التدين.. نور يضيء دروب الحياة ويحمي من عتماتها

بقلم الشيخ : يوسف عزت الشافعى
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف

إن الحياة مليئة بالطرق المتشعبة، والإنسان فيها يمضي بين اختيارات كثيرة، ويمر بمواقف قد لا يعرف فيها دائمًا أين يكون الصواب وأين يكون الخطأ، وما الذي ينبغي أن يفعله وما الذي ينبغي أن يتركه. وقد تبدو بعض الطرق في بدايتها جميلة ومغرية، ثم يكتشف الإنسان بعد أن يسير فيها أنها قادته إلى مكان لم يكن يريد الوصول إليه. وقد تتغير المعايير من حوله، فيصبح الخطأ مألوفًا لكثرة من يفعله، ويصبح الصواب غريبًا لأن القليلين يتمسكون به. وفي وسط هذا كله يحتاج الإنسان إلى نور لا يتغير بتغير الناس، وميزان لا يتبدل بتبدل الأهواء، وطريق يستطيع أن يسير فيه وهو يعرف إلى أين يتجه. ومن هنا تأتي عظمة التدين الصحيح؛ فالتدين ليس مجرد مجموعة من العبادات التي يؤديها الإنسان في أوقاتها ثم يعود إلى حياته كما كان، وإنما هو نور يستقر في القلب، فينعكس على الفكر والسلوك والاختيارات، ويمنح صاحبه القدرة على رؤية الطريق حين تكثر الطرق، ومعرفة الحق حين تختلط المفاهيم، والثبات حين تضطرب الأشياء من حوله.

وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا المعنى في أبلغ صورة حين قال الله تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: 122]. فالإيمان في حياة الإنسان ليس مجرد معلومة يعرفها، وإنما حياة بعد موت، ونور بعد ظلمة، وبصيرة بعد حيرة. والإنسان قد تكون عيناه مفتوحتين لكنه لا يرى الحقيقة، وقد يمتلك قدرًا كبيرًا من الذكاء والمعرفة لكنه يضل في اختياراته؛ لأن رؤية الطريق لا تعتمد على قوة البصر وحدها، وإنما تحتاج إلى نور البصيرة.

وهذا النور هو الذي يمنحه الله لعباده المؤمنين، قال سبحانه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]. فالآية ترسم رحلة الإنسان المؤمن: ظلمات متعددة من الجهل والهوى والشك والاضطراب والانحراف، ثم نور يخرجه منها إلى الإيمان واليقين والاستقامة. ولذلك فإن التدين الحقيقي لا يضيف إلى الإنسان عبادات فقط، وإنما ينقله من طريقة في التفكير والحياة إلى طريقة أخرى أكثر وضوحًا واتزانًا.

وحين يستقر هذا النور في القلب، يصبح الإنسان قادرًا على التمييز بين ما ينفعه وما يضره، وبين ما يرضي الله وما يسخطه، وبين الحقيقة والزيف، وبين ما يبدو جميلًا في لحظته وما تكون عاقبته مؤلمة. ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29]. والفرقان هو ما يجعل للإنسان قدرة على التمييز، فلا يصبح تابعًا لكل صوت مرتفع، ولا أسيرًا لكل موضة فكرية أو سلوكية، ولا يغيّر مبادئه لمجرد أن الآخرين غيروا مبادئهم.

والتقوى هنا ليست مجرد خوف من العقوبة، وإنما هي يقظة داخلية تجعل الإنسان يراقب الله في اختياراته حتى عندما لا يراه أحد. قد يستطيع الإنسان أن يخدع الناس، وقد يستطيع أن يخفي خطأه عن أعينهم، لكنه حين يستقر في قلبه معنى التقوى يعلم أن هناك من لا تخفى عليه خافية. قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: 235]. ويقول سبحانه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19].

