صلاح البال

بقلم / الدكتور  : ابوبكر الجندى

امام بوزارة الاوقاف


يحكي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلًا من بني إسرائيل، سأل رجلًا أن يسلفه ‌ألف ‌دينار، فأعطاه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى تجارته، ثم التمس مركبًا يركبها يقدم عليه للأجل الذي بينهما، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ‌ألف ‌دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ‌ألف ‌دينار، وأني جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني أستودعكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي أسلفه، ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، فأتى بالألف دينار، فقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه، قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشدًا.


من هذه القصة نتعلم درسًا هامًا وهو صلاح البال وتيسير الأحول الذي هو عاقبة الإخلاص مع الله والصدق مع الناس من دون روغان أو زوغان الذي يجلب الزيغ والتوهان.


وصلاح البال هو: الهدوء النفسي وسعادة القلب وانشراح الصدر وصحة الجسد والنوم العميق ويسر الحال وتوفيق رب العالمين، وكان النبي يدعوا لأصحابه بصلاح البال فيقول إذا عطس أحدهم: “يهديكم الله ويصلح بالكم”.


فقد ترى صاحبًا او زميلًا ويراك، وتلقي عليه السلام ولا يجيبك ولا ينتبه، ليس تكبرًا ولا قطيعةً، ولكنه مشغول الذهن بديونٍ أرهقته أو مشتت الفكر بمرضٍ أرقه، أو مكسور الخاطر بمن ظلمه أو كسر بخاطره أو مشوش البال بمشاكل لا يرى لها حلًا، وغير ذلك من أسباب الهم والحزن الذي كان يستعيذ منهما النبي صلى الله عليه وسلم.


ومما يقلل التوتر ويجلب صلاح البال زيادة الإيمان وعمل الصالحات واتباع رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} [محـمد: 2]، فإن الإسلام الصافي لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شرٍ، فإذا أصلح الإنسان شأنه مع ربه أصالح الله باله ويسر حاله.


وصلاح البال منحة الجليل المتعال تبارك وتعالى لأوليائه وأصفيائه الذين قال عنهم رب العالمين: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}[يونس: 62 – 63]، وكلما كان الإنسان لله أتقى كلما كان من مقام الولاية أقرب ولصلاح البال أولى.


وعن صلاح بالهم في الآخرة يقول الله تعالى عنهم: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}[الأنبياء: 103].


أما فعل المحرمات أو التقصير في الواجبات فلن يستطيع العاصي أو المقصر أن ينام مع عصيانه او تقصيره، ولو نام لن يكون نومه راحة، بل تعبًا وأرقًا وقلقًا، فأرح ضميرك أراح الله بالك، وأصلح حالك.


وقد يقر الإنسان بذنب أو يعترف بتقصير، أو يشهد على نفسه بظلم إنسان، ويعقب ذلك الاعتراف خسارة مالية أو بدنية، إلا إنه مع ذلك يكون مرتاح البال سليم الصدر، بل لو وصل الأمر إلى القتل، فلن يمنعه القتل من راحة البال، كما في قصة المرأة التي اعترفت بخطئها، وأصرت على إقامة حد الله عليها، وأراحت ضميرها؛ فسكن الله بالها، وتابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وفي ذلك نطق القرآن الكريم فقال تعالى: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}[محـمد: 4 – 6].