خطبةالجُمُعَةِ القَادِمَةِ: ((وانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ مِن عِظَمِ )) د. مُحَمَّدٌ حِرْزٌ


خطبة الجُمُعَةِ القَادِمَةِ: ((وانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ مِن عِظَمِ )) د. مُحَمَّدٌ حِرْزٌ — بِتَارِيخِ: 7 ربيع الأول ١٤٤٨هـ/ 21 أُغُسْطُس 2026م

لتحميل الخطبة يرجى الضغط على الرابط التالى :
وانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ مِن عِظَمِ د محمد حرز

الْـحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لَنَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قُدْوَةً وَمَثَلًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ خُطْبَةُ [التَّوْبَةِ: 128]. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، خَيْرُ مَنْ صَلَّى وَصَامَ، وَبَكَى مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِ حِينَ قَامَ، الْقَائِلُ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، فَقَالَ: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ»؛ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
سَعِدَتْ بِبَعْثَةِ أَحْمَدَ الأَزْمَانُ **** وَتَعَطَّرَتْ بِعَبِيرِهِ الأَكْوَانُ
وَالشِّرْكُ أَنْذَرَ بِالنِّهَايَةِ عِنْدَمَا **** جَاءَ الْبَشِيرُ وَأَشْرَقَ الإِيمَانُ
يَا سَيِّدَ الْعُقَلاءِ يَا خَيْرَ الْوَرَى **** يَا مَنْ أَتَيْتَ إِلَى الْـحَيَاةِ مُبَشِّرًا
وَبُعِثْتَ بِالْقُرْآنِ فِينَا هَادِيًا **** وَطَلَعْتَ فِي الأَكْوَانِ بَدْرًا نَيِّرًا
وَاللَّهِ مَا خَلَقَ الإِلَهُ وَلَا بَرَى **** بَشَرًا يُرَى كَمُحَمَّدٍ بَيْنَ الْوَرَى
فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْأَطْهَارِ الْأَخْيَارِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ… فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الْأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]
عِبَادَ اللهِ: ((وانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ مِن عِظَمِ)) هُوَ عُنْوَانُ وَزَارَتِنَا وَ عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
أَوَّلًا: فِي شَهْرِ رَبِيعِ الأَنْوَارِ.
ثَانِيًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي مِيلَادِ الْهَادِي الْبَشِيرِ.
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: اعْرِفْ قَدْرَ نَبِيِّكَ الْمُخْتَارِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ..

أَيُّهَا السَّادَةُ: مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ ((وَانْسُبْ إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِنْ عِظَمٍ))، وَخَاصَّةً وَالْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا تَحْتَفِلُ بِذِكْرَى مِيلَادِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَخَاصَّةً وَإِنَّ مَحَبَّتَهُ لَيْسَتْ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، وَلَا مَشَاعِرَ تَمُرُّ فِي الْقُلُوبِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ اتِّبَاعٌ لِسُنَّتِهِ، وَاقْتِدَاءٌ بِهَدْيِهِ، وَتَأَدُّبٌ بِآدَابِهِ، وَعَمَلٌ بِأَخْلَاقِهِ، وَخَاصَّةً وَإِنَّ الْحَدِيثَ عَنْ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ حَدِيثٌ عَنْ أَعْظَمِ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى الْبَشَرِيَّةِ؛ فَبِمِيلَادِهِ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ الْهِدَايَةِ، وَأَظْلَمَتْ مَعَالِمُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَخَرَجَ النَّاسُ مِنْ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ وَالْجَهْلِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ وَالْهُدَى.. وَخَاصَّةً، فَمِنْ سُنَنِ اللَّهِ فِي الْكَوْنِ أَنَّ الضِّيَاءَ يَأْتِي بَعْدَ الظَّلَامِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ يَأْتِي بَعْدَ الضِّيقِ، وَأَنَّ الْيُسْرَ يَأْتِي بَعْدَ الْعُسْرِ؛ فَكَانَ مِيلَادُ النَّبِيِّ الْعَدْنَانِ ﷺ مِيلَادَ أُمَّةٍ. فَكَانَ مَوْلِدُ النَّبِيِّ ﷺ وَبِعْثَتُهُ مَوْلِدًا لِنُورِ الْإِسْلَامِ، وَضِيَاءً لِلْحَقِّ الْمُبِينِ، الَّذِي تَبَدَّدَتْ بِهِ ظُلُمَاتُ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، وَزَالَ بِهِ الرَّانُ الَّذِي طُبِعَ عَلَى قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ.. وَمَا أَحْلَى أَنْ يَكُونَ الْـحَدِيثُ عَنْهُ، وَكَيْفَ لَا؟ وَهُوَ إِمَامُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِمَامُ الأَتْقِيَاءِ، وَإِمَامُ الأَصْفِيَاءِ، وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَسَيِّدُ الْـمُرْسَلِينَ، وَقَائِدُ الْغُرِّ الْـمُحَجَّلِينَ، وَصَاحِبُ الشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى يَوْمَ الدِّينِ. وَكَيْفَ لَا؟ وَهُوَ قُدْوَتُنَا، وَأُسْوَتُنَا، وَمُعَلِّمُنَا، وَمُرْشِدُنَا، وَحَبِيبُنَا بِنَصٍّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَخاصة وَمُحَمَّدٌ ﷺ تَحِنُّ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ … وَمُحَمَّدٌ ﷺ تَطِيبُ بِهِ النُّفُوسُ … وَمُحَمَّدٌ ﷺ تَقَرُّ بِهِ الْعُيُونُ … مُحَمَّدٌ ﷺ دُمُوعُ الْعَاشِقِينَ تَسِيلُ لِذِكْرِهِ … وَكَيْفَ لَا؟ … كَيْفَ لَا تَشْتَاقُ إِلَى مَنْ بَكَى الْجَمَلُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وَشَكَا إِلَيْهِ ثِقَلَ أَحْمَالِهِ؟!! وَكَيْفَ لَا تَشْتَاقُ إِلَى مَنْ حَنَّ الْجِذْعُ الْيَابِسُ لِفِراقِه؟!!، وَخَاصَّةً وَالْـحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ جَمِيلٌ رَقِيقٌ رَقْرَاقٌ طَوِيلٌ لَا حَدَّ لِمُنْتَهَاهُ، بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ، وَكَيْفَ لَا؟
مُحَمَّدٌ أَشْرَفُ الأَعْرَابِ وَالْعَجَمِ **** مُحَمَّدٌ خَيْرُ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمِ
مُحَمَّدٌ بَاسِطُ الْمَعْرُوفِ جَامِعَةً **** مُحَمَّدٌ صَاحِبُ الإِحْسَانِ وَالْكَرَمِ
مُحَمَّدٌ تَاجُ رُسْلِ اللَّهِ قَاطِبَةً **** مُحَمَّدٌ صَادِقُ الأَقْوَالِ وَالْكَلِمِ
مُحَمَّدٌ ثَابِتُ الْـمِيثَاقِ حَافِظُهُ **** مُحَمَّدٌ طَيِّبُ الأَخْلَاقِ وَالشِّيَمِ
مُحَمَّدٌ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ مُضَرٍ **** مُحَمَّدٌ خَيْرُ رُسْلِ اللَّهِ كُلِّهِمِ

