خطبة بعنوان : أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ (احترامُ الرموز) للدكتور : محمد القاسم


خطبة بعنوان : أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ (احترامُ الرموز)
للدكتور : محمد القاسم

عناصر الخطبة:

🔸 معرفةُ أقدارِ الناسِ والاعترافُ بفضلِ أهلِ الفضلِ من مكارمِ الأخلاقِ.

🔸 صورٌ من الهديِ النبويِّ في معرفةِ أقدارِ الناسِ وتوقيرِ الكبيرِ.

🔸 إجلالُ العلماءِ وحفظُ مكانةِ العلمِ وأهلِ الفضلِ.

🔸 احترامُ الرموزِ الوطنيةِ وذوي المكانةِ وصيانةُ هيبةِ أهلِ الفضلِ.

🔹المقدمة والتمهيد:

 

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، جعلَ مكارمَ الأخلاقِ من دلائلِ الإيمانِ، وأمرَ بالعدلِ والإحسانِ، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ، وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعينَ.

 

أما بعدُ، فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واعلموا أنَّ من جمالِ الدينِ أن يعرفَ الإنسانُ للناسِ أقدارَهم، وأن يضعَ كلَّ إنسانٍ في الموضعِ الذي يليقُ بهِ.

 

يومَ فتحِ مكةَ، جاءَ أبو بكرٍ الصديقُ رضي اللهُ عنه بأبيهِ أبي قحافةَ إلى رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، وكانَ شيخًا كبيرًا قد عميَ بصرُهُ. فلما رآهُ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ لأبي بكرٍ: «هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيَهُ فِي بَيْتِهِ».

 

تأملوا هذا المشهدَ: شيخٌ كبيرٌ يأتي ليعلنَ إسلامَهُ، وابنُهُ يريدُ أن يضعَهُ بينَ يدي رسولِ اللهِ، والنبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يلتفتُ إلى حالِ الشيخِ قبلَ الموقفِ نفسِهِ. لم يمنعْهُ الفرحُ بإسلامِهِ من ملاحظةِ سنِّهِ وضعفِهِ، بل رأى أنَّ لهذا الشيخِ حقًّا في أن يُكرَمَ، وأن يُؤتى إليهِ في موضعِهِ.

 

ومن هذهِ اللفتةِ النبويةِ نفهمُ معنى أوسعَ: الناسُ ليسوا سواءً في الخبرةِ والسنِّ والعلمِ والسابقةِ والخدمةِ، وإن كانوا سواءً في أصلِ الكرامةِ الإنسانيةِ. ومعرفةُ المقاماتِ اعترافٌ بما للإنسانِ من حقٍّ أو فضلٍ. فكيفَ أنزلَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ الناسَ منازلَهم؟ وكيفَ نحفظُ للعلماءِ وأهلِ الخبرةِ وأصحابِ المسؤوليةِ والرموزِ الوطنيةِ مكانتَهم، مع بقاءِ ميزانِ الحقِّ والعدلِ؟

🔹 أولا: معرفةُ أقدارِ الناسِ والاعترافُ بفضلِ أهلِ الفضلِ من مكارمِ الأخلاقِ.

 

من مكارمِ الأخلاقِ أن يرى الإنسانُ فضلَ غيرِهِ كما يرى فضلَهُ، وأن يعرفَ لمن سبقَهُ حقَّ السبقِ، ولمن تعلَّمَ حقَّ العلمِ، ولمن خدمَ الناسَ حقَّ الخدمةِ. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].

 

فالعدلُ لا يقتضي أن نجعلَ الناسَ في منزلةٍ واحدةٍ من كلِّ وجهٍ؛ لأنَّ تفاوتَهم في العلمِ والتجربةِ والبذلِ حقيقةٌ. ومن الوفاءِ أن نشكرَ من أحسنَ، وأن نذكرَ لصاحبِ المعروفِ معروفَهُ، وأن ننتفعَ بتجربةِ من أفنى عمرَهُ في ميدانٍ نافعٍ.

 

وهذا الخلقُ يحمي المجتمعَ من مرضينِ متقابلينِ: الجحودِ الذي يمحو فضلَ السابقينَ، والتعظيمِ الأعمى الذي يرفعُ الأشخاصَ فوقَ قدرِهم. فنعطي كلَّ إنسانٍ حقَّهُ من غيرِ مبالغةٍ، ونحفظُ كرامتَهُ من غيرِ تملقٍ، ونستفيدُ من خبرتِهِ من غيرِ أن نجعلَها عصمةً.

قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]. فكلما اتسعتْ بصيرةُ الإنسانِ عرفَ قدرَهُ، وعرفَ كذلكَ أنَّ للآخرينَ مواهبَ وتجاربَ وحقوقًا لا يجوزُ أن يطمسَها الهوى أو المنافسةُ أو الرغبةُ في الظهورِ.

 

وما أجملَ أن يتعلمَ أبناؤنا أنَّ الاعترافَ بفضلِ الآخرينَ لا ينقصُ من قدرِهم؛ فالمجتمعُ الذي يعرفُ فضلَ أهلِهِ يبني جسورًا بينَ أجيالِهِ، ويحفظُ الخبرةَ، ويشجعُ الإحسانَ، ويورثُ الوفاءَ، ويجعلُ أصحابَ العطاءِ قدوةً حسنةً للأجيالِ في خدمةِ الناسِ وحفظِ الجميلِ.

🔹 ثانيا: صورٌ من الهديِ النبويِّ في معرفةِ أقدارِ الناسِ وتوقيرِ الكبيرِ.

 

كانَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يربي أصحابَهُ على مراعاةِ المقاماتِ، قالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا». فالكبيرُ لهُ حقٌّ، والصغيرُ لهُ رحمةٌ، ولكلِّ إنسانٍ ما يناسبُ حالَهُ من المعاملةِ.

 

ومن أبلغِ الشواهدِ مجلسُ عمرَ بنِ الخطابِ رضي اللهُ عنه، حينَ كانَ يُدخلُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ رضي اللهُ عنهما مع أشياخِ بدرٍ، فاستغربَ بعضُهم صغرَ سنِّهِ. فسألَهم عمرُ عن سورةِ النصرِ، فأجابَ ابنُ عباسٍ بأنَّ فيها إشارةً إلى قربِ أجلِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، فوافقَ عمرُ فهمَهُ.

 

لم يُلغِ عمرُ فضلَ السابقينَ، ولم يجعلِ السنَّ حاجزًا أمامَ العلمِ. جمعَ في مجلسٍ بينَ حرمةِ السابقةِ، وقيمةِ الفهمِ، فكانَ لكلِّ واحدٍ منزلتُهُ المناسبةُ. وهذا من دقةِ الهديِ النبويِّ في تربيةِ النفوسِ: لا يحتقرُ الصغيرَ لأنَّهُ صغيرٌ، ولا يهملُ الكبيرَ لأنَّهُ كبيرٌ، ولا يقدِّمُ السنَّ في كلِّ مقامٍ، ولا يجعلُ الشبابَ ذريعةً لإقصاءِ أهلِ التجربةِ.

 

الحكمةُ أن نعرفَ سببَ التقديمِ في كلِّ موضعٍ؛ فالمسؤوليةُ لها أهلُها، والعلمُ لهُ أهلُهُ، والخبرةُ لها أصحابُها، والسنُّ لهُ حقُّهُ. فإذا اجتمعتْ هذهِ المعاني في مجتمعٍ واحدٍ، عاشَ أفرادُهُ متعاونينَ، لا يتنازعونَ المراتبَ، ولا يحوِّلُ اختلافُ الأعمارِ إلى خصومةٍ بينَ الأجيالِ. تلكَ هي أخلاقُ المجالسِ التي تعرفُ للناسِ حقوقَهم.

🔹 ثالثا: إجلالُ العلماءِ وحفظُ مكانةِ العلمِ وأهلِ الفضلِ.

 

ومن أحقِّ الناسِ بالتقديرِ أهلُ العلمِ؛ لأنَّ العلمَ يفتحُ للناسِ أبوابَ الفهمِ والبصيرةِ. قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18]، وقال سبحانهُ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].

وقالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ».

 

ومن احترامِ العلمِ أن نعرفَ لأهلِهِ فضلَهم، وأن نرجعَ إلى المتخصصِ فيما يحسنُ، وألا نستبدلَ البحثَ العلميَّ بانطباعٍ سريعٍ، ولا الخبرةَ الراسخةَ بمقطعٍ عابرٍ في وسائلِ التواصلِ. فليسَ كلُّ ما ينتشرُ دليلًا، ولا كلُّ من أحسنَ الكلامَ صارَ متخصصًا.

واحترامُ العالمِ لا يعني أنَّ كلامَهُ معصومٌ؛ فالعالمُ يجتهدُ ويصيبُ ويخطئُ، وقد تختلفُ أقوالُ العلماءِ، ويبقى لهم قدرُهم. ومن حقِّ العلمِ أن يكونَ تصحيحُ الخطأِ بالحجةِ والأدبِ، لا بالسخريةِ والتشهيرِ.

 

وتختلُّ الموازينُ حينَ يرفعُ الناسُ غيرَ المتخصصِ فوقَ المتخصصِ لمجردِ موافقةِ رغباتِهم، أو يسقطونَ عالمًا لأنَّ اجتهادَهُ لم يوافقْ ما ألفوهُ. قالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».

 

فليتعلمْ أبناؤنا أنَّ للعلمِ أهلًا، وأنَّ اختلافَ العلماءِ بابٌ للنظرِ والتعلمِ، لا ذريعةٌ لإسقاطِهم أو احتقارِهم، وأنَّ السؤالَ لأهلِ الاختصاصِ أدبٌ قبلَ أن يكونَ وسيلةً لتحصيلِ المعرفةِ.

 

🔺الخطبة الثانية:

🔹 رابعا: احترامُ الرموزِ الوطنيةِ وذوي المكانةِ وصيانةُ هيبةِ أهلِ الفضلِ.

يمتدُّ هذا الخلقُ إلى من كانتْ لهُ مكانةٌ معتبرةٌ بسببِ علمٍ، أو خبرةٍ، أو مسؤوليةٍ، أو خدمةٍ قدَّمَها للناسِ والوطنِ. واحترامُ المسؤولِ أو صاحبِ الرمزِ العامِّ ليسَ عبادةً لشخصِهِ، ولا تنازلًا عن حقِّ النقدِ؛ إنما هو أدبٌ في التعاملِ، واعترافٌ بما حملَ من مسؤوليةٍ وما قدَّمَ من خدمةٍ.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]. والطاعةُ إنما تكونُ في المعروفِ، أما النقدُ المنضبطُ فحقٌّ، لكنَّ لهُ لغةً تليقُ بالحقِّ وبالمجتمعِ.