خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ : أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ .. احْتِرَامُ الرُّمُوزِ
17 سبتمبر، 2026
خطب منبرية

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ
لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ
« أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ .. احْتِرَامُ الرُّمُوزِ »
الْمُوَافِقُ: السَّابِعُ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ 1448هـ – الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ سِبْتَمْبَرَ 2026م
عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ
أَوَّلًا: مَكَانَةُ إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ.
ثَانِيًا: الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَتَأْصِيلُ احْتِرَامِ أَهْلِ الْفَضْلِ.
ثَالِثًا: هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَوْقِيرِ أَصْحَابِ الْمَكَانَاتِ.
رَابِعًا: مَوَاقِفُ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ فِي تَوْقِيرِ الرُّمُوزِ.
خَامِسًا: مَوَاقِفُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي أَدَبِ التَّوْقِيرِ.
سَادِسًا: آثَارُ إِهْمَالِ هَذَا الْخُلُقِ فِي وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ.
سَابِعًا: كَيْفَ نُحْيِي هَذَا الْخُلُقَ فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمَ.
الْخُطْبَةُ الْأُولَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهَا خَيْرُ زَادٍ لِيَوْمِ الْمَعَادِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
أَوَّلًا: مَكَانَةُ إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ
عِبَادَ اللَّهِ: مِنْ أَعْظَمِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَلَّى بِهِ الْمُسْلِمُ فِي تَعَامُلِهِ مَعَ النَّاسِ: أَنْ يَعْرِفَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَأَنْ يُنْزِلَ كُلَّ إِنْسَانٍ مَنْزِلَتَهُ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ؛ فَلَيْسَ النَّاسُ سَوَاءً فِي مَكَانَاتِهِمْ، وَلَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ يُسَاوَى بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، وَلَا بَيْنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَلَا بَيْنَ صَاحِبِ السَّابِقَةِ وَالْفَضْلِ وَمَنْ لَيْسَتْ لَهُ سَابِقَةٌ وَلَا فَضْلٌ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَنْ أُمِّنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ – يَا عِبَادَ اللَّهِ – وَإِنْ كَانَ قَصِيرَ اللَّفْظِ، إِلَّا أَنَّهُ عَظِيمُ الْمَعْنَى، جَامِعٌ لِأُصُولِ التَّعَامُلِ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَهُوَ يُقَرِّرُ أَنَّ إِنْزَالَ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ لَيْسَ خُلُقًا اجْتِمَاعِيًّا عَابِرًا، بَلْ هُوَ أَمْرٌ إِلَهِيٌّ، وَتَشْرِيعٌ نَبَوِيٌّ، يَنْبَنِي عَلَيْهِ حِفْظُ النِّظَامِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَصِيَانَةُ هَيْبَةِ أَهْلِ الْفَضْلِ، وَحِفْظُ حَقِّ كُلِّ ذِي حَقٍّ.