أَوَّلًا: فِي شَهْرِ رَبِيعِ الأَنْوَارِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: فِي هَذَا الشَّهْرِ ـ شَهْرِ رَبِيعِ الأَنْوَار ـ أَشْرَقَ النُّورُ، وَبَزَغَ الْفَجْرُ، وَوُلِدَ خَيْرُ الْبَشَرِ، رَسُولُنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ. وَلَمْ يَكُنْ مِيلَادُهُ ﷺ حَدَثًا عَابِرًا فِي تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ، بَلْ كَانَ بَدْءًا لِرِسَالَةٍ عَظِيمَةٍ، وَفَاتِحَةً لِعَهْدٍ جَدِيدٍ، أَخْرَجَ اللَّهُ بِهِ النَّاسَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّ الْعِبَادِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَةِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ ظُلُمَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ. فَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى مَنْ كَانَ مِيلَادُهُ رَحْمَةً، وَبِعْثَتُهُ هُدًى، وَسِيرَتُهُ نُورًا، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

وَكُلُّ النَّاسِ تُولَدُ ثُمَّ تَفْنَى*****وَوَحْدَكَ أَنْتَ مِيلَادُ الْحَيَاةِ
وَكُلُّ النَّاسِ تُذْكَرُ ثُمَّ تُنْسَى*****وَذِكْرُكَ أَنْتَ بَاقٍ فِي الصَّلَاةِ
تُرَدِّدُهُ الْمَآذِنُ كُلَّ وَقْتٍ*****وَيَنْبِضُ فِي الْقُلُوبِ إِلَى الْمَمَاتِ
وَفَاحَ الْمِسْكُ أَنَّى كُنْتَ تَمْشِي****وَوَجْهُكَ نُورُهُ عَمَّ الْجِهَاتِ
وَقَدْ تُعْلِي الْمَكَارِمُ قَدْرَ قَوْمٍ****وَيَعْلُو فِيكَ قَدْرُ الْمَكْرُمَاتِ

فِي شَهْرِ رَبِيعِ الأَنْوَارِ: وُلِدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ، مِنْ عَامِ الْفِيلِ. نَشَأَ ﷺ يَتِيمًا، وَلِلْيُتْمِ مَرَارَةٌ وَحُرْقَةٌ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْيَتِيمُ، وَكَانَ يُتْمُهُ تَشْرِيفًا لِكُلِّ يَتِيمٍ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.فَكَفَلَهُ جَدُّهُ، ثُمَّ كَفَلَهُ عَمُّهُ، وَأَرْضَعَتْهُ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ فِي دِيَارِ بَنِي سَعْدٍ، وَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنَ السَّمَاءِ فَشَقَّتْ صَدْرَهُ، وَغَسَلَتْ قَلْبَهُ، فَنَشَأَ نَشْأَةَ طُهْرٍ وَعَفَافٍ، وَاشْتَهَرَ بَيْنَ قَوْمِهِ بِالصَّادِقِ الْأَمِينِ. وَلَا عَجَبَ فِي هَذَا كُلِّهِ، فَقَدْ أَحَاطَتْهُ الرِّعَايَةُ الرَّبَّانِيَّةُ، وَالْعِنَايَةُ الْإِلَهِيَّةُ، وَهَيَّأَ اللَّهُ لَهُ الظُّرُوفَ مَعَ صُعُوبَتِهَا وَقَسْوَتِهَا، وَحَمَاهُ مِنَ الشَّدَائِدِ مَعَ حِدَّتِهَا وَحُرْقَتِهَا، وَسَخَّرَ لَهُ الْقُلُوبَ مَعَ كُفْرِهَا وَظُلْمَتِهَا. وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَ بَدْءُ أَمْرِكَ؟ قَالَ: «دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ».أَمَّا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا بَنَى إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْبَيْتَ، دَعَا رَبَّهُ فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وَيُزَكِّيهِمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الْبَقَرَةِ: 129].فَاسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَهُ فِي نَبِيِّنَا ﷺ، وَجَعَلَهُ الرَّسُولَ الَّذِي سَأَلَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَأَمَّا بُشْرَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَحَيْثُ بَشَّرَ قَوْمَهُ بِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا أَخْبَرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ حِكَايَةً عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصَّفِّ: 6]. فَهُوَ ﷺ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، وَبُشْرَى عِيسَى الْمَسِيحِ، وَرَحْمَةٌ أَرْسَلَهَا اللَّهُ إِلَى الْعَالَمِينَ، فَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

