للبيت ربٌّ يحميه.. من أبرهة إلى مسيّرات الحوثيين

بقلم الشيخ : حسين السمنودي

حين خرج أبرهة الحبشي بجيشه وفيله من اليمن متجهًا إلى مكة، كان يظن أن الطريق إلى الكعبة لا يحتاج إلا إلى جيش قوي وفيلة ضخمة وإرادة لا تعرف التراجع. كان يريد هدم البيت الحرام وصرف العرب عن الكعبة، فمضى بجيشه حتى اقترب من مكة، وهناك بدأت واحدة من أشهر القصص التي حفظها التاريخ والقرآن الكريم.

لم تكن مكة يومها تملك جيشًا يستطيع مواجهة جيش أبرهة، ولم تكن عندها ترسانة من الأسلحة، ولم تكن تملك ما يمكن أن يقارن بالقوة التي حملها الجيش القادم إليها.

ومع ذلك بقيت مكة.

أما جيش أبرهة، فتحول إلى قصة تتوارثها الأجيال.

قال الله تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ . أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ . وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ . تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ . فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾.

ومن هنا بدأت الحكاية التي لا تزال حاضرة في وجدان المسلمين: للبيت ربٌّ يحميه.

لكن المفارقة أن التاريخ لم يتوقف عند أبرهة.

فبعد قرون طويلة، عرف المسجد الحرام نفسه أحداثًا دامية، وكان من بينها اقتحام الحرم في عام 1979، عندما سيطرت جماعة مسلحة يقودها جهيمان العتيبي على المسجد الحرام، وتحول المكان المقدس إلى ساحة مواجهة استمرت أيامًا وسقط خلالها قتلى وجرحى.

كانت صدمة قاسية؛ لأن المكان الذي يفترض أن يكون ملاذًا للأمن والعبادة أصبح ميدانًا للسلاح.

وهنا يتضح أن الخطر على المقدسات لا يأتي دائمًا من عدو خارجي، فقد يأتي أحيانًا من أناس يرفعون شعارات دينية بينما يمارسون العنف في المكان الذي يفترض أن يكون أبعد الأماكن عن الدماء.

ثم تغير الزمن.

لم تعد الجيوش تحتاج إلى الفيلة حتى تصل إلى أهداف بعيدة.

جاء عصر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وظهرت جماعات مسلحة قادرة على إطلاق أسلحة لمسافات مئات الكيلومترات.

وفي قلب هذا التحول ظهرت جماعة الحوثيين في اليمن، ومع الحرب التي اندلعت في المنطقة بدأت المملكة العربية السعودية تتعرض لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة من الأراضي اليمنية.

لكن الأخطر في هذه القصة لم يكن مجرد استهداف مدن أو منشآت سعودية، وإنما وصول بعض الصواريخ إلى مسارات قريبة من مكة.

ففي أكتوبر 2016 أعلنت قوات التحالف الذي تقوده السعودية أنها اعترضت صاروخًا باليستيًا أطلق من اليمن باتجاه مكة، وقالت إنه دُمر على بعد نحو 65 كيلومترًا من المدينة المقدسة. أما الحوثيون فقدموا رواية مختلفة بشأن الهدف.

وبعد ذلك بعام، في يوليو 2017، أعلنت السعودية مرة أخرى اعتراض صاروخ باليستي قالت إنه كان متجهًا نحو منطقة مكة، بينما نفى الحوثيون استهداف مكة وقالوا إن أهدافًا أخرى كانت المقصودة.

ثم جاءت مايو 2019، عندما أعلنت السعودية اعتراض صاروخين قالت إنهما من الصواريخ الحوثية في منطقة مكة، بينما نفى الحوثيون استهداف مكة أو المواقع الدينية.

وهنا لا بد من التفريق بين أمرين.

هناك وقائع إطلاق واعتراض صواريخ أعلنت عنها السلطات السعودية، وهناك خلاف حول الهدف المقصود تحديدًا.

وهذا التفريق مهم حتى لا يتحول المقال إلى مجرد ترديد لرواية طرف واحد في حرب طويلة ومعقدة.

لكن مهما اختلفت الروايات حول الهدف، فإن مجرد وصول صاروخ باليستي إلى مسار قريب من مكة يكشف مدى خطورة نقل الصراعات العسكرية إلى جوار أقدس بقاع الأرض.