وَاعْلَمُوا سَادَتِي الكِرَام أَنَّ إِنْزَالَ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ لَيْسَ مِنَ التَّمَلُّقِ وَلَا مِنَ الْمُدَاهَنَةِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَيْنُ الْعَدْلِ؛ فَالْعَدْلُ أَنْ تَضَعَ الْأَشْيَاءَ فِي مَوَاضِعِهَا، وَتُعْطِيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَمَنْ سَاوَى بَيْنَ الْعَالِمِ الْعَامِلِ وَالْجَاهِلِ الْمُتَبَطِّلِ، أَوْ بَيْنَ صَاحِبِ السِّنِّ وَالتَّجْرِبَةِ وَالْحَدَثِ الصَّغِيرِ، أَوْ بَيْنَ الْمُجَاهِدِ الصَّادِقِ وَالْقَاعِدِ الْمُتَخَاذِلِ؛ فَقَدْ ظَلَمَ الْمِيزَانَ، وَخَالَفَ سُنَّةَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ. وَلِذَلِكَ فَرَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَقَامَاتِهِمْ عِنْدَهُ، لَا بِأَلْوَانِهِمْ وَلَا بِأَنْسَابِهِمْ وَلَا بِأَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّمَا بِمِيزَانٍ آخَرَ سَنَتَعَرَّفُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
سَادَتِي الكِرَامَ أَنَّ إِنْزَالَ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَسْبَابِ صَلَاحِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَاسْتِقْرَارِهَا؛ فَإِذَا عَرَفَ كُلُّ إِنْسَانٍ قَدْرَ مَنْ فَوْقَهُ فَوَقَّرَهُ، وَقَدْرَ مَنْ دُونَهُ فَرَحِمَهُ، اسْتَقَامَتْ أُمُورُ النَّاسِ، وَسَادَ التَّرَاحُمُ وَالتَّعَاوُنُ، وَانْتَظَمَتِ الْحَيَاةُ عَلَى مِنْهَاجٍ رَبَّانِيٍّ قَوِيمٍ، أَمَّا إِذَا اخْتَلَّ هَذَا الْمِيزَانُ فَسَاوَى النَّاسُ بَيْنَ مَنْ لَا يَسْتَوُونَ، أَوْ تَطَاوَلَ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْجَاهِلُ عَلَى الْعَالِمِ، اخْتَلَّتِ الْمَوَازِينُ، وَسَادَتِ الْفَوْضَى فِي الْقِيَمِ قَبْلَ أَنْ تَسُودَ فِي غَيْرِهَا.
وَلْنَعْلَمْ – عِبَادَ اللَّهِ – أَنَّ إِنْزَالَ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ لَهُ طَرَفَانِ مَذْمُومَانِ يَنْبَغِي الْحَذَرُ مِنْهُمَا: طَرَفُ الْغُلُوِّ وَالْمُبَالَغَةِ الَّتِي تَصِلُ إِلَى تَقْدِيسِ الْأَشْخَاصِ وَعِصْمَتِهِمْ مِنَ الْخَطَأِ، وَهَذَا مِمَّا حَذَّرَ مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَطَرَفُ التَّبْخِيسِ وَالِازْدِرَاءِ الَّذِي يُنْكِرُ عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ، وَيُسَوِّي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ جَهْلًا أَوْ حَسَدًا؛ فَالْمَنْهَجُ الْوَسَطُ الَّذِي جَاءَ بِهِ هَذَا الدِّينُ هُوَ التَّوْقِيرُ بِلَا تَقْدِيسٍ، وَالنَّقْدُ الْمُنْصِفُ بِلَا اسْتِخْفَافٍ. وَقَدْ رَبَطَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوْقِيرَ ذَوِي الْأَسْنَانِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ بِإِجْلَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ نَفْسِهِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. فَجَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِكْرَامَ كِبَارِ السِّنِّ وَحَمَلَةِ الْقُرْآنِ وَالْحُكَّامِ الْعَادِلِينَ مِنْ صُوَرِ إِجْلَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ نَفْسِهِ؛ فَمَنْ وَقَّرَ هَؤُلَاءِ فَقَدْ عَظَّمَ أَمْرَ رَبِّهِ، وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِهِمْ فَقَدِ اسْتَخَفَّ – وَهُوَ لَا يَشْعُرُ – بِمَا عَظَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ أَيْضًا: أَنَّ إِنْزَالَ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ يَشْمَلُ كَذَلِكَ تَوْقِيرَ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ وَذَوِي الِاحْتِيَاجَاتِ الْخَاصَّةِ، فَلَا يُسْتَخَفُّ بِهِمْ وَلَا يُحْتَقَرُ شَأْنُهُمْ، فَقَدْ عَاتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَعْرَضَ – وَلَوْ لِمَصْلَحَةٍ دَعَوِيَّةٍ – عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَانْشَغَلَ بِدَعْوَةِ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} [عبس: 1-2]، فَكَانَ هَذَا الْعِتَابُ الرَّبَّانِيُّ دَرْسًا خَالِدًا فِي أَنَّ إِنْزَالَ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ لَا يَعْنِي إِهْمَالَ الضُّعَفَاءِ وَأَصْحَابِ الْحَاجَاتِ إِيثَارًا لِأَهْلِ الْجَاهِ وَالسُّلْطَانِ، بَلْ لِكُلِّ إِنْسَانٍ كَرَامَتُهُ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ.