فِي شَهْرِ رَبِيعِ الأَنْوَارِ: وُلِدَ النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،وُلِدَ فِي مَكَّةَ فَكَرَّمَهَا، وَهَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَنَوَّرَهَا، وَسَكَنَ قُلُوبَنَا فَطَهَّرَهَا.
صَلَّى عَلَيْكَ اللَّهُ يَا عَلَمَ الْهُدَىٰ***** وَاسْتَبْشَرَتْ بِقُدُومِكَ الْأَيَّامُ
هَتَفَتْ لَكَ الْأَرْوَاحُ مِنْ أَشْوَاقِهَا***** وَازْدَانَ بِحَدِيثِكَ الْأَقْلَامُ
فِي شَهْرِ رَبِيعِ الأَنْوَارِ: وُلِدَ سَيِّدُ الْخَلْقِ، وَحَبِيبُ الْحَقِّ، وَأَفْضَلُ الرُّسُلِ، وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، حَبِيبُ الْقُلُوبِ، وُلِدَ الرَّحِيمُ الرَّفِيقُ بِأُمَّتِهِ، وُلِدَ أَشْرَفُ الْأَعْرَابِ وَالْعَجَمِ، الْمُصْطَفَى الْعَدْنَانِيُّ ﷺ، وُلِدَ خَيْرُ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ ،فكَانَ مِيلَادُ الرَّسُولِ ﷺ مِيلَادَ أُمَّةٍ، وَمِيلَادَ فَجْرٍ جَدِيدٍ، وَمِيلَادًا لِلْقِيَمِ وَالْأَخْلَاقِ، وَمِيلَادًا لِلْحَضَارَةِ الرَّاقِيَةِ، وَمِيلَادًا لِلْإِنْسَانِيَّةِ كُلِّهَا. فَقَدْ كَانَتْ حَاجَةُ الْعَالَمِ إِلَيْهِ ﷺ حَاجَةَ الْمَرِيضِ إِلَى الشِّفَاءِ، وَالْعَطْشَانِ إِلَى الْمَاءِ، وَالْعَلِيلِ إِلَى الدَّوَاءِ، وَحَاجَةَ الْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ إِلَى النُّورِ الَّذِي تَتَمَنَّاهُ. نَعَمْ، لَقَدْ وُلِدَ الْحَبِيبُ ﷺ، فَكَانَ مِيلَادُهُ ثَوْرَةً عَلَى الظُّلْمِ، وَكَانَتْ بِعْثَتُهُ نَجْدَةً لِلْمَظْلُومِينَ، وَدَعْوَةً إِلَى الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ وَالْكَرَامَةِ. وَبِرِسَالَتِهِ أَشْرَقَ نُورُ الْإِيمَانِ، وَانْكَسَرَتْ قُيُودُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَتَرَاجَعَتْ مَعَالِمُ الظُّلْمِ وَالِاسْتِبْدَادِ، وَقَامَتْ دَعْوَةٌ تُنَادِي بِكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ، وَتُقَرِّرُ أَنَّ النَّاسَ جَمِيعًا أَمَامَ اللَّهِ سَوَاءٌ، لَا فَضْلَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِالتَّقْوَى. وَلَقَدْ كَانَ مِيلَادُهُ ﷺ مِيلَادًا لِرَحْمَةٍ عَمَّتِ الْعَالَمِينَ، وَهُدًى أَخْرَجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَمِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ، وَمِنَ الْفَوْضَى إِلَى النِّظَامِ، وَمِنَ الظُّلْمِ إِلَى الْعَدْلِ.
فِي شَهْرِ رَبِيعِ الأَنْوَارِ: الْقُلُوبُ – يَا سَادَةُ – تَتَعَلَّقُ بِالْـجَمَالِ كَأَمْرٍ فِطْرِيٍّ جِبِلِّيٍّ، فَكَيْفَ بِمَنْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ الْـجَمَالَ وَالْكَمَالَ خَلْقًا وَخُلُقًا؟]. وَيَقُولُ شَاعِرُ الإِسْلَامِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي مَدْحِ النَّبِيِّ ﷺ:
وَأَفْضَلُ مِنْكَ لَنْ تَرَى قَطُّ عَيْنِي **** وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ **** كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ
فِي شَهْرِ رَبِيعِ الأَنْوَارِ: وُلِدَ الْهُدَى فَالْكَائِنَاتُ ضِيَاءٌ **** وَفَمُ الزَّمَانِ تَبَسُّمٌ وَثَنَاءُ
فَكَانَتْ وِلَادَتُهُ ﷺ فَتْحًا، وَبَعْثَتُهُ فَجْرًا، هَدَى اللهُ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَعَلَّمَ بِهِ مِنَ الجَهَالَةِ، وَأَرْشَدَ بِهِ مِنَ الغَوَايَةِ، وَفَتَحَ اللهُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا، وَكَثَّرَ بِهِ بَعْدَ القِلَّةِ، وَأَعَزَّ بِهِ بَعْدَ الذِّلَّةِ. فَهُوَ ﷺ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، وَصَفْوَةُ الأَنَامِ، لَا طَاعَةَ لِلَّهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النِّسَاء: ٨٠ فَاخْتَارَهُ اللهُ لِلنُّبُوَّةِ وَاجْتَبَاهُ، وَأَحَبَّهُ لِلرِّسَالَةِ وَاصْطَفَاهُ ﷺ، بَلَغَ الْعُلَى بِكَمَالِهِ، كَشَفَ الدُّجَى بِجَمَالِهِ، حَسُنَتْ جَمِيعُ خِصَالِهِ، صَلُّوا عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
فِي شَهْرِ رَبِيعِ الأَنْوَارِ: أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ***مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ
وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ**إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ: أَشْهَدُ
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ****فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ، وَهَذَا مُحَمَّدُ