ومن هنا يكون التدين الحقيقي حاضرًا في السر قبل العلن، وفي اللحظة التي يستطيع فيها الإنسان أن يفعل الخطأ دون أن يراه أحد. فإذا خلا الإنسان بنفسه وبقي على استقامته، فقد بدأ يفهم معنى مراقبة الله. أما إذا كان صالحًا أمام الناس، ثم يترك حدود الله حين يغيبون، فهنا يحتاج إلى أن يسأل نفسه: لمن كنت أعمل؟ ولمن كنت أخاف؟

وقد قال النبي ﷺ: «اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». رواه الترمذي. فهذا الحديث يجمع في كلمات قليلة بين علاقة الإنسان بربه وعلاقته بنفسه وعلاقته بالناس؛ تقوى في السر والعلن، وتصحيح للخطأ إذا وقع، ثم حسن تعامل مع الخلق. وكأن التدين الحقيقي لا يترك جانبًا من جوانب حياة الإنسان إلا ويضع له فيه نورًا يهديه.

ومن أعظم ما يحمي الإنسان من الانحراف أن يدرك أن الشهوة ليست دائمًا دليلًا على الصواب، وأن انتشار الفعل بين الناس لا يجعله صحيحًا. فقد يعيش الإنسان في بيئة يصبح فيها الخطأ مألوفًا، حتى يبدأ في الشعور بأن الغريب هو من يرفضه. لكن القرآن يعلمنا ألا نجعل كثرة الأتباع ميزانًا للحقيقة، قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]. فالحق لا يصبح حقًا لأن الناس جميعًا فعلوه، والباطل لا يصبح حقًا لأن الناس اعتادوه.

وهنا يظهر دور التدين باعتباره حصنًا يحمي الإنسان من الانجراف خلف كل ما يلمع. فالدنيا بطبيعتها مزينة، وقد قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14]. ولم يقل القرآن إن هذه الأشياء كلها شر، وإنما وضعها في موضعها الصحيح: هي متاع من متاع الدنيا، لكنها ليست الغاية النهائية للإنسان.

فالتدين لا يعني أن يكره الإنسان المال أو النجاح أو الجمال أو متع الحياة المباحة، وإنما يعني ألا تتحول هذه الأشياء إلى معبودات خفية تتحكم في قراراته وتحدد قيمته. يستطيع المؤمن أن يملك المال دون أن يملكه المال، وأن ينجح دون أن يتكبر، وأن يحب دون أن ينسى الله، وأن يستمتع بالحياة دون أن يجعل المتعة تقوده إلى الحرام.

وقد حذر الله تعالى من اتباع الهوى الذي قد يبعد الإنسان عن الحق فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26]. فالهوى ليس دائمًا شيئًا يشعر الإنسان بأنه شر؛ بل قد يأتيه في صورة رغبة جميلة، أو فرصة مغرية، أو لذة عاجلة، ثم يكتشف أن ثمنها كان أغلى مما تصور. وهنا يأتي نور التدين ليقول للإنسان: ليس كل ما تستطيع فعله ينبغي أن تفعله، وليس كل ما تشتهيه يصلح أن تتبعه، وليس كل باب مفتوح أمامك خيرًا لك.

ولذلك كان من أعظم ما يميز الإنسان المتدين أنه يستطيع أن يقول «لا» في الوقت الذي يقول فيه الآخرون «نعم». يستطيع أن يترك مالًا مشبوهًا، وأن يغض بصره، وأن يحفظ لسانه، وأن يرفض الظلم، وأن يؤدي الأمانة، وأن يبتعد عن الخيانة، لا لأنه عاجز عن فعل غير ذلك، وإنما لأنه يرى ما وراء اللحظة، ويعلم أن الله يراه. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].

وفي زمن أصبحت فيه الفتنة تصل إلى الإنسان دون أن يبحث عنها، من خلال الهاتف والشاشة ووسائل التواصل، أصبحت الحاجة إلى هذا النور أشد من أي وقت مضى. قد يفتح الإنسان هاتفه بحثًا عن شيء بسيط، ثم يجد نفسه أمام عشرات الصور والمقاطع والأفكار والدعوات التي تسحبه من مكان إلى آخر. وقد يبدأ الإنسان بمشاهدة شيء صغير ثم يجد نفسه بعد وقت طويل قد ابتعد كثيرًا عما كان يريد فعله. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].