ثَانِيًا: الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَتَأْصِيلُ احْتِرَامِ أَهْلِ الْفَضْلِ
فَقَدْ قَرَّرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ هَذَا الْمِيزَانَ بِوُضُوحٍ تَامٍّ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]. فَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُقَرِّرُ أَنَّ مِيزَانَ التَّفَاضُلِ بَيْنَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ التَّقْوَى، لَا النَّسَبُ وَلَا الْحَسَبُ وَلَا اللَّوْنُ وَلَا الْجِنْسُ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا لَا يَعْنِي إِلْغَاءَ سَائِرِ مَرَاتِبِ التَّفَاضُلِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى، كَالْعِلْمِ وَالسِّنِّ وَالسَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ وَالْقَرَابَةِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَهَا هُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ يَرْفَعُ مِنْ شَأْنِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9]، وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]. فَهَاتَانِ الْآيَتَانِ تُقَرِّرَانِ أَنَّ لِلْعِلْمِ وَأَهْلِهِ مَنْزِلَةً خَاصَّةً يَجِبُ أَنْ تُرَاعَى، وَأَنَّ الْعَالِمَ لَيْسَ كَغَيْرِهِ فِي الْمَجَالِسِ وَالْمَشُورَةِ وَالتَّوْقِيرِ. وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آمِرًا الْمُؤْمِنِينَ بِالْأَدَبِ فِي الْمَجَالِسِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} [المجادلة: 11]، فَجَعَلَ التَّوَاضُعَ فِي الْمَجْلِسِ وَإِفْسَاحَ الْمَكَانِ لِأَهْلِ الْفَضْلِ سَبَبًا فِي سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلْعَبْدِ.
وَمِنْ عَجِيبِ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي هَذَا الْبَابِ: قِصَّةُ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ وَالِدَيْهِ؛ فَحِينَ اجْتَمَعَ الشَّمْلُ بَعْدَ طُولِ الْفِرَاقِ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبَوَاهُ، مَاذَا فَعَلَ سَيِّدُنَا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ عَزِيزُ مِصْرَ صَاحِبُ السُّلْطَانِ؟ لَمْ يَسْتَعْلِ عَلَيْهِمَا، وَلَمْ يَسْتَكْبِرْ بِمُلْكِهِ، بَلْ أَجْلَسَهُمَا مَعَهُ عَلَى الْعَرْشِ إِكْرَامًا وَتَوْقِيرًا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100]. فَهَذَا عَزِيزُ مِصْرَ، صَاحِبُ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ، يُنْزِلُ وَالِدَيْهِ مَنْزِلَتَهُمَا الَّتِي يَسْتَحِقَّانِهَا، فَيَرْفَعُهُمَا فَوْقَ عَرْشِهِ، دَرْسًا بَلِيغًا لِكُلِّ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ جَاهًا أَوْ سُلْطَانًا أَلَّا يُنْسِيَهُ ذَلِكَ حَقَّ وَالِدَيْهِ وَذَوِي الْفَضْلِ عَلَيْهِ.
وَمِنَ الْآيَاتِ الْبَدِيعَةِ أَيْضًا فِي هَذَا الْمَعْنَى: قِصَّةُ اخْتِيَارِ طَالُوتَ مَلِكًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ فَلَمَّا اعْتَرَضَ قَوْمُهُ عَلَى تَمْلِيكِهِ لِفَقْرِهِ، بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ أَنَّ الْمِعْيَارَ الْحَقِيقِيَّ لِلتَّقْدِيمِ لَيْسَ الْمَالَ وَلَا النَّسَبَ، بَلِ الْعِلْمُ وَالْقُوَّةُ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 247]. فَهَذِهِ الْآيَةُ تُؤَكِّدُ أَنَّ إِنْزَالَ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ يَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ عَلَى مَوَازِينِ الْكَفَاءَةِ وَالْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ، لَا عَلَى مَوَازِينِ الْغِنَى وَالْجَاهِ الزَّائِفِ.