فِي شَهْرِ رَبِيعِ الأَنْوَارِ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يُونُسَ: 58].وَقَدْ وَرَدَ عَنْ حَبْرِ الْأُمَّةِ وَتَرْجُمَانِ الْقُرْآنِ، سَيِّدِنَا ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: «فَضْلُ اللَّهِ: الْقُرْآنُ، وَرَحْمَتُهُ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ)) فَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْنَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحْمَتَهُ الْمُهْدَاةَ، فَحَقٌّ لَنَا أَنْ نَفْرَحَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ، وَأَنْ نُعَبِّرَ عَنْ مَحَبَّتِنَا لِنَبِيِّنَا ﷺ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، وَبِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَالِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ وَأَخْلَاقِهِ.

إِذَا كَانَ هَذَا كَافِرًا جَاءَ ذَمُّهُ * * * وَتَبَّتْ يَدَاهُ فِي الْجَحِيمِ مُخَلَّدَا
أَتَى أَنَّهُ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ دَائِمًا * * * يُخَفَّفُ عَنْهُ لِلسُّرُورِ بِأَحْمَدَا
فَمَا الظَّنُّ بِالْعَبْدِ الَّذِي طُولَ عُمْرِهِ * * * بِأَحْمَدَ مَسْرُورًا وَمَاتَ مُوَحِّدَا
فِي شَهْرِ رَبِيعِ الأَنْوَارِ: مَا أَجْمَلَ ذَاتَكَ، وَأَكْمَلَ صِفَاتَكَ، وَأَعْظَمَ فَضْلَكَ عَلَى أُمَّتِكَ، يَا حَبِيبَ اللَّهِ
صَلَّتْ عَلَيْكَ مَلَائِكُ الرَّحْمَنِ **** وَسَرَى الضِّيَاءُ بِسَائِرِ الْأَكْوَانِ
لَمَّا طَلَعْتَ عَلَى الْوُجُودِ مُزَوَّدًا **** بِحِمَى الإِلَهِ وَرَايَةِ الْقُرْآنِ
قَالَ حَسَّانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَدْحِ النَّبِيِّ وَفِي وَصْفِ النَّبِيِّ ﷺ:
لَمَّا رَأَيْتُ أَنْوَارَهُ سَطَعَتْ *** وَضَعْتُ مِنْ خِيفَتِي كَفِّي عَلَى بَصَرِي
خَوْفًا عَلَى بَصَرِي مِنْ حُسْنِ صُورَتِهِ *** فَلَسْتُ أَنْظُرُهُ إِلَّا عَلَى قَدَرِي
رُوحٌ مِنَ النُّورِ فِي جِسْمٍ مِنَ الْقَمَرِ *** كَحِلْيَةٍ نُسِجَتْ مِنَ الْأَنْجُمِ الزُّهْرِ

ثَانِيًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي مِيلَادِ الْهَادِي الْبَشِيرِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُنْذُ الْأَزَلِ أَنْ يَصْطَفِيَ نَبِيَّهُ الْكَرِيمَ ﷺ، فَاخْتَارَ لَهُ مِنَ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ خَيْرَهُمْ، وَمِنَ الْبُطُونِ أَكْرَمَهَا، فَوُلِدَ مِنْ أَبَوَيْنِ كَرِيمَيْنِ، فِي نَسَبٍ طَاهِرٍ مَحْفُوظٍ مِنْ أَدْرَانِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِي ذَلِكَ إِشْعَارٌ بِمَكَانَةِ هَذَا النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى، وَرِفْعَةِ مَنْزِلَتِهِ، وَعِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ قَبْلَ أَنْ تُشْرِقَ شَمْسُ مَوْلِدِهِ عَلَى الدُّنْيَا.وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: 219]، أَنَّهُ قَالَ: «مَا زَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَقَلَّبُ فِي أَصْلَابِ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».كَمَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ، وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ، مِنْ لَدُنْ آدَمَ، لَمْ يُصِبْنِي سِفَاحُ الْجَاهِلِيَّةِ». ولقد طهرَ اللهُ جلَّ وعلا أصولَ نبِيِّهِ ﷺ تطهيرًا ثم اصطفاهُ مِن هذه الأصولِ الطاهرةِ ليكونَ هدىً ونورًا ورحمةً للعالمين، فعن وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إسماعيل، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» (رواه مسلم).وَهَكَذَا كَانَ اصْطِفَاءُ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ اصْطِفَاءً لِذَاتٍ كَرِيمَةٍ، وَنَسَبٍ طَاهِرٍ، وَخُلُقٍ عَظِيمٍ؛ لِيَكُونَ أَهْلًا لِحَمْلِ أَعْظَمِ رِسَالَةٍ عَرَفَتْهَا الْبَشَرِيَّةُ، رِسَالَةِ الْإِسْلَامِ، وَهَدْيِ النَّاسِ إِلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ.

وَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ بَعَثَ فِيهِمْ خَيْرَ رُسُلِهِ وَخَاتَمَ أَنْبِيَائِهِ وَأَفْضَلَ خَلْقِهِ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، وَأَيَّدَهُ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، فَهُوَ رَسُولٌ مُصْطَفًى، وَنَبِيٌّ مُجْتَبًى، نَبِيٌّ عَظِيمٌ وَإِمَامٌ كَرِيمٌ، قُدْوَةٌ لِلْأَجْيَالِ وَأُسْوَةٌ لِلرِّجَالِ، وَمَضْرِبُ الْأَمْثَالِ وَقَائِدُ الْأَبْطَالِ. مَعْصُومٌ قَلْبُهُ مِنَ الزَّيْغِ، وَيَمِينُهُ مِنَ الْخِيَانَةِ، وَيَدُهُ مِنَ الْجَوْرِ، وَلِسَانُهُ مِنَ الْكَذِبِ، وَنَهْجُهُ مِنَ الْانْحِرَافِ، مَا سَجَدَ لِصَنَمٍ، وَلَا اتَّجَهَ لِوَثَنٍ، مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ، وَلَا شَارَكَ قَوْمَهُ فِي لَهْوٍ وَمُجُونٍ، طَهَّرَ اللَّهُ فُؤَادَهُ، وَحَفِظَ رِسَالَتَهُ، وَأَيَّدَ دَعْوَتَهُ، وَنَصَرَ مِلَّتَهُ، وَأَظْهَرَ شَرِيعَتَهُ، خَتَمَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ، وَنَصَرَ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ، وَكَبَتَ بِهِ أَعْدَاءَهُ، وَخَصَّهُ بِفَضَائِلَ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَأَيُّ أُمَّةٍ كُنَّا قَبْلَ الْإِسْلَامِ؟! وَأَيُّ جِيلٍ كُنَّا قَبْلَ الْإِيمَانِ؟! وَأَيُّ كِيَانٍ نَحْنُ بِغَيْرِ الْقُرْآنِ؟! كُنَّا قَبْلَ مَوْلِدِهِ أُمَّةً وَثَنِيَّةً، أُمَّةً لَا تَعْرِفُ رَبَّهَا، أُمَّةً تَسْجُدُ لِلْحَجَرِ، أُمَّةً تَغْدِرُ، أُمَّةً يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، أُمَّةً عَاقَّةً، أُمَّةً لَا تَعْرِفُ مِنَ الْمَبَادِئِ شَيْئًا. فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ قَدْرَهَا، وَأَنْ يُعْلِيَ شَأْنَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولَ الْإِنْسَانِيَّةِ ﷺ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [آل عمران: 164

بعِثَهُ اللهُ جلَّ وعلا ليُخْرِجَ الناسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، فَكَانَ رَحْمَةً مُهْدَاةً لِلْعَالَمِينَ وَالنِّعْمَةَ المُسْدَاةَ، يَحْنُو عَلَى الكَبِيرِ، وَيَرْحَمُ الصَّغِيرَ، وَيُوَاسِي الكَسِيرَ، يَشْعُرُ بِمَنْ حَوْلَهُ، وَيَهْتَمُّ بِهِ اهْتِمَامًا بَالِغًا، فَهُوَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَرَأْفَةٌ لِلصَّالِحِينَ، وَهُوَ نِقْمَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ وَعَذَابٌ عَلَى الْمُفْسِدِينَ، لَدَى سَيِّدِ الْخَلْقِ وَحَبِيبِ الْحَقِّ، وَأَفْضَلِ الرُّسُلِ، وَخَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ، حَبِيبِ الْقُلُوبِ. وُلِدَ الرَّحِيمُ الرَّفِيقُ بِأُمَّتِهِ، وُلِدَ أَشْرَفُ الْأَعْرَابِ وَالْعَجَمِ، الْمُصْطَفَى الْعَدْنَانِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وُلِدَ خَيْرُ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ.قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ١٠٧]. وَقَالَ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ». فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي دَعْوَتِهِ إِلَى اللهِ بِاللِّينِ وَالرِّفْقِ وَبِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ؟ قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125].