ثم جاء اليوم الذي أعاد القصة إلى الواجهة من جديد.

في 16 سبتمبر 2026 أعلنت السعودية أن دفاعاتها الجوية اعترضت ودمرت طائرة مسيّرة قالت إنها أطلقتها جماعة الحوثيين وكانت متجهة جنوب مكة، وذلك قبل دخولها المجال الجوي المحظور فوق المدينة المقدسة. ووصف المتحدث باسم التحالف أمن مكة بأنه “خط أحمر”، فيما نفى الحوثيون استهداف مكة أو المواقع الدينية.

وهنا تغير السلاح مرة أخرى.

أبرهة جاء بالفيل.

ثم جاءت الجيوش بالسيوف والرماح.

وفي العصر الحديث دخل السلاح الناري إلى قلب الحرم في حادثة جهيمان.

ثم جاءت الصواريخ الباليستية.

واليوم أصبحت الطائرات المسيّرة قادرة على قطع مسافات طويلة والوصول إلى مناطق حساسة خلال دقائق.

تغيرت الأدوات، لكن السؤال نفسه بقي قائمًا: لماذا تقترب الحرب من مكة؟

لماذا تصبح المدينة التي يقصدها المسلمون من أقصى الأرض مكانًا محتملًا للخطر؟

مكة ليست ثكنة عسكرية.

وليست منشأة نفطية.

وليست مطارًا عسكريًا.

وليست موقعًا سياسيًا.

مكة قبلة المسلمين.

وفيها المسجد الحرام الذي يحج إليه الناس ويعتمرون ويطوفون ويصلون.

ولهذا فإن أي تهديد يقترب منها يتجاوز حدود الخلاف السعودي الحوثي، ويتحول في وجدان المسلمين إلى قضية تتعلق بحرمة مكان مقدس.

ومن هنا تأتي خطورة ما حدث، سواء في واقعة الصاروخ عام 2016، أو الواقعة التي أعلنت عنها السعودية عام 2017، أو صواريخ 2019، أو المسيّرة التي أعلنت السعودية اعتراضها في سبتمبر 2026.

فحتى عندما يختلف طرفا النزاع حول الهدف الحقيقي للسلاح، يبقى السؤال الأخلاقي حاضرًا:

هل يجوز أن تقترب الحرب من الحرم؟

وهل يجوز أن يعيش الحاج أو المعتمر وهو ينظر إلى السماء لا بحثًا عن الهلال، وإنما خوفًا من صاروخ أو مسيّرة؟

هذه هي المأساة الحقيقية.

أن تتحول سماء مكة، ولو للحظات، من سماء للطمأنينة والدعاء إلى سماء تراقبها أنظمة الدفاع الجوي.

وليس المقصود هنا أن تتحول القصة إلى خصومة مع الشعب اليمني.

اليمنيون شعب عربي مسلم عريق، وما يجري بين القوى السياسية والعسكرية لا ينبغي أن يتحول إلى كراهية بين الشعوب.

ولا يجوز أن نحاسب شعبًا كاملًا على أفعال جماعة مسلحة.

لكن في الوقت نفسه، فإن أي جماعة تحمل السلاح تتحمل مسؤولية أفعالها والنتائج التي تترتب عليها، خصوصًا عندما تقترب العمليات العسكرية من مناطق مدنية أو مقدسات.

والتاريخ هنا يقدم درسًا لا يمكن تجاهله.

أبرهة كان يملك القوة.

لكن القوة لم تمنحه الكعبة.

والذين اقتحموا الحرم في عام 1979 امتلكوا السلاح.

لكن السلاح لم يمنحهم الحرم.

والصواريخ التي أُطلقت من اليمن لم تستطع تغيير مكانة مكة.

والمسيّرة التي أعلنت السعودية اعتراضها جنوب مكة لم تستطع أن تغير شيئًا من حقيقة أن الكعبة ستظل قبلة المسلمين.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى.

كل من حاول أن يجعل القوة فوق حرمة البيت انتهى به الأمر جزءًا من التاريخ، بينما بقي البيت.

مكة لا تحتاج إلى أن تدخل في معركة مع أحد.

ولا تحتاج إلى أن تثبت أنها قوية.

قوتها في مكانتها.

