض لمن يملك القوة ولا يتورع عن استخدامها في الظلم.

ولذلك يقول الله تعالى في سورة البقرة:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.

والآية نفسها تتكرر في سورة الحج في سياق آخر:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.

ومن اللافت للنظر أن القرآن لم يقل: “ولولا حرب الله الناس بعضهم ببعض”، وإنما قال:

 ﴿دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾.

 والدفع أوسع من الحرب؛ فقد يكون بالكلمة، وبالحجة، وبالقانون، وبالسلطة التي تمنع الظالم، وبالضغط على الخصم في أمور معينة، وقد يصل إلى القوة حين تصبح القوة هي الوسيلة اللازمة لمنع الظلم والعدوان.

فالإنسان لا يعيش في عالم لا يوجد فيه إلا المسالمون. وفي كل مجتمع قد يوجد من يظلم إذا أُعطي القدرة، وإذا لم يجد المعتدي من يردعه، ومن يحاول أن يجعل قوته فوق القانون والحق. وإذا قرر الجميع أن يتركوا المواجهة مهما حدث، فلن تختفي القوة من العالم، وإنما ستبقى في يد الطرف الذي لا يخشى استخدامها.

ولهذا كان من الخطأ أن نتصور أن السلام يعني دائمًا عدم المواجهة. فقد يكون الصمت أمام الظلم سلامًا في ظاهره، لكنه قد يكون في حقيقته مشاركة في إطالة الظلم.

وفي سورة البقرة يأتي هذا المعنى في قصة طالوت وجالوت؛ فقد كان بنو إسرائيل أمام قوة طاغية يقودها جالوت، ولم يكن المطلوب منهم أن يستسلموا حفاظًا على حياتهم، بل خاضوا المعركة، وانتصروا بإذن الله، وكان داود عليه السلام هو الذي قتل جالوت.

ثم يأتي التعقيب القرآني:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.

فالقوة هنا لم تكن غاية، ولم يكن الانتصار لمجرد الانتصار، وإنما كان دفعًا لقوة أخرى لو تُركت دون مقاومة لأفسدت الأرض.

وفي سورة الحج يصبح المعنى أوسع؛ فالدفع لم يكن لحماية فئة واحدة فقط، وإنما لحماية أماكن العبادة المختلفة:

﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾.

وكأن القرآن يلفت نظر الإنسان إلى أن دفع الظلم ليس دفاعًا عن أنفسنا فقط، وإنما قد يكون دفاعًا عن حق الآخرين في أن يعيشوا ويعبدوا الله دون أن تهدمهم قوة المعتدي.

وهنا نكتشف أن المشكلة ليست في الحرب وحدها، وإنما في فقدان الميزان.

فالذي يرى أن القوة هي الحل لكل شيء قد يتحول من مدافع عن الحق إلى معتدٍ باسم الحق، والذي يرى أن السلام هو الحل في كل شيء قد يتحول من محب للسلام إلى شخص يسمح للظلم أن يستمر باسم السلام.

والحكمة ليست في اختيار أحدهما دائمًا، وإنما في معرفة أي موقف يحتاج إلى أي منهما.

وهذا الميزان لا يخص الحروب وحدها، بل يدخل في تفاصيل حياة الإنسان كلها.

فقد تحتاج أن كإنسان على المستوى الشخصي في موقف معين إلى العفو، وفي موقف آخر إلى وضع حدود واضحة. وقد يكون الصمت حكمة في وقت، بينما يصبح الكلام واجبًا في وقت آخر. وقد يكون التراجع عن الجدال انتصارًا للنفس، بينما يكون التراجع عن الحق هزيمة لها.

حتى في تربية الأبناء، لا يمكن أن يكون اللين وحده كافيًا، ولا الشدة وحدها صالحة. وفي العلاقات، قد يكون التسامح فضيلة، لكنه يتحول إلى ظلم للنفس إذا أصبح قبولًا دائمًا للأذى. وفي المجتمع، قد يكون الحوار هو الطريق الأفضل، لكن الحوار نفسه يفقد معناه إذا كان أحد الأطراف يستخدمه فقط لكسب الوقت بينما يستمر في الظلم.

ولهذا فإن القوة في المفهوم الصحيح ليست عكس الرحمة، كما أن السلام ليس عكس القوة.

قد تكون القوة هي التي تحمي السلام.

وقد يكون العفو هو الذي يمنع حربًا.

وقد تكون كلمة صادقة في الوقت المناسب أقوى من معركة طويلة.

المهم ألا تتحول الوسيلة إلى غاية، وألا ينسى الإنسان لماذا استخدمها في البداية فيبدأ بإراقة الدماء دون داعي أو بالخنوع والاستسلام للظلم دون مقاومة.

فالذي يقاتل من أجل أن ينتصر فقط قد ينسى الحق الذي بدأ القتال من أجله، والذي يسالم من أجل أن يتجنب الألم فقط قد ينسى المظلوم الذي كان يحتاج إلى أن يقف إلى جواره.

ولعل أعظم ما نتعلمه من قوله تعالى:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾

أن بقاء الخير في الأرض لا يعني غياب الشر، وإنما يعني ألا يُترك الشر بلا دفع.

فليس المطلوب من الإنسان أن يكون محاربًا دائمًا، ولا أن يكون مسالمًا دائمًا، وإنما أن يكون عادلًا دائمًا. فإذا كان السلام يحفظ الحق، فليكن السلام. وإذا كان العفو يصلح، فليكن العفو.

وإذا كان الحوار يرد الظلم، فليكن الحوار.

أما إذا أصبح السلام مجرد اسم آخر للاستسلام، وأصبح الصمت طريقًا لاستمرار العدوان، فقد يكون الدفع هو الطريق الوحيد حتى يعود السلام إلى معناه الحقيقي.

لأن السلام الذي يُبنى فوق الظلم ليس سلامًا كاملًا، والقوة التي تنفصل عن العدل ليست قوة حقيقية.

وبينهما يبقى الإنسان محتاجًا إلى شيء أصعب من اختيار الحرب أو السلام

وهو أن يعرف متى يختار كل واحد منهما.