أَيْنَ نَحْنُ أَيُّهَا السَّادَةُ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ نُضَيِّعُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، وَلَا نَحْرِصُ عَلَى أَدَائِهَا، يَا رَبِّ سَلِّمْ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟» قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: «فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» (رَوَاهُ الْبُخَارِي). فَاحْرِصْ عَلَى صَلَاتِكَ تَكُنْ مِنَ السُّعَدَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

أَيْنَ نَحْنُ أَيُّهَا السَّادَةُ مِنْ أَخْلَاقِ نَبِيِّنَا ﷺ؟ نَعَمْ، لَقَدِ انْعَدَمَتِ الْأَخْلَاقُ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَأَصْبَحَ الْوَلَدُ لَا يَحْتَرِمُ أَبَاهُ، وَلَا الْبِنْتُ تَحْتَرِمُ أُمَّهَا، وَلَا التِّلْمِيذُ يَحْتَرِمُ أُسْتَاذَهُ، وَلَا الْجَارُ يُحْسِنُ إِلَى جَارِهِ. مَاتَتِ الْمَبَادِئُ وَالْقِيَمُ وَالْأَخْلَاقُ، فَعَمَّ الْبَلَاءُ وَالْجَهْلُ وَالضَّيَاعُ وَالْخَرَابُ. فَمَا أَحْوَجَنَا أَنْ نَجْعَلَ أَخْلَاقَ النَّبِيِّ ﷺ مَنْهَجًا وَحَيَاةً، وَوَاقِعًا يَتَحَرَّكُ فِي دُنْيَا النَّاسِ. لِذَا حَذَّرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ مِنَ الْمُفْلِسِ سَيِّئِ الْأَخْلَاقِ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))أَيْنَ نَحْنُ أَيُّهَا السَّادَةُ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ؟ فَكَافِلُ الْيَتِيمِ جَارٌ لِلنَّبِيِّ الْعَدْنَانِ ﷺ، فَعَنْ سَهْلٍ قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ: «مَنْ عَالَ ثَلَاثَةً مِنَ الْأَيْتَامِ كَانَ كَمَنْ قَامَ لَيْلَهُ وَصَامَ نَهَارَهُ وَغَدَا وَرَاحَ شَاهِرًا سَيْفَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَكُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ أَخَوَيْنِ كَهَاتَيْنِ» وَأَلْصَقَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى. فَكَافِلُ الْيَتِيمِ جَارٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ، فَأَيُّ فَضْلٍ بَعْدَ هَذَا الْفَضْلِ؟ وَأَيُّ شَرَفٍ بَعْدَ هَذَا الشَّرَفِ؟ وَأَيُّ مَنْزِلَةٍ بَعْدَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؟ إِنَّهَا مُجَاوَرَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ! فَيَا سَعَادَةَ مَنْ كَانَ رَفِيقًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ، وَيَا سَعْدَ مَنْ كَانَ جَارًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ، وَيَا تَعَاسَةَ مَنْ أُبْعِدَ عَنْ مُرَافَقَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ.

أَيْنَ نَحْنُ مِنِ اسْتِغْفَارِ وَتَوْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ الْمَعْصُومُ ﷺ؟ فَجَدِّدْ إِيمَانَكَ فِي قَلْبِكَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالتَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ وَالْعَوْدَةِ إِلَى عَلَّامِ الْغُيُوبِ وَسَتِيرِ الْعُيُوبِ. فَبَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ لَا يُغْلَقُ أَبَدًا؛ يُبْسِطُ رَبُّنَا يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيُبْسِطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا (رَوَاهُ مُسْلِم). وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ: «إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِي). فَالْبِدَارَ الْبِدَارَ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، الْبِدَارَ الْبِدَارَ قَبْلَ النَّدَمِ وَالْحَسْرَةِ عَلَى مَا فَاتَ. فَأَصْلِحْ بِالتَّوْبَةِ مَا هُوَ آتٍ، وَانْدَمْ يَا مِسْكِينُ عَلَى مَا فَاتَ، وَاسْتَعِدْ لِلْيَوْمِ الثَّقِيلِ وَالْهَوْلِ الْكَبِيرِ وَالْخَطْبِ الْجَلِيلِ وَالْعَذَابِ الشَّدِيدِ. آهٍ لِنَفْسٍ لَا تَعْقِلُ آمِرَهَا، ثُمَّ جَهِلَتْ قَدْرَهَا، وَتُضَيِّعُ فِي الْمَعَاصِي عُمْرَهَا.

أَبَتْ نَفْسِي تَتُوبُ فَمَا احْتِيَالِي * ***إِذَا بَرَزَ الْعِبَادُ لِذِي الْجَلَالِ
وَقَامُوا مِنْ قُبُورِهِمْ سُكَارَى **** بِأَوْزَارٍ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ
وَقَدْ نُصِبَ الصِّرَاطُ لِكَيْ يَجُوزُوا **** فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُبُّ عَلَى الشِّمَالِ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسِيرُ لِدَارِ عَدْنٍ **** تُلْقَاهُ الْعَرَائِسُ بِالْغَوَانِي
يَقُولُ لَهُ الْمُهَيْمِنُ يَا وَلِيِّي **** غَفَرْتُ لَكَ الذُّنُوبَ فَلَا تُبَالِي
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِسْمِ اللهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ … أَمَّا بَعْدُ:

