الابتكار والاختراع

بقلم / الدكتور  : ابوبكر الجندى

امام بوزارة الاوقاف

استطاع المصريون في حرب السادس من أكتوبر العاشر من رمضان اقتحام أكبر مانع ترابي في التاريخ بفكرة عبقريه بسيطة من خلال ضخ المياه بقوة لتجرف التراب الى قناة السويس، وفتح ثغرات في هذا الساتر ليعبر من خلالها الجيش المصري إلى أرض سيناء الغالية, وتحريرها من الاحتلال الغاشم.

فإذا منع الإسلام من الابتداع في الدِّين؛ لأن الله عز وجل قد أكمله وأتم به النعمة على المسلمين، إلا أنه فتح الباب على مصرعيه للابتداع والاختراع والابتكار في كل ناحية من نواحي الدنيا ومجال من مجالات الحياة، ولك أن تتخيل أن الناس في وسائل المواصلات ينتقلون اليوم من مكان إلى مكان بالخيل والحمير والجمال؛ لذا كانت الاكتشافات والاختراعات والابتكارات من أهم أسباب التيسير على الناس وحل مشكلاتهم، بل إن القرآن الكريم يسجل بعض هذه الاختراعات ذات النفع العام للناس جميعًا، ومن ذلك:


ـ ابتكار السفينة الأولى في التاريخ حيث قال الله تعالى لنوحٍ عليه السلام: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ}[هود: 37].


ـ قصة ذي القرنين في بناء السد، حين طلب من القوم مواد الصنعة وابتكر طريقة صهر المعادن، وقد ذكر القرآن الكريم تفاصيل هذه المعجزة الهندسية والمعالجة التقنية فقال تعالى: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا}[الكهف: 96].


ـ وفي المجال العسكري فقد علّم الله تعالى داود عليه السلام صناعة الدروع الحديدية؛ لحمايه الجنود وصيانه الفرسان فقال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80]، {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [سبأ: 10، 11]، أي: اجعل الدروع واسعة، وأحسن تقدير حَلَقها؛ لتحقق الهدف من صنعها.


ـ قصة سليمان في نقل عرش بلقيس، حيث تبارى أهل مجلسه في المسارعة في الإتيان بهذا العرش، فقال: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40].


كما أمر سليمان جنوده أن يبنوا صرحاً عظيماً وقصراً منيفاً يُدهش قلب بلقيس ويشد نظرها ليشد ها هي إلى الإسلام، وبالفعل قد أسلمت، وقال لها{ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل: 44]، فقد أيقنت أن الإسلام أقرب إلى التطور والتقدم والتحضر والمدنية، بخلاف الشرك الذي هو من أهم أسباب التخلف والرجعية.


ـ وفي المجال الاقتصادي يعلمنا يوسف عليه السلام فقه التموين وفقه التخزين وكيفيه ادخار الحبوب والغلال للإفادة منها في اوقات الجفاف والمجاعة، حيث قال في تفسير رؤيا الملك: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ}[يوسف: 47].


وفي معركه الخندق وقد تحزبت الأحزاب حول مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقترح سلمان الفارسي رضي الله عنهم حفر خندق حول المدينة لحمايتها من المعتدين وبالفعل وافقه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الاقتراح وبدأ الصحابه في حفر الخندق ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم يحمل التراب على كتفه الشريف وفي هذا دليل على جواز اقتباسي المعارف الدنيوية والعلوم المادية من الأمم الأخرى كالروم وفارس والهند والصين وفي الأثر: “اطلبوا العلم ولو في الصين.


فلا يستقل الباحث بقدراته ولا الطالب بإمكانياته فربما اخترع اختراعًا نفع البشرية كلها، وما تدري البذرة الصغيرة أنها تحمل في جوفها شجرة عملاقة وثمارًا كثيرةً، ولكن فرق كبير بين اختراع المؤمن وغيره، فالمؤمن يحتسب ما يفعله عند الله وينوي به خيرًا في الدنيا والآخرة، وغير المؤمن ربما اخترع اختراعًا يضر البشرية، دون زاجرٍ من دينٍ ولا رادع من ضميرٍ؛ لأنه خاوٍ من الإيمان.