فالمؤمن لا يتعامل مع عينيه وأذنيه وقلبه على أنها أشياء بلا مسؤولية، وإنما يعلم أن ما يدخله إلى قلبه يؤثر في قلبه، وأن كثرة مشاهدة الباطل قد تجعل الباطل مألوفًا، وأن كثرة سماع الكلام السيئ قد تضعف حساسية الإنسان تجاهه. ولذلك فإن من صور التدين في عصرنا أن يعرف الإنسان ماذا يشاهد، وماذا يسمع، وماذا يتابع، وماذا يسمح له بأن يستقر في قلبه.

والقرآن نفسه يصف المؤمنين بأنهم أصحاب بصيرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]. لاحظ التعبير القرآني: «فإذا هم مبصرون». قد تأتي لحظة ضعف، وقد يقترب الإنسان من الخطأ، لكن التذكر يعيد إليه البصيرة. ولذلك فالتدين لا يعني أن الإنسان معصوم من الخطأ، وإنما يعني أنه إذا أخطأ استطاع أن يعود، وإذا زلّ استطاع أن يقوم، وإذا ابتعد استطاع أن يجد طريق الرجوع.

وقد قال النبي ﷺ: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون». رواه الترمذي وابن ماجه. فالتدين لا يجعل الإنسان ملاكًا لا يخطئ، ولكنه يجعله أكثر وعيًا بخطئه وأسرع رجوعًا إلى ربه. وهذه نقطة مهمة؛ لأن بعض الناس يظنون أن التدين يعني الكمال، فإذا أخطأ المتدين ظنوا أن تدينه كله قد سقط، بينما الإنسان بطبيعته يخطئ ويضعف، والفرق الحقيقي يكون في موقفه من الخطأ بعد وقوعه.

ولهذا فتح الله باب التوبة على مصراعيه، فقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: 222]. فليس التدين أن تقول: لن أخطئ أبدًا، وإنما أن تقول: إذا أخطأت فلن أستسلم للخطأ، وإذا زللت فسأعود، وإذا ابتعدت فسأقترب.

والنور الذي يمنحه التدين لا يظهر فقط في علاقة الإنسان بنفسه، وإنما يظهر كذلك في علاقته بالناس. فقد يظن البعض أن التدين يعني كثرة الحديث عن العبادات، بينما النبي ﷺ جعل حسن الخلق من أعظم أبواب الخير، وقال: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»، وقد وردت له روايات بلفظ «مكارم الأخلاق»، وهو حديث روي عن أبي هريرة في مسند أحمد وغيره وحسنه أو صححه عدد من أهل العلم.

ولهذا لا يمكن أن يكون الإنسان متدينًا في المسجد ثم يكون ظالمًا في بيته، أو صادقًا في حديثه أمام الناس ثم غشاشًا في تجارته، أو كثير العبادة ثم مؤذيًا لمن حوله. قال تعالى في وصف أثر الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]. فالعبادة التي تؤدى بصورة صحيحة ينبغي أن يكون لها أثر في السلوك، وكلما ازداد الإنسان قربًا من الله كان ذلك أدعى إلى أن يراجع أخلاقه وتعاملاته.

وقد أثنى الله على نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. وهذا يوضح أن التدين ليس انفصالًا عن الحياة، بل هو حضور في تفاصيلها كلها. يظهر في كلمة تقولها، وفي أمانة تؤديها، وفي حق تحفظه، وفي إنسان تعفو عنه، وفي ضعيف ترحمه، وفي موظف لا تظلمه، وفي عامل تعطيه حقه، وفي زوج تحسن إليه، وفي والدين تبرهما، وفي جار لا تؤذيه.