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: اعْرِفْ قَدْرَ نَبِيِّكَ الْمُخْتَارِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ..
أَيُّهَا السَّادَةُ: جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أُسْوَةً حَسَنَةً لَنَا، فَالَّذِي أَدَّبَهُ وَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهُ هُوَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا، وَالَّذِي عَلَّمَهُ فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهُ هُوَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا، فَهُوَ الأُسْوَةُ الْـحَسَنَةُ، وَالْقُدْوَةُ الطَّيِّبَةُ، وَالْمُصْطَفَى الْـمُجْتَبَى مِنْ بَيْنِ الْعَالَمِينَ، شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَهُ، وَرَفَعَ اللَّهُ لَهُ قَدْرَهُ، وَأَعْلَى اللَّهُ لَهُ ذِكْرَهُ، وَطَهَّرَهُ وَرَفَعَهُ وَكَرَّمَهُ عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ. زَكَّاهُ رَبُّهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ: • زَكَّاهُ فِي عَقْلِهِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: 2]. • وَزَكَّاهُ فِي بَصَرِهِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: 17]. • وَزَكَّاهُ فِي صَدْرِهِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1]. • وَزَكَّاهُ فِي ذِكْرِهِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]. • وَزَكَّاهُ فِي طُهْرِهِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: 2]. • وَزَكَّاهُ فِي صِدْقِهِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: 3]. • وَزَكَّاهُ فِي عِلْمِهِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: 5]. • وَزَكَّاهُ فِي حِلْمِهِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. • وَزَكَّاهُ فِي خُلُقِهِ كُلِّهِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمْ، اللَّهُ أَكْبَرُ!

وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفًا وَتِيهًا ***** وَكِدْتُ بِأَخْمُصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ: (يَا عِبَادِي) *** وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيًّا
فَأَحْلَمُ النَّاسِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَأَشْجَعُ النَّاسِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَأَعْدَلُ النَّاسِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَأَعَفُّ النَّاسِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَأَسْخَى النَّاسِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَأَجْوَدُ النَّاسِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَأَعْقَلُ النَّاسِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَأَشَدُّ النَّاسِ حَيَاءً مُحَمَّدٌ ﷺ، وَأَجْمَلُ النَّاسِ خَلْقًا وَخُلُقًا وَصَوْتًا وَبَهَاءً مُحَمَّدٌ ﷺ. نَعَمْ أَيُّهَا السَّادَةُ: كَانَ سَيِّدُنَا دَاوُدُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِذَا سَبَّحَ اللَّهَ سَبَّحَتِ الْـجِبَالُ وَالطَّيْرُ مَعَهُ لِحُسْنِ صَوْتِهِ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْـحَدِيدَ﴾ [سبأ: 10]. وَأُعْطِيَ سَيِّدُنَا يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نِصْفَ الْـجَمَالِ الَّذِي بَيْنَ الْبَشَرِ، فَكَانَ شَدِيدَ الْـجَمَالِ ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: 31]. وَأَمَّا مُحَمَّدٌ ﷺ فَأُعْطِيَ الْـجَمَالَ كُلَّهُ، فَقَالَ ﷺ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا حَسَنَ الْوَجْهِ، حَسَنَ الصَّوْتِ، وَإِنَّ نَبِيَّكُمْ أَحْسَنُهُمْ وَجْهًا وَأَحْسَنُهُمْ صَوْتًا». فَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ،
صَلُّوا عَلَى الْمَبْعُوثِ فِينَا رَحْمَةً *** تُكْتَبْ لَكُمْ عَشْرًا لَدَى الرَّحْمَنِ
صَلَّى عَلَيْكَ اللَّهُ يَا خَيْرَ الْوَرَى *** مَا ضَجَّتِ الْآفَاقُ بِالْأَذَانِ

فَحَرِيٌّ بِنَا أَنْ تَكُونَ ذِكْرَانَا لِمَوْلِدِ نَبِيِّنَا كُلَّ يَوْمٍ، وَأَنْ تَكُونَ هَذِهِ الذِّكْرَى ذِكْرَى لِسِيرَتِهِ وَشَرِيعَتِهِ، وَأَنْ يَدْفَعَنَا ذَلِكَ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِسُنَّتِهِ وَالِاهْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ فِي سَائِرِ شُؤُونِ حَيَاتِنَا، وَصَدَقَ اللهُ إِذْ يَقُولُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. وَاجِبُنَا أَنْ نُطِيعَهُ وَنَتَّبِعَ سُنَّتَهُ ﷺ، وَنُنَفِّذَ أَوَامِرَهُ، وَنَسْلُكَ طَرِيقَهُ، وَنَقْتَدِيَ بِهِ، وَلَا يَصْلُحُ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا بِمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهَا، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7]، وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وَاجِبُنَا مَحَبَّتُهُ ﷺ وَإِجْلَالُهُ وَتَعْظِيمُهُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24]. إِنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ لِسَيِّدِنَا الْمُصْطَفَى ﷺ، وَإِظْهَارَ الشَّوْقِ وَالْحَنِينِ إِلَيْهِ، وَتَمَنِّيَ رُؤْيَتِهِ، وَاللَّهَجَ بِذِكْرِهِ وَمَدْحِهِ بَيْنَ الْعَالَمِينَ، مِنْ عَلَامَاتِ صِدْقِ الْمَحَبَّةِ؛ فَمِنْ عَلَامَةِ صِدْقِ الْمُحِبِّ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِ مَحْبُوبِهِ. وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النِّسَاءِ: 69].قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لَهُ، قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ، وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَنَحِلَ جِسْمُهُ، وَيُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:يَا ثَوْبَانُ، مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ؟»فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بِي مِنْ ضُرٍّ وَلَا وَجَعٍ، غَيْرَ أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَكَ اشْتَقْتُ إِلَيْكَ، وَاسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الْآخِرَةَ، وَأَخَافُ أَلَّا أَرَاكَ هُنَاكَ؛ لِأَنِّي أَعْرِفُ أَنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَأَنِّي إِنْ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتِكَ، وَإِنْ لَمْ أَدْخُلِ الْجَنَّةَ، فَذَاكَ أَحْرَى أَنْ لَا أَرَاكَ أَبَدًا)) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.وَهَكَذَا نَعْلَمُ أَنَّ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، وَلَا مَشَاعِرَ تُحَرَّكُ فِي الْقُلُوبِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ مَحَبَّةٌ تَحْمِلُ صَاحِبَهَا عَلَى الطَّاعَةِ وَالِاقْتِدَاءِ، وَالْحِرْصِ عَلَى سُنَّتِهِ وَهَدْيِهِ، وَكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ.فَمَنْ أَحَبَّ النَّبِيَّ ﷺ صِدْقًا، فَلْيَجْعَلْ مِنْ سِيرَتِهِ مَنْهَجَ حَيَاتِهِ، وَمِنْ أَخْلَاقِهِ زَادَهُ، وَمِنْ سُنَّتِهِ نُورًا يَهْتَدِي بِهِ فِي طَرِيقِهِ إِلَى اللَّهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 31].وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾».وَقَالَ ﷺ:لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».وَلَمَّا قَالَ عُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا نَفْسِي»، قَالَ ﷺ: «وَلَا هَذِهِ يَا عُمَرُ»، فَقَالَ: الْآنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى نَفْسِي. قَالَ ﷺ: «الْآنَ يَا عُمَرُ».وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
مَنْ يَدَّعِي حُبَّ النَّبِيِّ*****وَلَمْ يَفُدْ مِنْ هَدْيِهِ، فَسَفَاهَةٌ وَهَرَاءُ
فَالْحُبُّ أَوَّلُ شَرْطِهِ وَفُرُوضِهِ*****إِنْ كَانَ صَادِقًا: طَاعَةٌ وَوَفَاءُ

فَمَحَبَّةُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَتْ دَعْوَى بِاللِّسَانِ، وَلَا شِعَارًا يُرَدَّدُ فَقَطْ، بَلْ هِيَ اتِّبَاعٌ لِهَدْيِهِ، وَتَمَسُّكٌ بِسُنَّتِهِ، وَتَأَدُّبٌ بِأَخْلَاقِهِ، وَطَاعَةٌ لِأَمْرِهِ، وَحِرْصٌ عَلَى الاقْتِدَاءِ بِهِ فِي كُلِّ شُؤُونِ الْحَيَاةِ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي مَحَبَّتِهِ لِلْمُصْطَفَى ﷺ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى سُلُوكِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ؛ فَإِنَّ أَثَرَ الْمَحَبَّةِ الصَّادِقَةِ يَظْهَرُ فِي الِاقْتِدَاءِ وَالطَّاعَةِ وَالْوَفَاءِ.
وَاجِبُنَا أَنْ نَتَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِ نَبِيِّنَا ﷺ وَأَنْ نَسِيرَ عَلَى دَرْبِهِ لِنَسْعَدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَلَقَدْ كَانَ الْمُصْطَفَى ﷺ أَكْرَمَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَحْلَمَ النَّاسِ، وَأَكْثَرَهُمْ بِرًّا وَوَفَاءً، وَصِدْقًا وَصَبْرًا وَحَيَاءً، وَكَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، فَكَانَ قُرْآنًا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ..

هٰذَا الْحَبِيبُ الَّذِي فِي مَدْحِهِ شَرَفِي **** وَذِكْرُهُ طَيِّبٌ فِي مَسْمَعِي وَفَمِي
هٰذَا أَبُو الْقَاسِمِ الْمُخْتَارُ مِنْ مُضَرٍ **** هٰذَا أَجَلُّ عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهِمِ
هٰذَا هُوَ الْمُصْطَفَى أَزْكَى الْوَرَى خُلُقًا **** سُبْحَانَ مَنْ خَصَّهُ بِالْفَضْلِ وَالْكَرَمِ
هٰذَا الَّذِي لَا يَصِحُّ الْفَرْضُ مِنْ أَحَدٍ * ***وَلَا الْأَذَانُ بِلَا ذِكْرِ اسْمِهِ الْعَلَمِ
حَفِظَ اللهُ مِصْرَ قِيَادَةً وَشَعْبًا مِنْ كَيْدِ الْكَائِدِينَ، وَحِقْدِ الْحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ الْمَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ الْمُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ الْمُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الْخَائِنِينَ.

كَتَبَهُ العَبدُ الفَقيرُ إِلَى عَفوِ رَبِّهِ د/ مُحَمَّد حِرز إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوقَافِ