استغلال بعض الأحزاب لشعارات القومية واليسار
14 سبتمبر، 2026
الماسونية والجمعيات الصهيونية

المقال الثالث والثلاثون من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )
للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
شعارات كبرى لخدمة مشاريع صغرى:
حين ننظر إلى المشهد السياسي العربي منذ منتصف القرن العشرين، نجد أن أكثر الأحزاب حضورًا وادعاءً للبطولة هي أحزاب القومية واليسار. رفعت هذه الأحزاب شعارات كبرى: “الوحدة العربية”، “الحرية”، “العدالة الاجتماعية”، “الاشتراكية”، و”التقدمية”. لكن الواقع يكشف أن هذه الشعارات لم تكن سوى يافطات برّاقة، غُطّيت بها مشاريع صغيرة، ضيقة، مصلحية، وأحيانًا خائنة. كانت هذه الأحزاب أقرب إلى جيوش ظل سياسية صنعتها ظروف الحرب الباردة والاحتلال الغربي، لتؤدي دورًا مزدوجًا: إلهاء الشعوب بشعارات رومانسية من جهة، وضمان استمرار التبعية والاستبداد من جهة أخرى.
لقد كان حزب البعث في سوريا والعراق المثال الأوضح على ذلك. رفع شعار “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، لكن سرعان ما انقلب على نفسه، ليتحول إلى نظام قطري ضيق، يحكم بالحديد والنار، ويقتل أبناء الأمة باسم “الوحدة”. في سوريا، تحول البعث إلى أداة لتكريس حكم الطائفة، وإلى ذراع في يد النظام لحماية كرسي السلطة، بينما شعار “الوحدة” ظل حبرًا على ورق، يُردد في المدارس والإذاعات دون أي أثر على الأرض. وفي العراق، لم يكن الوضع أفضل، حيث تحولت شعارات الاشتراكية والعدالة الاجتماعية إلى وسيلة لإقصاء الخصوم، وتبرير استبداد النظام، بينما الشعب غرق في القمع والحروب الداخلية.
أما الأحزاب الشيوعية واليسارية، فقد رفعت شعارات “الاشتراكية العلمية”، و”الحرية”، و”تحرير العمال والفلاحين”، لكنها في الواقع كانت أذرعًا فكرية لموسكو. انشغلت بالصراع الأيديولوجي مع الدين أكثر من انشغالها بتحرير الأرض، وصورت الإسلام على أنه عدو التقدم، بدل أن يكون مصدرًا للتحرر والنهضة. ولعل أشد المفارقات أن هذه الأحزاب، التي كانت تزعم أنها تقف ضد الإمبريالية، كانت في لحظة ما تتحالف مع أنظمة قمعية تابعة للغرب، فقط لأن ذلك يخدم مصالحها الحزبية الضيقة.
لقد صارت هذه الأحزاب ميادين لتجارب فكرية مستوردة، لا تعكس هموم الأمة ولا تعبر عن واقعها. فالقومي كان يعيش في وهم “الوحدة العربية” التي لم تتحقق يومًا، والشيوعي كان يعيش في ظل “الأممية البروليتارية” التي لم تعنِ للعامل العربي إلا المزيد من الفقر والاغتراب. وبينما كانت الشعوب تُذبح في فلسطين والجزائر وسوريا والعراق، كان قادة هذه الأحزاب مشغولين بالانقلابات والمؤتمرات الحزبية، والتنافس على مقاعد برلمانية أو مناصب وزارية، تُمنح لهم من الطغاة كمكافأة على ولائهم.
إن هذه الأحزاب لم تكتفِ بالعجز، بل لعبت دورًا مباشرًا في تشويه الوعي الجمعي. فقد أقنعت الناس أن العدو ليس الاستعمار الخارجي فقط، بل الدين نفسه. جعلت من الإسلام خصمًا للشعب، وصورت التدين على أنه عائق أمام التقدم. ومن هنا ساهمت في خلق فجوة خطيرة بين الشعوب ودينها، بين المثقف والجماهير، بين الأجيال وتراثها. هذا الصدام المفتعل لم يكن بريئًا، بل كان خدمة مباشرة لمشاريع الاستعمار، الذي كان يهدف منذ البداية إلى قطع الأمة عن جذورها، حتى تصبح لقمة سائغة في فمه.
ولم تكتفِ هذه الأحزاب بتضييع البوصلة الفكرية، بل مارست أيضًا الخيانة العملية. ففي لحظات فاصلة، اصطف بعضها إلى جانب الأنظمة المستبدة ضد الشعوب. ففي زمن الربيع العربي، رأينا كيف وقف كثير من الأحزاب اليسارية والقومية في صف الطغاة، بحجة “حماية الدولة الوطنية” من “المؤامرة الخارجية”. لكنها في الحقيقة كانت تؤدي وظيفتها الأصلية: حماية النظام الذي رعَاها وموّلها ومنحها الفتات. وهكذا تحولت من شعارات “الحرية” إلى ممارسة العبودية السياسية بكل وضوح.
إن أحزاب القومية واليسار لم تكن إلا فقاعات خطابية، تبهر الناس بالشعارات، بينما تُفرغها من مضمونها. فالوحدة لم تتحقق، والحرية لم تُمارس، والعدالة الاجتماعية لم تر النور. وما تحقق فعلًا كان مزيدًا من الانقسام، ومزيدًا من الاستبداد، ومزيدًا من الفقر والتبعية. لقد خُدعت الشعوب بهذه الشعارات الكبرى، لتجد نفسها في النهاية سجينة مشاريع صغيرة: حزب يُسيطر على دولة، طائفة تتحكم بمصير شعب، زعيم يتربع على كرسي لعقود.
إن نقد هذه الأحزاب ليس مجرد مراجعة للتاريخ، بل هو شرط لتحرير المستقبل. لأن هذه الأحزاب ما زالت موجودة، وما زالت ترفع الشعارات نفسها، وما زالت تحاول تضليل الأجيال الجديدة. ولا بد أن ندرك أن كل شعار كبير يرفعه حزب وظيفي يخفي وراءه مشروعًا صغيرًا وضيعًا، أن كل حديث عن “الوحدة” يخفي انقسامًا، وكل كلام عن “الحرية” يخفي استبدادًا، وكل دعوة إلى “العدالة الاجتماعية” تخفي فسادًا ونهبًا.
إن الأمة لن تتحرر إلا حين تُسقط هذه الأقنعة، وتدرك أن هذه الأحزاب لم تكن يومًا أدوات للتحرر، بل كانت قيودًا جديدة تُضاف إلى قيود الاستعمار. فالمستعمر خرج من الباب العسكري، لكنه عاد من النافذة الحزبية، عبر هذه الكيانات التي ظلت تؤدي دوره حتى بعد رحيله. ولهذا فإن الخطوة الأولى في معركة الوعي هي فضح هذه الأحزاب، وكشف حقيقتها، ودفن شعاراتها المزيفة، حتى لا يبقى في الساحة إلا مشروع الأمة الحقيقي، لا مشاريع الطغاة والمستعمرين.