ويقول النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». متفق عليه. فلاحظ كيف انتقل الحديث من الإيمان إلى السلوك مباشرة؛ لأن الإيمان الحقيقي ليس فكرة منعزلة في القلب، وإنما له أثر على اللسان واليد والمعاملة والعلاقات.

ومن أجمل صور هذا النور أن الإنسان حين يتدين حقًا يصبح أكثر رحمة بالناس، لأنه يعرف ضعفه هو أيضًا، ويعرف أنه محتاج إلى رحمة الله كل يوم. ولذلك قال النبي ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». رواه الترمذي. فالقلب الذي عرف رحمة الله لا ينبغي أن يكون قلبًا قاسيًا على خلق الله.

كما أن التدين يعلم الإنسان قيمة الأمانة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، ويعلمه الوفاء، قال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]، ويعلمه العدل حتى مع من يختلف معه، قال تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].

وهنا تتضح حقيقة مهمة: التدين ليس أن تجعل الدين حاضرًا في المسجد وغائبًا عن البيت، أو حاضرًا في رمضان وغائبًا في بقية العام، أو حاضرًا في كلامك وغائبًا في معاملاتك. التدين الحقيقي هو أن يصاحبك الله في ضميرك وأنت تعمل، وفي لسانك وأنت تتحدث، وفي تجارتك وأنت تبيع، وفي بيتك وأنت تتعامل مع أهلك، وفي خلواتك حين لا يراك أحد.

ولذلك يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. فالصدق ليس مجرد صفة جميلة، وإنما هو طريق من طرق التقوى. وقال النبي ﷺ: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا». متفق عليه.

وفي المقابل، فإن الكذب والخيانة والظلم لا تنسجم مع نور الإيمان، مهما كثرت المظاهر الخارجية. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. وهذا من أعمق معاني التدين؛ أن يبقى الإنسان عادلًا حتى عندما يختلف، وصادقًا حتى عندما يكون الكذب أسهل، وأمينًا حتى عندما يستطيع الخيانة دون أن يكتشفه أحد.

وفي عصر كثرت فيه الفتن، يحتاج الإنسان إلى أن يحمل هذا النور معه في كل مكان. لا يكفي أن يعرف الحلال والحرام نظريًا، بل يحتاج إلى قوة داخلية تعينه على التطبيق. ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». رواه الترمذي. فالقلوب تتغير، والإنسان قد يكون اليوم قويًا وغدًا ضعيفًا، وقد يتعرض لما يزلزل ثباته، ولذلك يحتاج دائمًا إلى سؤال الله الثبات.

وقد قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27]. فالثبات نعمة، والهداية نعمة، والبصيرة نعمة، والقدرة على مقاومة الفتن نعمة، وكلها من آثار توفيق الله للعبد.

ولذلك فإن أعظم ما يمكن للإنسان أن يفعله في حياته أن يحافظ على هذا النور وألا يسمح له أن ينطفئ. والقرآن هو أعظم ما يجدد هذا النور في القلب، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ [المائدة: 15]، وقال سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52]. وكلما عاد الإنسان إلى كتاب الله، وقرأه بتدبر، لم يكن يقرأ كلمات فقط، وإنما كان يعيد ترتيب نظرته إلى الحياة، وإلى نفسه، وإلى الناس، وإلى المصير الذي ينتظره.

والإنسان الذي يسير بنور الإيمان لا يعني أنه لن يتعثر، لكنه إذا تعثر عرف كيف يعود إلى الطريق. وقد يضعف، لكنه لا يبرر ضعفه. وقد يخطئ، لكنه لا يجعل من خطئه هوية. وقد يواجه فتنة، لكنه يعلم أن النجاة ليست في قوته وحدها، وإنما في استعانته بالله. قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: 101].

وهكذا يصبح التدين نورًا في القرارات قبل أن يكون مظهرًا في الحياة، ونورًا في الأخلاق قبل أن يكون كلمات على اللسان، ونورًا في الخلوة قبل أن يكون صورة أمام الناس. فإذا عرضت للإنسان شهوة، تذكر الله. وإذا جاءه مال مشبوه، تذكر الأمانة. وإذا غضب، تذكر قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]. وإذا ظلمَه أحد، تذكر أن العفو قد يكون أعظم من الانتقام. وإذا أصابته نعمة، تذكر أن الشكر يحفظها، وإذا أصابه البلاء، تذكر أن الصبر عبادة.

ومن هنا فإن التدين ليس هروبًا من الحياة، وإنما هو الطريقة الصحيحة للسير فيها. ليس ظلامًا يمنع الإنسان من رؤية الدنيا، وإنما نور يجعله يرى الدنيا على حقيقتها. فلا يغتر بما فيها، ولا ييأس إذا فقد شيئًا منها، ولا يجعلها أكبر من حجمها. يعلم أن الدنيا مرحلة، وأن الإنسان فيها مسافر، وأن النهاية ليست عند المال ولا الشهرة ولا المنصب، وإنما عند الله.

قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]، وقال سبحانه: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [الأعلى: 17]. فإذا عرف الإنسان هذه الحقيقة، لم يعد أسيرًا لكل ما يفوته من الدنيا، ولم يجعل خسارة شيء منها سببًا لانهياره الكامل؛ لأنه يعلم أن هناك ما هو أعظم وأبقى.

وفي النهاية، ليس أعظم ما يحتاج إليه الإنسان في هذه الحياة أن تفتح له كل الأبواب، وإنما أن يمنحه الله نورًا يعرف به أي الأبواب يدخل وأيها يترك. وليس أعظم ما يحتاج إليه أن يعرف كل الإجابات، وإنما أن يعرف إلى من يرجع حين يحتار. وليس أعظم ما يحميه من الفتن أن يظن نفسه قويًا لا يضعف، وإنما أن يعرف ضعفه فيستعين بالله.

فاجعل الإيمان نورًا في قلبك، والتقوى ميزانًا في حياتك، والقرآن رفيقًا في طريقك، والسنة هديًا في سلوكك، ولا تجعل التدين مجرد صورة تظهر أمام الناس ثم تختفي في الخلوات. اجعل له أثرًا في عينيك حين تنظر، وفي لسانك حين تتحدث، وفي يدك حين تعمل، وفي قلبك حين تحب، وفي غضبك حين تختلف، وفي مالك حين تكسب وتنفق، وفي خلوتك حين لا يراك أحد.

وتذكر دائمًا أن النور الحقيقي ليس أن تكون حياتك خالية من الظلمات، وإنما أن يكون معك في الظلام ما يهديك إلى الطريق. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحديد: 28].

فما أجمل أن يمشي الإنسان في هذه الحياة وفي قلبه نور؛ إذا أقبلت عليه الدنيا لم تغره، وإذا أدبرت عنه لم تكسره، وإذا عرضت له الفتنة لم يتبعها، وإذا أخطأ لم ييأس، وإذا احتار لم يضل، وإذا ضعف عاد إلى الله، وإذا سار في الطريق كان يعلم أن النور الذي يهديه ليس من نفسه، وإنما هو فضل من الله عليه.

إن الدنيا قد تكثر فيها العتمات، وقد تتغير الوجوه والظروف، وقد تتبدل المعايير، لكن نور الله لا يتغير. ومن جعل بينه وبين الله صلة صادقة، وأقام دينه في قلبه وسلوكه، كان له من هذا النور ما يهديه في خطواته، ويحميه من كثير من العثرات، ويمنحه بصيرة يرى بها حقيقة الأشياء قبل أن تخدعه مظاهرها.

قال تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ﴾ [الزمر: 37]، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: 101].

فاجعل طريقك إلى الله طريق نور، واجعل تدينك حياة لا مظهرًا، وبصيرة لا عادة، وأخلاقًا لا كلمات، واستقامة لا موسمًا، حتى إذا اشتدت عتمة الطريق من حولك، وجدت في قلبك نورًا يقول لك: لا تخف، ما دمت مع الله فلن تضيع.