خُطْبَةُ الجُمُعَةِ بتاريخ ٨ رَبِيعٍ الأَوَّلِ ١٤٤٨ هـ – ٢١ أَغُسْطُسَ ٢٠٢٦ م

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ بتاريخ ٨ رَبِيعٍ الأَوَّلِ ١٤٤٨ هـ – ٢١ أَغُسْطُسَ ٢٠٢٦ م

العنوان: «وَانْسُبْ إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمِ حِينَ: تَتَحَوَّلُ المَحَبَّةُ إِلَى حَيَاة»

بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

لتحميل الخطبة يرجى الضغط على الرابط التالي:

attachment

عناصر الخطبة:

١. قَدْرُ النَّبِيِّ ﷺ فِي القُرْآنِ: كَيْفَ كَرَّمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ؟ (قصة سيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه).

٢. شَوْقُ القُلُوبِ وَحَقِيقَةُ المَحَبَّةِ: كَيْفَ كَانَ الصَّحَابَةُ يُحِبُّونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ (قصة سيدنا ثوبان رضي الله عنه).

٣. رَبِيعُ الأَخْلَاقِ وَالرَّحْمَةِ: كَيْفَ نَعِيشُ هَدْيَ النَّبِيِّ فِي بُيُوتِنَا وَمُجْتَمَعِنَا؟ (قصة سيدنا الأقرع بن حابس رضي الله عنه).

٤. مِنَ الشُّعُورِ إِلَى العَمَلِ: خُطُوَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِلاِقْتِدَاءِ بِالسَّيِّدِ المَعْصُومِ ﷺ (قصة سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما – الخطبة الثانية).

الموضوع

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: ١٢٨]. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَعَظِيمَنَا وَمُعَلِّمَنَا وَقُدْوَتَنَا سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَشِيراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ المَيَامِينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

الْلَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، الفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرِ الحَقِّ بِالحَقِّ، وَالهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ المُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ العَظِيمِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ…

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْأَبْرَارُ، نَسْتَقْبِلُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ المَبَارَكَةِ نَفَحَاتِ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، الشَّهْرِ الَّذِي أَبْرَزَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ لِلْوُجُودِ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَلَا وَإِنَّ الاِحْتِفَاءَ بِمَوْلِدِهِ الشَّرِيفِ لَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرَى عَابِرَةٍ أَوْ قَصَائِدَ تُتْلَى فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ مَوْعِدٌ لِتَجْدِيدِ العَهْدِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَحَبَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَعْظِيمِ قَدْرِهِ الشَّرِيفِ، وَتَحْوِيلِ هَذِهِ المَحَبَّةِ إِلَى مَنْهَجِ حَيَاةٍ يَتَجَسَّدُ فِي الأَخْلَاقِ وَالمُعَامَلَاتِ، وَيَبْثُّ الرَّحْمَةَ وَالخَيْرَ بَيْنَ النَّاسِ أَبْرَارِهِمْ وَفُجَّارِهِمْ.

العنصر الأول: قَدْرُ النَّبِيِّ ﷺ فِي القُرْآنِ: كَيْفَ كَرَّمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ؟

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ مَقَامَ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَقَامٌ لَمْ يَبْلُغْهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. لَقَدْ زَكَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي كُلِّ جَوَانِبِهِ؛ زَكَّى عَقْلَهُ فَقَالَ: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}، وَزَكَّى بَصَرَهُ فَقَالَ: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}، وَزَكَّى لِسَانَهُ فَقَالَ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى}، وَزَكَّى خُلُقَهُ كُلَّهُ فَقَالَ فِي سُورَةِ القَلَمِ: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ٤].

وَمِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ، أَنَّهُ لَمْ يُنَادِهِ فِي القُرْآنِ بِاسْمِهِ المَجَرَّدِ قَطُّ، بَلْ كَانَ يُنَادِيهِ بَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}، {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ}، وَرَفَعَ ذِكْرَهُ فَلَا يُذْكَرُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي أَذَانٍ أَوْ تَشَهُّدٍ إِلا وَيُذْكَرُ مَعَهُ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

وَشَقَّ لَهُ مِنْ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ … فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ

وَكَمَا قَالَ الإِمَامُ البُوصِيرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:

فَمَبْلَغُ الْعِلْمِ فِيهِ أَنَّهُ بَشَرٌ … وَأَنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِمِ

وَانْسُبْ إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ … وَانْسُبْ إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمِ

● قِصَّةُ سَيِّدِنَا حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (شَاعِرِ الرَّسُولِ ﷺ)

فِي المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، حَيْثُ تَتَنَزَّلُ السَّكِينَةُ وَتُشْرِقُ الأَنْوَارُ، كَانَ سَيِّدُنَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقِفُ لِيَسْتَفْرِغَ كُلَّ مَا فِي وِجْدَانِهِ مِنْ طَاقَةٍ وَبَيَانٍ، يَصُوغُ الشِّعْرَ فِي مَدْحِ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالذَّبِّ عَنْ عِرْضِهِ الشَّرِيفِ، وَكَأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ يَقُولُهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ يَسْقُطُ عَلَى أَعْدَاءِ الإِسْلَامِ.

ثَاقِبٌ يَسْقُطُ عَلَى أَعْدَاءِ الإِسْلَامِ.

رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ سَيِّدَنَا حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ يُنْشِدُ الشِّعْرَ فِي المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، فَمَرَّ بِهِ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً كَأَنَّهُ يُنْكِرُ عَلَيْهِ إِنْشَادَ الشِّعْرِ فِي هَذَا المَكَانِ الطَّاهِرِ! فَمَا كَانَ مِنْ سَيِّدِنَا حَسَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلا أَنْ قَالَ بِكُلِّ ثِقَةٍ وَيَقِينٍ: «قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ فِيهِ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ!»، ثُمَّ التَفَتَ إِلَى سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ: «أَنْشُدُكَ اللَّهَ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أُجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ؟» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «نَعَمْ!».

تَأَمَّلُوا هَذَا المَشْهَدَ العَظِيمَ! سَيِّدُنَا وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْصِبُ لِسَيِّدِنَا حَسَّانَ مِنْبَراً خَاصّاً فِي المَسْجِدِ، وَيَدْعُو لَهُ بِأَنْ يُؤَيِّدَهُ المَلَكُ المَقَرَّبُ سَيِّدُنَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَطْ لأَنَّهُ سَخَّرَ مَوْهِبَتَهُ لِتَعْظِيمِ قَدْرِ الحَبِيبِ المصطفى ﷺ وَنَشْرِ حُسْنِهِ وَأَخْلَاقِهِ بَيْنَ العَالَمِينَ.

العنصر الثاني: شَوْقُ القُلُوبِ وَحَقِيقَةُ المَحَبَّةِ: كَيْفَ كَانَ الصَّحَابَةُ يُحِبُّونَ رَسُولَ اللَّهِ؟

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ المَحَبَّةَ الصَّادِقَةَ لِسَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَتْ أُمْنِيَةً بِاللِّسَانِ، بَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ إِيمَانِيَةٌ تُشْعِلُ الشَّوْقَ فِي القَلْبِ. رَوَى الإِمَامَانِ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ سَيِّدِنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [أخرجه البخاري ومسلم].

• قصة سيدنا ثوبان رضي الله عنه وشوقه للحبيب: (شَوْقُ المُحِبِّ الصَّادِقِ)

دَخَلَ سَيِّدُنَا ثَوْبَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَوْلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَوْماً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا بِهِ حَزِينٌ كَئِيبٌ، قَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُ الشَّرِيفُ وَنَحُلَ جِسْمُهُ، وَتَمَلَّكَ الحُزْنُ مِنْ مَلَامِحِهِ!

فَنَظَرَ إِلَيْهِ سَيِّدُنَا وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَحْمَتِهِ المَعْهُودَةِ وَقَالَ: «مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ يَا ثَوْبَانُ؟!»، فَقَالَ سَيِّدُنَا ثَوْبَانُ وَدُمُوعُ الشَّوْقِ فِي عَيْنَيْهِ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بِي مِنْ وَجَعٍ وَلا أَلَمٍ، إِلا أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَكَ اشْتَقْتُ إِلَيْكَ وَاسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَأَخَافُ أَنْ لا أَرَاكَ هُنَاكَ! لأَنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَإِنِّي إِذَا دَخَلْتُ الجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتِكَ، وَإِنْ لَمْ أَدْخُلْهَا فَمَا أَرَاكَ أَبَداً!».

انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّوْقِ الَّذِي يَأْخُذُ بِالأَلْبَابِ! هَمُّ الصَّحَابِيِّ لَمْ يَكُنْ عَنْ الدُّنْيَا أَوْ زِينَتِهَا، بَلْ كَانَ خَوْفاً مِنْ لَحْظَةٍ لا يَرَى فِيهَا وَجْهَ سَيِّدِنَا المُنْصِفِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَرُدَّ شَيْئاً، فَأَغَاثَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا القَلْبَ المَشُوقَ، وَتَنَزَّلَ سَيِّدُنَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبُشْرَى الخُلُودِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ:

{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} [النساء: ٦٩].

فَكَانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أَعْظَمَ فَرَحَةٍ نَزَلَتْ عَلَى قُلُوبِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

العنصر الثالث: رَبِيعُ الأَخْلَاقِ وَالرَّحْمَةِ: كَيْفَ نَعِيشُ هَدْيَ النَّبِيِّ فِي بُيُوتِنَا وَمُجْتَمَعِنَا؟

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ التَّعْبِيرَ الحَقِيقِيَّ عَنْ الاِبْتِهَاجِ بِمَوْلِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأول يَتَجَلَّى فِي إِحْيَاءِ خُلُقِهِ الرَّفِيعِ وَرَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتِ العَالَمِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنْبِيَاءِ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧].

لَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَّ الرَّحْمَةِ فِي بَيْتِهِ، مَعَ أَهْلِهِ وَصِبْيَانِهِ وَضُعَفَائِهِ، يَنْشُرُ الدِّفْءَ وَالحَنَانَ حَيْثُمَا حَلَّ.

●قِصَّةُ سَيِّدِنَا الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (مُعَلِّمُ الرَّحْمَةِ النَّبَوِيَّةِ)

رَوَى الإِمَامَانِ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِساً مَعَ أَصْحَابِهِ، فَأَقْبَلَ سَيِّدُنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -وَهُوَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ- فَرَفَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَقَبَّلَهُ بِمَحَبَّةٍ وَحَنَانٍ.

وَكَانَ جَالِساً عِنْدَهُ سَيِّدُنَا الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ رَجُلاً قَاسِيَ الطَّبْعِ يَعِيشُ حَيَاةَ البَادِيَةِ الجَافِيَةِ، فَلَمَّا رَأَى هَذَا المَشْهَدَ الدَّافِئَ، اسْتَغْرَبَ وَقَالَ: «إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَداً!».

فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ سَيِّدُنَا وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَظَرَ فِي عَيْنَيْهِ نَظْرَةَ المُرَبِّي العَظِيمِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَزْرَعَ الرَّحْمَةَ فِي القُلُوبِ القَاسِيَةِ، ثُمَّ أَرَكَبَ قَاعِدَةً شَرِيعَةً وَإِنْسَانِيَةً جَلِيلَةً حِينَمَا قَالَ: «مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ!».

إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا أَنَّ تَقْبِيلَ الأَطْفَالِ، وَحِنَايَةَ الآبَاءِ عَلَى الأَبْنَاءِ، وَعَطْفَ القَوِيِّ عَلَى الضعِيفِ لَيْسَ مُجَرَّدَ سُلُوكٍ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِتَنَزُّلِ رَحْمَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى العَبْدِ.

اقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، الصَادِقُ الأَمِينُ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ:ايها الساده الكرام..

العنصر الرابع: مِنَ الشُّعُورِ إِلَى العَمَلِ: خُطُوَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِلاِقْتِدَاءِ بِالسَّيِّدِ المَعْصُومِ ﷺ

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ الاِحْتِفَالَ بِسَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطَالِبُنَا بِأَنْ نَنْتَقِلَ مِنْ عَاطِفَةِ الشُّعُورِ إِلَى وَاقِعِ العَمَلِ. لَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَتَرْجِمُونَ المَحَبَّةَ إِلَى اتِّبَاعٍ دَقِيقٍ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ.

● قِصَّةُ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (شِدَّةُ الاِتِّبَاعِ وَالاِقْتِدَاءِ)

إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ كَيْفَ كَانَتْ المَحَبَّةُ تَتَحَوَّلُ إِلَى عَمَلٍ وَاتِّبَاعٍ دَقِيقٍ، فَانْظُرْ إِلَى سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا! فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّهُ كَانَ أَتْبَعَ النَّاسِ لِلآثَارِ النَّبَوِيَّةِ.

