خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ 

 

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ

الْمُوَافِقُ: الْعِشْرُونَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ 1448هـ – الثَّانِي مِنْ أُكْتُوبَرَ 2026م

لتحميل الخطبة يرجى الضغط على الرابط التالي :

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ

عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ

أَوَّلًا: التَّكْرِيمُ الْإِلَهِيُّ لِلْإِنْسَانِ: مَنْزِلَتُهُ وَسِرُّ خُصُوصِيَّتِهِ.

ثَانِيًا: مَظَاهِرُ تَكْرِيمِ اللَّهِ لِبَنِي آدَمَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.

ثَالِثًا: هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي احْتِرَامِ آدَمِيَّةِ الْإِنْسَانِ وَصَوْنِ كَرَامَتِهِ.

رَابِعًا: صُوَرٌ مِنِ انْتِهَاكِ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ فِي وَاقِعِنَا وَوُجُوبُ نَبْذِهَا.

خَامِسًا: الرَّسَائِلُ الَّتِي نُرِيدُ أَنْ نُوَصِّلَهَا مِنْ خِلَالِ الْخُطْبَةِ.

سَادِسًا: نَمَاذِجُ عَمَلِيَّةٌ لِتَكْرِيمِ الْإِنْسَانِ

الْخُطْبَةُ الْأُولَى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ:

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: تَعَالَوْا بِنَا نَقِفُ وَقْفَةَ تَأَمُّلٍ مَعَ آيَةٍ قُرْآنِيَّةٍ عَظِيمَةٍ، حَمَلَتْ فِي طَيَّاتِهَا أَعْظَمَ إِعْلَانٍ عَنْ قَدْرِ هَذَا الْإِنْسَانِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]. فَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ آيَةٍ! يُعْلِنُ فِيهَا رَبُّ الْعِزَّةِ تَكْرِيمَهُ لِبَنِي آدَمَ جَمِيعًا، مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، أَبْيَضِهِمْ وَأَسْوَدِهِمْ، غَنِيِّهِمْ وَفَقِيرِهِمْ؛ فَالْإِنْسَانِيَّةُ وَحْدَهَا سَبَبُ هَذَا التَّكْرِيمِ.

وَتَأَمَّلُوا مَعِي أَلْفَاظَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} أَيْ سَخَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ وَسَائِلَ التَّنَقُّلِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالْجَوِّ، وَ{رَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} أَيْ أَبَاحَ لَهُ مِنَ الطَّعَامِ أَطْيَبَهُ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تَأْكُلُ مَا وَجَدَتْ، وَ{فَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} أَيْ رَفَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْعَقْلِ وَالنُّطْقِ وَالتَّمْيِيزِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ.

وَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ تَكْرِيمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلْإِنْسَانِ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ اخْتَارَهُ وَحْدَهُ لِحَمْلِ الْأَمَانَةِ الَّتِي عَجَزَتْ عَنْ حَمْلِهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]. فَهَذَا التَّكْرِيمُ الْعَظِيمُ بِحَمْلِ الْأَمَانَةِ – أَمَانَةِ التَّكْلِيفِ وَالِاخْتِيَارِ – يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ مَسْؤُولًا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ صَوْنِ كَرَامَةِ غَيْرِهِ مَعًا.

أَوَّلًا: التَّكْرِيمُ الْإِلَهِيُّ لِلْإِنْسَانِ

لَقَدِ اخْتَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْإِنْسَانَ بِتَكْرِيمٍ لَمْ يَنَلْهُ سَائِرُ الْمَخْلُوقَاتِ؛ فَخَلَقَهُ بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ مَلَائِكَتَهُ بِالسُّجُودِ لَهُ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71-72]. فَسَجَدَتِ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهَا أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ؛ فَكَانَ أَوَّلُ ذَنْبٍ فِي الْوُجُودِ هُوَ الِاسْتِعْلَاءُ عَلَى تَكْرِيمِ اللَّهِ لِلْإِنْسَانِ! وَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَأَعْدَلِ قَامَةٍ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4].

وَمِنْ سِرِّ هَذَا التَّكْرِيمِ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اسْتَخْلَفَ الْإِنْسَانَ فِي أَرْضِهِ، وَسَخَّرَ لَهُ مَا فِي الْكَوْنِ كُلِّهِ، وَوَهَبَهُ الْعَقْلَ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ سَائِرِ الْخَلْقِ، فَهُوَ مُكَرَّمٌ فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ، مُكَرَّمٌ فِي عَقْلِهِ، مُكَرَّمٌ فِي اسْتِخْلَافِهِ؛ فَلَيْسَ التَّكْرِيمُ – يَا عِبَادَ اللَّهِ – وَصْفًا يُكْتَسَبُ بِجَاهٍ أَوْ مَالٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ نَسَبٍ، بَلْ هُوَ مِنَحَةٌ رَبَّانِيَّةٌ لِكُلِّ مَنْ حَمَلَ صِفَةَ الْآدَمِيَّةِ.

وَمِنْ أَعْجَبِ مَا يُرْوَى فِي بَيَانِ عِظَمِ هَذَا التَّكْرِيمِ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيَجْعَلُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، تَعَجَّبُوا وَقَالُوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30]، فَأَجَابَهُمُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ بِمَا يَحْمِلُ سِرَّ التَّكْرِيمِ: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، ثُمَّ أَظْهَرَ لَهُمْ فَضْلَ الْإِنْسَانِ بِالْعِلْمِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31]، فَعَجَزَتِ الْمَلَائِكَةُ عَنِ الْإِجَابَةِ، وَأَنْبَأَهُمْ آدَمُ بِأَسْمَائِهَا، فَظَهَرَ بِذَلِكَ سِرُّ تَكْرِيمِ الْإِنْسَانِ: أَنَّهُ خُلِقَ لِيَتَعَلَّمَ وَيَعْمُرَ وَيُفَكِّرَ، لَا لِيُفْسِدَ وَيَسْفِكَ الدِّمَاءَ.

وَقَدْ أَحْسَنَ الشَّاعِرُ إِذْ عَبَّرَ عَنْ مَكَانَةِ الْإِنْسَانِ الْمُكَرَّمِ بِعَقْلِهِ وَعِلْمِهِ فَقَالَ فِي مَعْنَاهُ:

وَمَا الْإِنْسَانُ إِلَّا بِعَقْلِهِ ** فَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَا عَقْلٍ لَمْ يَكُنْ إِنْسَانَا

ثَانِيًا: مَظَاهِرُ تَكْرِيمِ اللَّهِ لِبَنِي آدَمَ فِي الْقُرْآنِ

وَمِنْ مَظَاهِرِ هَذَا التَّكْرِيمِ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَتَرَ عَوْرَةَ الْإِنْسَانِ وَصَانَ جَسَدَهُ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا} [الأعراف: 26]. وَمِنْ مَظَاهِرِهِ أَيْضًا: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ صَانَ دَمَ الْإِنْسَانِ وَحَرَّمَ الِاعْتِدَاءَ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]؛ فَجَعَلَ قَتْلَ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ بِمَنْزِلَةِ قَتْلِ الْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ، تَعْظِيمًا لِقِيمَةِ النَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ.

وَمِنْ أَعْجَبِ صُوَرِ هَذَا التَّكْرِيمِ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَرَّمَ الْإِنْسَانَ حَتَّى فِي مَوْتِهِ؛ فَحِينَ قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ، لَمْ يَدْرِ مَاذَا يَصْنَعُ بِجُثَّتِهِ، فَعَلَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى يَدِ غُرَابٍ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي} [المائدة: 31]. فَحَتَّى الْجَسَدُ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الرُّوحِ لَهُ لَهُ حُرْمَتُهُ وَكَرَامَتُهُ الَّتِي يَجِبُ صَوْنُهَا.