ثَالِثًا: هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَوْقِيرِ أَصْحَابِ الْمَكَانَاتِ
وَإِذَا انْتَقَلْنَا إِلَى هَدْيِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَدْنَاهُ الْقُدْوَةَ الْأُولَى وَالْمِثَالَ الْأَعْلَى فِي إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. فَاجْتَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ أُصُولٌ عَظِيمَةٌ: رَحْمَةُ الصَّغِيرِ، وَتَوْقِيرُ الْكَبِيرِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوْقِيرَ الْكَبِيرِ مِنْ صُلْبِ الِانْتِمَاءِ إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَمَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرًا، أَوْ عَالِمًا، أَوْ صَاحِبَ فَضْلٍ، فَقَدْ نَقَصَ مِنْ كَمَالِ انْتِمَائِهِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الْمَوَاقِفِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي تُجَسِّدُ هَذَا الْمَعْنَى: مَا وَقَعَ يَوْمَ قُدُومِ سَيِّدِنَا سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَيِّدِ الْأَوْسِ، لِيَحْكُمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ؛ فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَى حِمَارِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. تَأَمَّلُوا – عِبَادَ اللَّهِ – كَيْفَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِالْقِيَامِ إِكْرَامًا لِسَيِّدِهِمْ، مَعَ عِظَمِ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسِهِ! فَلَمْ يَمْنَعْهُ عُلُوُّ مَقَامِهِ مِنْ أَنْ يُعَلِّمَ أُمَّتَهُ كَيْفَ تُنْزِلُ رُمُوزَهَا مَنَازِلَهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: مَا رَوَاهُ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِذَا كَانَ هَذَا تَوْقِيرًا لِنَفْسٍ إِنْسَانِيَّةٍ عَلَى غَيْرِ مِلَّتِنَا، فَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَوْقِيرُنَا لِأَهْلِ الْفَضْلِ مِنْ عُلَمَائِنَا وَشُيُوخِنَا وَآبَائِنَا وَكِبَارِ سِنِّنَا؟! وَمِنَ الْمَوَاقِفِ الْمَشْهُورَةِ أَيْضًا: إِكْرَامُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ حِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: «مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ الَّذِينَ جَاءُوا غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَأَكْرَمَهُمْ بِالْقَوْلِ الطَّيِّبِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ حَاجَتِهِمْ، تَعْلِيمًا لِأُمَّتِهِ أَدَبَ اسْتِقْبَالِ الْوَافِدِينَ وَإِنْزَالِهِمْ مَنَازِلَهُمُ اللَّائِقَةَ بِهِمْ. وَمِنْ لَطِيفِ هَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِنْزَالِ أَهْلِ بَيْتِهِ مَنَازِلَهُمْ: مَا رَوَتْهُ أُمُّنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا صَنَعَتْ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. فَهَذَا سَيِّدُ الْخَلْقِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا أَنَّ تَوْقِيرَ الْأَهْلِ وَإِنْزَالَهُمْ مَنَازِلَهُمْ لَا يَقِلُّ شَأْنًا عَنْ تَوْقِيرِ الرُّمُوزِ الْعَامَّةِ، بَلْ يَبْدَأُ مِنَ الْبَيْتِ.
