أزمة جيل ومسؤولية أمة

 بقلم أ.د/ سعد عبد المعطي عبد العليم شعبان

أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم ورئيس لجنة الدعوة الإسلامية وعضو لجنة الفتوى بالمجمع الفقهي بكندا

إن المتأمل في واقعنا المعاصر يدرك أن الأزمة الحقيقية التي تواجه المجتمعات اليوم ليست أزمة موارد أو كفاءات، بل هي أزمة غياب القدوة الحية والمثل الأعلى الذي يقود الأمة للمعالى، فيقتدى به ويتأسى بسيرة.

إن الأفكار والمبادئ، مهما بلغت من السمو، تظل حبراً على ورق ما لم تتحول إلى واقع متحرك يراه الناس بأعينهم، وحين يغيب النموذج الملهم الذي يجسد الأخلاق نبلاً، والعمل إتقاناً، فإن المجتمع يواجه خطر السقوط في فراغ قيمي مدمر.

إن هذه القضية المصيرية ليست مسؤولية جهة دون أخرى، بل هي أمانة مشتركة تقع على عاتق الجميع، ففي الحديث عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، متفق عليه: البخاري (7138)، ومسلم (1829)

1-الأباء والأمهات: البذرة الأولى والنموذج الأقرب.

إن البيت هو المحضن الأول لصناعة الوعي، والطفل يولد وعيناه معلقتان بسلوك والديه قبل أقوالهما. والصدمة حين يرى الطفل تناقضاً بين ما يأمره به والداه وما يفعلانه (كأن يؤمر بالصدق ويرى الكذب، أو يؤمر ببر الوالدين ويرى العقوق)، ينشأ ولديه انفصام سلوكي واهتزاز في المفاهيم الأخلاقية.

لذا يجب على الوالدين أن يدركا أن التربية بالقدوة الصامتة أبلغ بأضعاف من المواعظ المكررة. كن لابنك الصدق الذي يريد أن يتعلمه، وكوني لابنتك الحياء والعفة التي ترجينها فيها.

2-المعلمون والتربويون: صناع العقول وموجهو الجيل . المعلم ليس مجرد ناقل للمعلومة أو ملقن للمقررات الدراسية، بل هو قائد تربوي يترك بصمته في نفوس طلابه مدى الحياة.

ويظهر غياب القدوة في المعلم (من خلال الإهمال، أو التلفظ بما لا يليق، أو عدم العدل بين الطلاب) يزهد الجيل في العلم والتعلم، ويفقد المحاريب التعليمية هيبتها ورسالتها السامية. لذلك فإن مسؤولية المعلم تقتضي أن يكون ملهماً في انضباطه، وفصاحته، وعدالته، وحرصه على بناء الإنسان قبل تعبئة الأوراق، متأسياً بالمعلم الأول ﷺ «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» مسند أحمد (25302)

3-الشباب: فرسان الغد وصناع التغيير .

الشباب هم عماد الأمة وطاقتها المتفجرة، لكن الساحة الفكرية والتربوية لا تقبل الفراغ؛ فإذا غابت القدوات الحقيقية، سقط الشباب في فخ “القدوات الزائفة”.

وأدى غياب الرموز الملهمة إلى ارتماء الكثير من الشباب في أحضان مشاهير “الوَهم” والتفاهة على منصات التواصل الاجتماعي، مما حوّل المظاهر السطحية والابتذال إلى معيار زائف للنجاح والتفوق.

فوجب على الشباب ألا يستسلموا لسيولة العصر، وأن يبحثوا عن قدواتهم في سِيَر العظماء، والعلماء، والمخترعين، والمصلحين. والأهم من ذلك، أن يؤهل الشاب نفسه ليكون هو ذاته قدوة لغيره في مجاله وتخصصه.

4-أصحاب القرار والموجهون: حماة الثقافة والوعي العام . تشمل هذه الفئة القادة، والمسؤولين، وصناع القرار، ومقدمي المحتوى الإعلامي، والموجهين الذين يملكون سلطة التوجيه وتشكيل الرأي العام.

فعندما تتصدر المشهد الإعلامي والمجتمعي نماذج تقدم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، أو يُحتفى بالتافهين ويُهمش المبدعون، والمفكرون، والعلماء، يصاب المجتمع بحالة من الإحباط وتراجع الهمم وتدمير الروابط الوطنية. لذا فإن المسؤولية تقع على عاتق أصحاب القرار، مسؤولية صناعة “البيئة الحاضنة للقدوة” من خلال إبراز النماذج المضيئة، وتكريم الكفاءات الحقيقية، وضبط المنابر الإعلامية والثقافية لتقوم بدورها في التوجيه السليم وبناء الوعي القومي، العلمي، والفكري، والعقلي، والروحي.

وعلاج أزمة غياب القدوة يبدأ من المبادرة الذاتية؛ فالأمة التي تملك في رصيدها التاريخي والروحي أعظم قدوة بشرية وهو الرسول الأكرم ﷺ، لجديرة بأن تنتفض بجميع فئاتها لتعيد تقديم سيرته العطرة، لا كقصص تروى في المناسبات، بل كمنهج حياة عملي يعيد صياغة الإنسان ويقود الأوطان نحو الرفعة والتميز، (لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا 21) [الأحزاب: 21]