في الكعبة التي يتجه إليها ملايين المسلمين كل يوم.

في الطواف الذي لا يتوقف.

في الأذان الذي يعلو.

في الدعاء الذي يصعد من قلوب لا تعرف حدودًا ولا جنسيات.

ولهذا فإن عبارة “للبيت رب يحميه” ليست دعوة إلى التواكل، ولا تعني أن البشر لا يأخذون بالأسباب.

بل إن حماية الحرم وتأمين الحجاج والمصلين مسؤولية عظيمة، ومن واجب الدولة التي تحتضن المقدسات أن تستخدم كل الوسائل المشروعة لحمايتها.

لكن العبارة في معناها الأعمق تذكر الإنسان بأنه مهما امتلك من صواريخ وطائرات ومسيّرات، فإنه ليس مالكًا لمصائر الأشياء.

لقد جاء أبرهة إلى مكة وهو يظن أن الفيل سيهدم البيت.

ومضت القرون.

وظل البيت.

وجاء آخرون بالسلاح إلى الحرم.

ومضت الأيام.

وظل الحرم.

وأطلقت الصواريخ من اليمن باتجاه مناطق قالت السعودية إنها في محيط مكة.

ومضت السنوات.

وظلت الكعبة قائمة.

واليوم، مع الطائرات المسيّرة، تتكرر المخاوف، لكن مكة لا تزال هي مكة.

وفي النهاية، ربما كان أخطر ما في هذه المحاولة، وأشد ما كشفته، أنها لم تستطع أن تفرق المسلمين كما فرقتهم الخلافات السياسية والصراعات والمواقف المتباينة، وإنما حدث العكس تمامًا؛ فما إن اقترب الخطر من مكة حتى سقطت فجأة كثير من الحواجز التي صنعتها السياسة، وتراجعت الخلافات إلى الخلف، وتقدم صوت واحد من أقصى العالم الإسلامي إلى أقصاه: مكة خط أحمر، وحرمة بيت الله لا تقبل العبث.

من إندونيسيا إلى المغرب، ومن مصر إلى الخليج، ومن بلاد الشام إلى إفريقيا وآسيا وأوروبا، هناك قلوب مختلفة في لغاتها ولهجاتها وأوطانها، لكنها عندما يتعلق الأمر بالمسجد الحرام والكعبة المشرفة تتحدث بلغة واحدة، وتشعر بشعور واحد، وترفض أن تتحول أطهر بقاع الأرض إلى ساحة لتصفية الحسابات.

لقد أثبتت هذه الحادثة أن الكعبة ليست مجرد بناء يقف في قلب مكة، وإنما هي نقطة التقاء قلوب المسلمين جميعًا. قد يختلف المسلم مع أخيه في السياسة، وقد تختلف الشعوب في مواقفها، وقد تتصارع الحكومات والجماعات، لكن عندما يصبح بيت الله الحرام مهددًا، تختفي الكثير من تلك الخلافات أمام قدسية المكان.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

من أراد أن يضرب مكة أو يقترب من حرمتها ظن أنه يستطيع أن يبعثر الخوف في قلوب المسلمين، لكنه فعل شيئًا آخر؛ لقد جمعهم على كلمة واحدة، وأعاد إلى الذاكرة قصة أبرهة، وذكّر الأجيال بأن مكة كانت وستظل فوق الصراعات، وأن الكعبة ليست هدفًا مشروعًا لأي خصومة أو حرب أو مغامرة سياسية.

لقد حاول أبرهة أن يهدم البيت، فأصبح هو وجيشه قصة يتلوها الناس.

واقتحم آخرون الحرم بالسلاح، فبقي الحرم وسقطت الفتنة.

وأطلقت صواريخ واقتربت مسيّرات، لكن الكعبة بقيت شامخة، وبقيت مكة مقصد الملايين.

وهكذا يثبت التاريخ مرة أخرى أن الذين يقتربون من المقدسات بمنطق القوة لا يغيرون مكانتها، وإنما يضيفون أسماءهم إلى صفحات التاريخ، بينما يبقى البيت الذي أرادوا المساس به حاضرًا في الصلاة والدعاء والقلوب.