وَمِنْ أَبْدَعِ مَا يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا: مَا كَانَ مِنْ فَضْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فَقَدْ كَانَ سَلْمَانُ أَعْجَمِيًّا لَا يَنْتَمِي إِلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمَّا تَنَازَعَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فِي شَأْنِهِ يَوْمًا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، فَأَنْزَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْزِلَةً رَفِيعَةً لَمْ يَنَلْهَا بِنَسَبٍ وَلَا بِقَرَابَةٍ، وَإِنَّمَا نَالَهَا بِصِدْقِ إِيمَانِهِ وَعِظَمِ سَابِقَتِهِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ، دَرْسًا بَلِيغًا فِي أَنَّ مَنَازِلَ النَّاسِ فِي هَذَا الدِّينِ لَا تُقَاسُ بِالْأَنْسَابِ وَالْأَلْوَانِ، وَإِنَّمَا بِمَا يَحْمِلُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ إِيمَانٍ وَصَلَاحٍ وَعَطَاءٍ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَحَدِيثُنَا مَازَالَ مَوْصُولًا – عِبَادَ اللَّهِ – عَنْ خُلُقِ إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ، وَعَنْ مَوَاقِفَ مُشْرِقَةٍ مِنْ حَيَاةِ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
رَابِعًا: مَوَاقِفُ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ فِي تَوْقِيرِ الرُّمُوزِ
فَمِنْ ذَلِكَ: مَا كَانَ مِنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ سَيِّدِنَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ – يُجِلُّهُ وَيُوَقِّرُهُ أَشَدَّ التَّوْقِيرِ، حَتَّى إِنَّهُ لَمَّا اسْتَسْقَى بِالنَّاسِ عَامَ الرَّمَادَةِ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَانْظُرُوا كَيْفَ أَنْزَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ الْعَبَّاسَ مَنْزِلَتَهُ لِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَنْصِبُهُ كَخَلِيفَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ تَوْقِيرِ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ سِنًّا وَأَقْرَبُ نَسَبًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمِنَ الْمَوَاقِفِ الْبَدِيعَةِ أَيْضًا: مَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، حَبْرِ الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ كَانَ يُمْسِكُ بِرِكَابِ دَابَّةِ سَيِّدِنَا زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: لَا تَفْعَلْ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا». فَقَبَّلَ زَيْدٌ يَدَهُ وَقَالَ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا. فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مَنْ هُوَ عِلْمًا وَقَرَابَةً، يَتَوَاضَعُ لِزَيْدٍ إِجْلَالًا لِعِلْمِهِ، وَزَيْدٌ يُقَبِّلُ يَدَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِجْلَالًا لِقَرَابَتِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَتَبَادَلَا التَّوْقِيرَ، كُلٌّ بِحَسَبِ مَا يَسْتَحِقُّهُ صَاحِبُهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى أَفْضَلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ»، اعْتِرَافًا مِنْهُ بِفَضْلِهِ وَسَابِقَتِهِ، مَعَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ فِي مَنْزِلَةٍ عَالِيَةٍ.
وَمِنْ أَعْجَبِ مَا يُرْوَى فِي إِنْزَالِ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ: أَنَّهُ كَانَ يُدْخِلُ سَيِّدَنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – وَكَانَ يَوْمَئِذٍ حَدَثَ السِّنِّ – مَعَ كِبَارِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ فِي مَجَالِسِ الشُّورَى، فَتَعَجَّبَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْ ذَلِكَ وَقَالُوا: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ فَلِمَ تُدْخِلُهُ مَعَنَا؟ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُونَ» يُشِيرُ إِلَى غَزَارَةِ عِلْمِهِ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ لِيُثْبِتَ لَهُمْ فَضْلَهُ بِتَفْسِيرِ آيَةٍ فَأَحْسَنَ التَّفْسِيرَ، فَقَالَ عُمَرُ: «مَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا تَعْلَمُ». فَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُقَدِّمُ الشَّابَّ عَلَى الشُّيُوخِ لِمَا رَآهُ فِيهِ مِنْ رُجْحَانِ الْعِلْمِ، عَدْلًا فِي إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ بِمَعَايِيرِ الشَّرْعِ لَا بِمَعَايِيرِ السِّنِّ وَحْدَهَا.