كَانَ سَيِّدُنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِذَا سَافَرَ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي سَافَرَ فِيهِ سَيِّدُنَا وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَبْحَثُ عَنِ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَزَلَ تَحْتَهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَيَنْزِلُ تَحْتَهَا، وَيَبْحَثُ عَنِ المَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي فِيهَا! بَلْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَدُورُ بِنَاقَتِهِ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ لأَنَّهُ رَأَى نَاقَةَ النَّبِيِّ ﷺ دَارَتْ فِيهِ!

لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَمْراً وَاجِباً فِي الشَّرْعِ، لَكِنَّهُ الحُبُّ الصَّادِقُ الَّذِي يَدْفَعُ المَرْءَ لِتَتَبُّعِ أَنْفَاسِ المَحْبُوبِ وَخَطَوَاتِهِ. كَانَ يَقُولُ بِلِسَانِ الحَالِ: “كُلُّ مَكَانٍ مَسَّتْهُ قَدَمُ سَيِّدِنَا المُنْصِفِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ مَكَانٌ مُبَارَكٌ يُشَرِّفُنِي أَنْ أَطَأَهُ”. هَكَذَا عَرَفَ الصَّحَابَةُ أَنَّ حَقِيقَةَ المَحَبَّةِ هِيَ الاِتِّبَاعُ الشَّدِيدُ وَالاِقْتِدَاءُ الصَّادِقُ.

وَلِكَي نَكُونَ صَادِقِينَ فِي احْتِفَائِنَا بِذِكْرَى المَوْلِدِ النَّبَوِيِّ المَبَارَكِ، إِلَيْكُمْ هَذِهِ الخُطُوَاتِ العَمَلِيَّةَ:

1- الإِكْثَارُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ: اجْعَلُوا لَكُمْ وِرْداً يَوْمِيّاً مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى سَيِّدِنَا المُنْصِفِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّهَا جَلَاءُ الهُمُومِ وَغُفْرَانُ الذُّنُوبِ.

2- تَعْلِيمُ السِّيرَةِ فِي البُيُوتِ: خَصِّصُوا وَقْتاً مَعَ أَبْنَائِكُمْ لِقِرَاءَةِ سِيرَتِهِ العَطِرَةِ، لِيَعْرِفُوا أَعْظَمَ شَخْصِيَّةٍ فِي التَّارِيخِ وَيَتَّخِذُوهُ قُدْوَةً.

3- التَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِهِ فِي السُّوقِ وَالعَمَلِ: أَدُّوا الأَمَانَاتِ، وَاتْرُكُوا الغِشَّ وَالتَّطْفِيفَ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ.

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاجْعَلُوا هَذَا الشَّهْرَ المَبَارَكَ انْطِلَاقَةً حَقِيقِيَّةً لِصَلَاحِ القُلُوبِ وَتَقْوِيمِ السُّلُوكِ.

الدعاء: الْلَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ فِي الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَفِي المَلَإِ الأَعْلَى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حُبَّ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُبّاً صَادِقاً، وَأَحْيِنَا عَلَى سُنَّتِهِ، وَتَوَفَّنَا عَلَى مِلَّتِهِ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ تَحْتَ لِوَائِهِ، وَاسْقِنَا مِنْ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ شَرْبَةً هَنِيئَةً مَرِيئَةً لَا نَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَداً. اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَنَا الغَالِيَةَ كِنَانَتَكَ فِي أَرْضِكَ، وَاجْعَلْهَا وَاحَةً لِلأَمْنِ وَالأَمَانِ، وَالسِّلْمِ وَالسَّلَامِ، وَالرَخَاءِ وَالاسْتِقْرَارِ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ رَئِيسَ الجُمْهُورِيَّةِ لِمَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ إِلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى، وَهَيِّئْ لَهُ البِطَانَةَ الصَّالِحَةَ المُنَاصِحَةَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ جَيْشَ مِصْرَ وَشُرْطَتَهَا، وَاشْفِ مَرْضَانَا، وَارْحَمْ مَوْتَانَا وَشُهَدَاءَنَا الأَبْرَارَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالسَّدَادُ – كَتَبَهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ أَحْمَد إِسْمَاعِيلَ الْفَشْنِيِّ.

الْقَاهِرَةُ فِي ٥ رَبِيعٍ الأَوَّلِ ١٤٤٨ هـ – ١٨ أَغُسْطُسَ ٢٠٢٦ م