ولذلك فإن الرفض الشعبي والوجداني الواسع لأي محاولة تستهدف مكة ليس موقفًا سياسيًا عابرًا، وإنما هو تعبير عن شعور ديني وإنساني عميق؛ فالمسلم الذي يستيقظ في القاهرة ويصلي ناحية مكة، والذي يصلي في جاكرتا، أو الدار البيضاء، أو إسطنبول، أو نيروبي، أو كراتشي، يشعر أن هذا البيت يعنيه هو أيضًا، وأن المساس بأمنه يمس شيئًا عزيزًا في وجدانه.

وهنا ينبغي أن تكون الرسالة واضحة للجميع: الخلافات السياسية يمكن أن تُناقش، والحروب يمكن أن تتوقف، والخصومات يمكن أن تنتهي، أما حرمة مكة فلا ينبغي أن تدخل أصلًا في معادلات الصراع.

فالمقدسات ليست ساحات لإرسال الرسائل العسكرية، وليست أهدافًا لإثبات القوة، وليست أوراقًا للمساومة.

والذين أرادوا بهذه المحاولة أن يصنعوا مشهدًا من الخوف، صنعوا من حيث لا يريدون مشهدًا آخر؛ مشهدًا اجتمعت فيه قلوب المسلمين على رفض المساس بمكة، وعلى التأكيد أن بيت الله الحرام يجب أن يبقى آمنًا مطمئنًا، بعيدًا عن صراعات البشر وأطماعهم وحساباتهم.

لقد اختلف المسلمون كثيرًا، وما زالوا يختلفون، وهذه سنة الحياة.

لكن الكعبة جمعتهم.

والحرم وحد قلوبهم.

والقبلة التي يتجهون إليها كل يوم ذكّرتهم بأن هناك أشياء أكبر من الخلافات وأعلى من السياسة وأبقى من صراعات اللحظة.

ومن هنا، فإن محاولة الاقتراب من مكة لم تكن مجرد حادث عسكري في نظر الملايين، وإنما كانت لحظة كشفت معدن الشعوب، وأظهرت أن هناك خطوطًا لا يمكن تجاوزها، وأن بيت الله الحرام سيظل في وجدان المسلمين جميعًا رمزًا للأمن والوحدة والعبادة.

وإذا كان أصحاب الفيل قد جاءوا إلى مكة بجيش وفيلة، ثم مضوا وبقي البيت، وإذا كان التاريخ قد شهد محاولات أخرى للوصول إلى الحرم بالسلاح، ثم انتهت وبقيت الكعبة، فإن كل من يقرأ هذا التاريخ يدرك أن مكة ليست عابرة في ذاكرة المسلمين.

إنها حاضرة في صلاتهم، في دعائهم، في أحلامهم، وفي أمنيات الملايين الذين يتمنون أن تطأ أقدامهم أرضها ولو مرة واحدة.

ولهذا ستظل الكلمة واحدة، مهما اختلفت البلدان واللغات والمواقف:

لا لمن يحاول تحويل مكة إلى ساحة حرب.

لا للمساس ببيت الله الحرام.

لا لاستهداف المصلين والحجاج.

لا لتسييس المقدسات وتحويلها إلى أدوات في الصراعات.

وسيظل المسلمون، في كل بقاع الأرض، قادرين على الاختلاف في كثير من القضايا، إلا أن يجتمعوا على احترام حرمة مكة، وصيانة أمنها، ورفض أي محاولة قذرة لجر بيت الله الحرام إلى صراعات البشر.

وفي النهاية، قد تتغير الصواريخ إلى مسيّرات، وتتغير الوجوه، وتتبدل الجماعات، وتتغير خرائط السياسة، لكن مكة لا تتغير.

سيبقى البيت بيت الله، وستبقى الكعبة قبلة المسلمين، وسيبقى الحرم حرمًا، وستبقى قلوب المسلمين معلقة به.

وربما كانت تلك هي المفارقة التي لم يفهمها كل من اقترب من مكة بسوء:

أنك حين تحاول أن تضرب مكة، فأنت لا تواجه مدينة وحدها، وإنما تواجه ذاكرة أمة، وقبلة أكثر من مليار مسلم، وبيتًا جعله الله مثابةً للناس وأمنًا.

ولهذا، ومهما تبدلت الأيام، سيظل المعنى خالدًا كما كان يوم أبرهة:

للبيت ربٌّ يحميه.