خَامِسًا: مَوَاقِفُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي أَدَبِ التَّوْقِيرِ
وَسَارَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَى هَذَا النَّهْجِ الْقَوِيمِ، فَهَذَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ إِمَامُ الدُّنْيَا فِي الْفِقْهِ، كَانَ إِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ شَيْخِهِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، يُقَلِّبُ أَوْرَاقَ الْمُوَطَّأِ بِرِفْقٍ شَدِيدٍ، حَتَّى لَا يُسْمِعَ شَيْخَهُ صَوْتَ تَقْلِيبِهَا، أَدَبًا مَعَهُ وَتَوْقِيرًا لِمَجْلِسِهِ. وَهَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ، كَانَ يُنْزِلُ تِلْمِيذَهُ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ مَنْزِلَتَهُ الْعِلْمِيَّةَ، حَتَّى قَالَ لِوَلَدِهِ: «يَا بُنَيَّ، الْزَمْ هَذَا الرَّجُلَ فَإِنَّهُ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْقَلَ مِنْهُ»، اعْتِرَافًا بِفَضْلِهِ وَإِنْزَالًا لَهُ مَنْزِلَتَهُ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا. وَمِنْ أَقْوَالِ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الَّتِي تُؤَصِّلُ هَذَا الْأَدَبَ: «مَا زِلْتُ أَتَعَلَّمُ التَّوَاضُعَ مِنْ أَدَبِ الْعُلَمَاءِ». وَمِنْ أَجْمَلِ صُوَرِ تَوْقِيرِ رُمُوزِ الدِّينِ وَشَعَائِرِهِ: أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرْكَبُ دَابَّةً فِي شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ طُولَ حَيَاتِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: أَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَطَأَ تُرْبَةً فِيهَا جَسَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَافِرِ دَابَّةٍ، فَكَانَ تَوْقِيرُهُ يَمْتَدُّ حَتَّى إِلَى تُرَابِ الْمَكَانِ الَّذِي شَرَّفَهُ اللَّهُ بِرَسُولِهِ. وَمِنْ كَلِمَاتِ السَّلَفِ الْجَامِعَةِ فِي هَذَا الْبَابِ: قَوْلُ الْإِمَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ: «نَحْنُ إِلَى قَلِيلٍ مِنَ الْأَدَبِ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعِلْمِ»، فَبَيَّنَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْعِلْمَ بِلَا أَدَبٍ وَتَوْقِيرٍ نَاقِصٌ، وَأَنَّ صَلَاحَ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ إِنَّمَا يَكْتَمِلُ بِحُسْنِ الْأَدَبِ مَعَ أَهْلِ الْفَضْلِ وَإِنْزَالِهِمْ مَنَازِلَهُمْ.
وَقَدْ قِيلَ فِي هَذَا الْمَعْنَى شِعْرًا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ، وَهُوَ مِنْ رَوَائِعِ أَحْمَدَ شَوْقِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي إِجْلَالِ مَنْزِلَةِ الْعِلْمِ وَالْمُعَلِّمِ:
قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلَا ** كَادَ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَا
أَعَلِمْتَ أَشْرَفَ أَوْ أَجَلَّ مِنَ الَّذِي ** يَبْنِي وَيُنْشِئُ أَنْفُسًا وَعُقُولَا
سَادِسًا: آثَارُ إِهْمَالِ هَذَا الْخُلُقِ فِي وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ
سَادَتِي الكِرَام لَقَدْ أَصْبَحْنَا نَرَى فِي وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ – وَلِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ – تَرَاجُعًا فِي هَذَا الْخُلُقِ الْعَظِيمِ؛ فَقَدْ كَثُرَ التَّطَاوُلُ مِنَ الصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ، وَمِنَ الْجَاهِلِ عَلَى الْعَالِمِ، وَانْتَشَرَتْ ثَقَافَةُ السُّخْرِيَةِ مِنَ الرُّمُوزِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، حَتَّى صَارَ بَعْضُ النَّاسِ يَتَبَاهَى بِالِاسْتِخْفَافِ بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، وَيَحْسَبُ ذَلِكَ شَجَاعَةً وَجُرْأَةً، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ سُقُوطٌ فِي الْأَدَبِ وَانْحِلَالٌ فِي الْقِيَمِ. وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَفْعِ الْعِلْمِ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ إِذَا أُضِيفَ إِلَى ذَلِكَ إِهْمَالُ تَوْقِيرِهِمْ وَهُمْ أَحْيَاءٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟!
إِنَّ الْمُجْتَمَعَاتِ الَّتِي تُفَرِّطُ فِي تَوْقِيرِ رُمُوزِهَا، مِنْ عُلَمَاءَ وَقَادَةٍ وَشُيُوخٍ وَآبَاءَ، مُجْتَمَعَاتٌ مُهَدَّدَةٌ فِي هَيْبَتِهَا وَتَمَاسُكِهَا؛ لِأَنَّ سُقُوطَ هَيْبَةِ الرَّمْزِ يَعْنِي سُقُوطَ الْقِيمَةِ الَّتِي يُمَثِّلُهَا، وَسُقُوطَ الْقُدْوَةِ يَعْنِي ضَيَاعَ الْقُدْوَةِ لِلْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ. وَإِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَظَاهِرِ هَذَا الِانْحِرَافِ فِي زَمَانِنَا: أَنَّ بَعْضَ الْمَنَابِرِ الْإِعْلَامِيَّةِ وَشَاشَاتِ التَّوَاصُلِ صَارَتْ سَاحَةً مَفْتُوحَةً لِلطَّعْنِ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا رَوِيَّةٍ، حَتَّى غَدَا النَّيْلُ مِنَ الْعُلَمَاءِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَسِيلَةً لِكَسْبِ الْمُتَابَعَةِ وَالشُّهْرَةِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ تَفَكُّكِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَضَيَاعِ هَيْبَةِ الدِّينِ فِي نُفُوسِ النَّاشِئَةِ، وَقَدْ صَدَقَ الشَّاعِرُ حِينَ قَالَ فِي مَعْنَى ضَيَاعِ الْأُمَمِ بِضَيَاعِ قِيَمِهَا:
وَإِذَا أُصِيبَ الْقَوْمُ فِي أَخْلَاقِهِمْ ** فَأَقِمْ عَلَيْهِمْ مَأْتَمًا وَعَوِيلَا
سَابِعًا: كَيْفَ نُحْيِي هَذَا الْخُلُقَ فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمَ
فَعَلَيْنَا – عِبَادَ اللَّهِ – أَنْ نُرَبِّيَ أَبْنَاءَنَا مُنْذُ الصِّغَرِ عَلَى تَوْقِيرِ الْكَبِيرِ وَاحْتِرَامِ الْعَالِمِ، وَأَنْ نَضْرِبَ لَهُمُ الْقُدْوَةَ بِأَنْفُسِنَا قَبْلَ أَنْ نَأْمُرَهُمْ بِذَلِكَ قَوْلًا، وَأَنْ نُعَوِّدَهُمْ عَلَى أَدَبِ الِاخْتِلَافِ، فَقَدْ يَخْتَلِفُ الْإِنْسَانُ مَعَ رَأْيِ عَالِمٍ أَوْ رَمْزٍ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يُبِيحُ لَهُ الِانْتِقَاصَ مِنْ قَدْرِهِ أَوِ الِاسْتِهْزَاءَ بِهِ؛ فَقَدِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ بَقِيَ التَّوْقِيرُ وَالِاحْتِرَامُ سَائِدًا بَيْنَهُمْ، فَكَانُوا نِعْمَ الْقُدْوَةَ فِي الِاخْتِلَافِ بِلَا تَنَازُعٍ، وَالنَّقْدِ بِلَا اسْتِخْفَافٍ. وَمِنَ الْوَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ لِإِحْيَاءِ هَذَا الْخُلُقِ: أَنْ نُخَصِّصَ فِي بُيُوتِنَا وَمَدَارِسِنَا وَقْتًا لِتَعْرِيفِ أَبْنَائِنَا بِسِيَرِ عُلَمَائِنَا وَرُمُوزِنَا وَإِنْجَازَاتِهِمْ، وَأَنْ نُعَوِّدَهُمْ عَلَى إِلْقَاءِ السَّلَامِ عَلَى الْكِبَارِ وَتَقْبِيلِ أَيْدِي الْوَالِدَيْنِ وَالْأَجْدَادِ، وَأَنْ نَحْرِصَ نَحْنُ الْكِبَارَ عَلَى أَنْ نَكُونَ أَهْلًا لِهَذَا التَّوْقِيرِ بِصَلَاحِ سُلُوكِنَا وَحُسْنِ تَعَامُلِنَا، فَإِنَّ التَّوْقِيرَ يُطْلَبُ وَيُسْتَحَقُّ مَعًا. وَعَلَيْنَا كَذَلِكَ أَنْ نَحْفَظَ أَلْسِنَتَنَا وَأَقْلَامَنَا عَنِ الْخَوْضِ فِي أَعْرَاضِ الرُّمُوزِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ فِي مَجَالِسِنَا وَعَلَى صَفَحَاتِ التَّوَاصُلِ، وَأَنْ نُنْكِرَ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَأَنْ نُذَكِّرَ أَنْفُسَنَا دَائِمًا أَنَّ تَوْقِيرَ أَهْلِ الْفَضْلِ لَيْسَ تَقْدِيسًا لِأَشْخَاصِهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ إِجْلَالٌ لِمَا يَحْمِلُونَهُ مِنْ عِلْمٍ وَدِينٍ وَخُلُقٍ، وَحِفْظٌ لِمَكَانَةِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ فِي نُفُوسِ الْأُمَّةِ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.
اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ كَمَا أَمَرْتَنَا، وَأَنْ نُوَقِّرَ كِبَارَنَا وَعُلَمَاءَنَا وَذَوِي الْفَضْلِ فِينَا، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَعْرِفُ الْحَقَّ لِأَهْلِهِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. اللَّهُمَّ ارْحَمْ عُلَمَاءَنَا الْأَحْيَاءَ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتَ، وَاجْزِهِمْ عَنَّا خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَبَارِكْ فِي شَبَابِنَا وَاهْدِهِمْ سَوَاءَ السَّبِيلِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْفَظْهَا مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللَّهِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ.
ثُمَّ اعْلَمُوا أَيُّهَا الأَحِبَّة أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ الْمُسَبِّحَةِ بِقُدْسِهِ، وَثَلَّثَ بِكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ، وَسَيِّدِنَا عُمَرَ، وَسَيِّدِنَا عُثْمَانَ، وَسَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. ثُمَّ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ.
وَخِتَامًا أَيُّهَا السَّادَةُ الفُضَلاء نَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَعْرِفُ لِلنَّاسِ أَقْدَارَهُمْ، وَيُنْزِلُهُمْ مَنَازِلَهُمْ، وَيُوَقِّرُ عُلَمَاءَهُ وَكِبَارَهُ، وَيَصُونُ كَرَامَةَ كُلِّ إِنْسَانٍ، إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يُقَدِّرُ أَهْلَ الْفَضْلِ حَقَّ قَدْرِهِمْ، وَيَشْكُرُ لِلْمُحْسِنِ إِحْسَانَهُ، وَيَعْرِفُ لِلْعَالِمِ عِلْمَهُ، وَلِلْوَالِدَيْنِ حَقَّهُمَا، وَلِلْكَبِيرِ سِنَّهُ، دُونَ غُلُوٍّ يُخْرِجُ عَنِ الِاعْتِدَالِ، وَلَا جَفَاءٍ يُسْقِطُ الْحَقَّ وَيُهْدِرُ الْجَمِيلَ، وَأَنْ يَجْعَلَ مُجْتَمَعَاتِنَا مُجْتَمَعَاتٍ يَسُودُهَا التَّرَاحُمُ وَالتَّوَاصُلُ بَيْنَ أَجْيَالِهَا، يُوَقِّرُ فِيهَا الصَّغِيرُ كَبِيرَهُ، وَيَرْحَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ صَغِيرَهُ، وَيُنْزِلُ فِيهَا كُلُّ إِنْسَانٍ مَنْزِلَتَهُ الَّتِي أَرَادَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ، فَتَسْتَقِيمُ بِذَلِكَ أُمُورُهَا، وَتُحْفَظُ بِهِ رَوَابِطُهَا، وَيَدُومُ لَهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرُهَا وَبَرَكَتُهَا. وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
كَتَبَهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ أَحْمَدُ إِسْمَاعِيلُ الْفَشْنِيُّ فِي الْقَاهِرَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الْمُوَافِقِ الثَّالِثِ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ 1448هـ، الرَّابعَ عَشَرَ مِنْ سِبْتَمْبَرَ 2026م.