وَمِنْ مَظَاهِرِ التَّكْرِيمِ أَيْضًا: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِلْإِنْسَانِ حُرْمَةً فِي عِرْضِهِ وَسُمْعَتِهِ، فَحَرَّمَ الْغِيبَةَ وَشَبَّهَهَا بِأَبْشَعِ تَشْبِيهٍ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12]؛ فَجَعَلَ الْمَسَّ بِعِرْضِ الْإِنْسَانِ فِي غَيْبَتِهِ كَأَكْلِ لَحْمِهِ مَيْتًا، تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ عِرْضِهِ كَتَعْظِيمِ حُرْمَةِ جَسَدِهِ.

وَمِنْ صُوَرِ التَّكْرِيمِ الْقُرْآنِيِّ أَيْضًا: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَوَّى بَيْنَ بَنِي آدَمَ فِي أَصْلِ النَّشْأَةِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]؛ فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ التَّنَوُّعَ فِي الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّعَارُفِ لَا لِلتَّفَاخُرِ أَوِ التَّمَايُزِ، وَأَنَّ مِعْيَارَ الْكَرَامَةِ الْحَقِيقِيَّةَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ التَّقْوَى وَحْدَهَا، لَا اللَّوْنُ وَلَا الْجِنْسُ وَلَا الْقَبِيلَةُ.

ثَالِثًا: هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي احْتِرَامِ آدَمِيَّةِ الْإِنْسَانِ

وَقَدْ جَسَّدَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا التَّكْرِيمَ فِي أَبْهَى صُوَرِهِ، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. فَانْظُرُوا كَيْفَ امْتَدَّ احْتِرَامُ آدَمِيَّةِ الْإِنْسَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِلَى عِظَامِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ! وَمِنْ أَعْظَمِ إِعْلَانَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ: مَا قَالَهُ فِي خُطْبَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَمَامَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَحَابِيٍّ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى» رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وَمِنْ أَجْمَلِ الْمَوَاقِفِ الَّتِي تُرْسِخُ هَذَا الْمَبْدَأَ: مَا رَوَاهُ سَيِّدُنَا أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ نَفْسِهِ؛ إِذْ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِنَا بِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَلَامٌ، فَعَيَّرَهُ أَبُو ذَرٍّ بِأُمِّهِ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ السَّوْدَاءِ! فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِأَبِي ذَرٍّ: «أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. يَقُولُ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَاوِيًا مَا فَعَلَهُ نَدَمًا: فَوَضَعْتُ خَدِّي عَلَى الْأَرْضِ، وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَرْفَعُ خَدِّي حَتَّى يَطَأَ بِلَالٌ عَلَيْهِ بِقَدَمِهِ! فَتَأَمَّلُوا – سَادَتِي الْكِرَامَ – كَيْفَ سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الِانْتِقَاصَ مِنَ الْإِنْسَانِ بِسَبَبِ لَوْنِهِ أَوْ أَصْلِهِ «جَاهِلِيَّةً»، وَلَوْ صَدَرَ مِنْ صَحَابِيٍّ جَلِيلٍ كَأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ!

وَمِنْ هَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا فِي احْتِرَامِ آدَمِيَّةِ الْإِنْسَانِ حَتَّى فِي أَحْلَكِ لَحَظَاتِ الْخِصَامِ: نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَجَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَجْهَ – وَهُوَ مَجْمَعُ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ وَمَحَلُّ حُسْنِهِ – مَوْضِعَ تَعْظِيمٍ لَا يُمَسُّ حَتَّى فِي حَالِ الْغَضَبِ وَالْخِصَامِ.

وَمِنْ أَبْدَعِ الْمَوَاقِفِ النَّبَوِيَّةِ فِي إِكْرَامِ الْإِنْسَانِ وَلَوْ كَانَ عَدُوًّا أَسِيرًا: قِصَّةُ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، سَيِّدِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ؛ فَقَدْ أَسَرَهُ الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ مُشْرِكٌ عَدُوٌّ لِلْإِسْلَامِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَسْأَلُهُ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟»، وَيَأْمُرُ بِإِكْرَامِهِ وَإِطْعَامِهِ مِنْ أَفْضَلِ الطَّعَامِ، حَتَّى أَطْلَقَهُ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ بِغَيْرِ فِدَاءٍ، فَذَهَبَ ثُمَامَةُ وَاغْتَسَلَ ثُمَّ عَادَ فَأَسْلَمَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ! رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. فَهَكَذَا يَكُونُ حُسْنُ الْمُعَامَلَةِ وَصَوْنُ الْكَرَامَةِ سَبَبًا فِي هِدَايَةِ الْقُلُوبِ، حَتَّى مَعَ الْأَعْدَاءِ.

رَابِعًا: صُوَرٌ مِنِ انْتِهَاكِ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ وَوُجُوبُ نَبْذِهَا

وَمَعَ هَذَا التَّكْرِيمِ الرَّبَّانِيِّ الْعَظِيمِ، مَا زِلْنَا نَرَى فِي وَاقِعِنَا صُوَرًا مُؤْلِمَةً مِنِ انْتِهَاكِ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ؛ مِنَ التَّنَابُزِ بِالْأَلْقَابِ، وَالسُّخْرِيَةِ مِنَ الْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ، وَاحْتِقَارِ أَصْحَابِ الْمِهَنِ الْبَسِيطَةِ، وَإِهَانَةِ الْعُمَّالِ وَالْخَدَمِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} [الحجرات: 11]. وَقَدْ قَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَلِمَتَهُ الْخَالِدَةَ: «مَتَى اسْتَعْبَدْتُمُ النَّاسَ وَقَدْ وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ أَحْرَارًا؟!»، فَكَانَتْ صَرْخَةً فِي وَجْهِ كُلِّ مَنْ يَنْتَقِصُ مِنْ آدَمِيَّةِ إِنْسَانٍ أَوْ يَسْتَذِلُّهُ.

وَمِنْ أَخْطَرِ صُوَرِ انْتِهَاكِ الْكَرَامَةِ فِي زَمَانِنَا: التَّنَمُّرُ الَّذِي اسْتَشْرَى بَيْنَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، سَوَاءٌ فِي الْمَدَارِسِ أَوْ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، حَتَّى دَفَعَ بَعْضَ الضَّحَايَا إِلَى أَشَدِّ حَالَاتِ الِانْكِسَارِ النَّفْسِيِّ، وَكَذَلِكَ احْتِقَارُ الْعَمَالَةِ الْمَنْزِلِيَّةِ وَالْبَسِيطَةِ، وَكَأَنَّ كَرَامَتَهُمْ أَقَلُّ مِنْ كَرَامَةِ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَقِّ الْخَدَمِ: «إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَسَمَّاهُمْ إِخْوَانًا لَا خَدَمًا، مَعَ اخْتِلَافِ الْمَنْزِلَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.

وَمِنْ أَشَدِّ صُوَرِ انْتِهَاكِ الْكَرَامَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ خُطُورَةً فِي عَصْرِنَا: الِاتِّجَارُ بِالْبَشَرِ وَاسْتِعْبَادُ الْأَحْرَارِ، وَقَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَاعِلَ ذَلِكَ أَشَدَّ الْوَعِيدِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَجَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَفْسَهُ خَصْمًا لِمَنْ يَسْتَرِقُّ إِنْسَانًا حُرًّا أَوْ يَسْلُبُهُ حَقَّهُ، وَكَفَى بِذَلِكَ زَجْرًا وَتَحْذِيرًا.

وَمِنْ أَجْمَلِ صُوَرِ إِكْرَامِ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ فِي هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا كَانَ مِنْ شَأْنِ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ؛ فَبَعْدَ أَنْ عَاتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِهِ بِقَوْلِهِ: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} [عبس: 1-2]، أَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْرِمُهُ غَايَةَ الْإِكْرَامِ، حَتَّى اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ فِي غِيَابِهِ، يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِمَامًا وَهُوَ أَعْمَى، دَرْسًا بَلِيغًا فِي أَنَّ الْإِعَاقَةَ لَا تَنْتَقِصُ مِنْ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ وَلَا مِنْ أَهْلِيَّتِهِ لِتَحَمُّلِ أَعْظَمِ الْمَسْؤُولِيَّاتِ.

وَإِنَّ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ نَتَنَبَّهَ لَهُ أَيْضًا: أَنَّ صَوْنَ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ يَبْدَأُ مِنَ الْكَلِمَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْفِعْلِ، فَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ عَابِرَةٍ تَرَكَتْ جُرْحًا فِي النَّفْسِ لَا يَنْدَمِلُ! وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِحُسْنِ الْقَوْلِ مَعَ النَّاسِ عُمُومًا فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِالْمُسْلِمِينَ وَحْدَهُمْ، بَلْ جَعَلَهَا عَامَّةً فِي التَّعَامُلِ مَعَ النَّاسِ كَافَّةً؛ فَحُسْنُ الْكَلِمَةِ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ احْتِرَامِ آدَمِيَّةِ الْمُخَاطَبِ أَيًّا كَانَ.

وَإِنَّ مِنَ الْحُلُولِ الْعَمَلِيَّةِ لِإِحْيَاءِ هَذَا الْخُلُقِ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا: أَنْ نُدْرِجَ مَفَاهِيمَ احْتِرَامِ الْآخَرِ وَعَدَمِ التَّنَمُّرِ ضِمْنَ التَّرْبِيَةِ فِي الْبَيْتِ وَالْمَدْرَسَةِ، وَأَنْ يُبَادِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِتَقْوِيمِ نَفْسِهِ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يُطَالِبَ غَيْرَهُ، فَإِنَّ التَّغْيِيرَ الْحَقِيقِيَّ يَبْدَأُ مِنَ الدَّاخِلِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

وَلْنَعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ لَا تَتَجَزَّأُ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ نُطَالِبَ بِاحْتِرَامِ كَرَامَتِنَا وَنَحْنُ نَنْتَقِصُ مِنْ كَرَامَةِ غَيْرِنَا؛ فَالْمِيزَانُ وَاحِدٌ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْأَشْخَاصِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ عَدَمَ الظُّلْمِ أُخُوَّةً يَجِبُ أَنْ تَسُودَ بَيْنَ النَّاسِ جَمِيعًا.

خَتَامًا – أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ – إِنَّ أُمَّةً تُحْسِنُ مُعَامَلَةَ أَبْنَائِهَا، وَتَصُونُ كَرَامَةَ ضُعَفَائِهَا، وَتَرْفَعُ مِنْ شَأْنِ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ فِيهَا، هِيَ أُمَّةٌ جَدِيرَةٌ بِأَنْ تَسْتَمِرَّ وَتَزْدَهِرَ، وَأُمَّةُ الْإِسْلَامِ قَدْ سَبَقَتْ كُلَّ الْأُمَمِ فِي إِقْرَارِ هَذَا الْمَبْدَإِ مُنْذُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا، فَحَرِيٌّ بِنَا أَنْ نَعُودَ إِلَى مَنْبَعِ هَذِهِ الْقِيَمِ الصَّافِي: كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِنُجَدِّدَ بِهِمَا وَعْيَنَا بِقِيمَةِ الْإِنْسَانِ الَّذِي كَرَّمَهُ رَبُّهُ.

وَإِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي تَارِيخِ الْحَضَارَاتِ يُدْرِكُ أَنَّ الْأُمَمَ الَّتِي أَهْدَرَتْ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ، وَاسْتَبَاحَتْ حُقُوقَ الضُّعَفَاءِ فِيهَا، لَمْ تَلْبَثْ أَنِ انْهَارَتْ مِنَ الدَّاخِلِ قَبْلَ أَنْ يُهْزَمَ بُنْيَانُهَا مِنَ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ إِهْدَارَ الْكَرَامَةِ يُوَلِّدُ الْحِقْدَ، وَالْحِقْدُ يُوَلِّدُ الْفَسَادَ، وَالْفَسَادُ يُنْخِرُ فِي جَسَدِ الْمُجْتَمَعِ حَتَّى يَتَهَاوَى. أَمَّا الْأُمَّةُ الَّتِي تَحْفَظُ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَبْنَائِهَا كَرَامَتَهُ، وَتُشْعِرُهُ بِقِيمَتِهِ وَإِنْ صَغُرَ شَأْنُهُ فِي عَيْنِ النَّاسِ، فَهِيَ الْأُمَّةُ الَّتِي تَبْنِي أَبْنَاءَهَا عَلَى الثِّقَةِ وَالِانْتِمَاءِ، فَيُصْبِحُونَ لَبِنَاتٍ صَالِحَةً فِي صَرْحِهَا، لَا شُقُوقًا تَتَهَدَّدُ كِيَانَهَا. فَلْنَكُنْ جَمِيعًا سَبَبًا فِي بِنَاءِ هَذَا الصَّرْحِ، لَا فِي هَدْمِهِ.

إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي سِيرَةِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِدُ أَنَّ رِسَالَتَهُ فِي جَوْهَرِهَا كَانَتْ إِعَادَةَ الِاعْتِبَارِ لِلْإِنْسَانِ الَّذِي أَهْدَرَتْهُ الْجَاهِلِيَّةُ؛ فَقَدْ جَاءَ وَالْمَرْأَةُ تُوأَدُ وَهِيَ حَيَّةٌ، وَالْعَبْدُ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى كَالْمَتَاعِ، وَالضَّعِيفُ لَا حُرْمَةَ لَهُ أَمَامَ الْقَوِيِّ؛ فَرَفَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْنَ الْمَرْأَةِ، وَحَرَّرَ الرِّقَابَ، وَأَنْصَفَ الضَّعِيفَ مِنَ الْقَوِيِّ، حَتَّى قَالَ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ أَيْضًا: «أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، مُقَرِّرًا مَبْدَأَ الْمَسْؤُولِيَّةِ الْفَرْدِيَّةِ الَّذِي يَصُونُ كَرَامَةَ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ بِجَرِيرَةِ غَيْرِهِ.

فَحَقٌّ عَلَيْنَا – أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ – أَنْ نَعْرِفَ قَدْرَ الْإِنْسَانِ الَّذِي كَرَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَلَّا نَنْظُرَ إِلَيْهِ بِعَيْنِ لَوْنِهِ أَوْ مِهْنَتِهِ أَوْ مَظْهَرِهِ، بَلْ بِعَيْنِ آدَمِيَّتِهِ الَّتِي أَكْرَمَهَا رَبُّهُ، وَقَدْ قِيلَ فِي هَذَا الْمَعْنَى:

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَعْرِفُ قَدْرَ الْإِنْسَانِ الَّذِي كَرَّمْتَهُ، وَيَصُونُ كَرَامَةَ إِخْوَانِهِ كَمَا يَصُونُ كَرَامَةَ نَفْسِهِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْمَعُ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُ أَحْسَنَهُ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا. عِبَادَ اللَّهِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ.

ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ، وَسَيِّدِنَا عُمَرَ، وَسَيِّدِنَا عُثْمَانَ، وَسَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. ثُمَّ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ.

كَتَبَهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ أَحْمَدُ إِسْمَاعِيلُ الْفَشَنِيُّ

بِالْقَاهِرَةِ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ٢٨ سِبْتَمْبَرَ ٢٠٢٦م،

الْمُوَافِقِ السابع عشر مِنْ رَبِيعِ الْآخِرِ عَامَ ١٤٤٨هـ.

وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالسَّدَادُ.